ممدوح بيطار :
يبدو وكأننا آخر الشعوب , التي لاتميز بين الانتصار الحربي والنجاح الحياتي , لانزال نعول على مفهوم أو فكرة “الانتصار” , والجرعة او الكمية الكافية منه لكي نشعر بالاستقرار والانتماء الى ذاتنا العميقة , التي بنت حياتها على قوة السيف (أصدق من الكتب) .
لقد كان لمفهوم الانتصار تأثيرا مدمرا على مفهوم السياسة , ففي عالم الدول أي عالم السياسة,يمثل التخلي عن السياسة في هذا العصر ,التخلي عن السيف قبل 1400 سنة , تدمير السياسة كان عن طريق اختلاق عدوا وهميا أو حقيقيا لها , كيف ؟
اننا نشعر بالحاجة الى عدو ….حقيقة لتبرير اخفاقاتنا ,بشكل عام كانت موجبات الحاجة للعدو أقرب الى الضبابية منها الى الواقعية , لذلك ليس من الضروري أن نبحث في أمر العداء كل يوم وساعة , فالعداء ضروري حتى بدون أسباب وجيهة , نعلن عن عدو ما , وأفضل الأعداء هم الأعداء الذين لايمكن منازلتهم مثل أمريكا , أصلا لانريد ضمنيا المنازلة , انما نريد الشماعة التي نعلق عليها فشلنا وتأخرنا ,دمرنا مفهوم ومفعول السياسة عن طريق الثبات على عدو واحد معين بدون حدود زمنية …فالعدو يبقى عدو مهما تطورت وتغيرت الظروف … انه أمريكا والغرب , وبهذا نكون قد تخلينا عن أهم أركان السياسة , التي لاتعرف العداء الأبدي ولا تعرف الصداقة والأحلاف الأبدية.
بعد أن قتلنا السياسة عن طريق مفهوم العدو الأبدي , قتلنا أيضا التمارين الضرورية لبناء “الوعي” , لطاما أمريكا عدونا الى الأبد , لذا لالزوم للمراجعة الناقدة , أي لالزوم لوعي جديد وفكر جديد ونظرة جديدة , ولا لزوم للتفكير بخصائص العلاقة مع أمريكا , ولا للسؤال لماذا هذا العداء ؟؟, ولو فكرنا وفككنا وحللنا لاكتشفنا بأن جوهر العداء لأمريكا والغرب كان في الصدمة الحضارية في أوائل القرن العشرين , ليس فقط الصدمة , انما كون الغرب وخاصة أمريكا مصدرا لزعزعة البناء الفكري الاسلامي العربي بخصوص الديموقراطية , وبخصوص العدالة الاجتماعية والحريات , ثم موضوع المرأة والمساواة ,وفصل الدين عن الدولة , والعديد من “البدع” الغربية الأخرى , التي لاتتناسب مع الشرقية العربية الاسلامية .
الحداثة كانت العدو الحقيقي , الذي لايجوز الاعلان عنه صراحة , فالاعلان عن العداء للحداثة هو بمثابة ادانة ذاتية , والأسهل من الاعلان عن العداء للحداثة , كان قلب مفهوم الحداثة ,كما فعل رئيس حزب تونسي اسلامي بقوله ….. قدوتنا افغانستان , هناك يعيش البشر في ظل الحاكمية الالهية ,وهذه هي الحداثة , فالله حديث دائما وتقدمي دائما , والتشكيك بحداثة افغانسان هي بمثابة تشكيل بالحكمة الألهية , هذا كفر وزندقة , أفغانستان هي المعيار ونهاية المسار .
عوضا عن الحداثة أوجد البترول بابا خلفيا للتهرب من استحقاقات هذه الحداثة , لقد كان التحديث الاستهلاكي …. السيارة أو الطائرة أو الجوال أو اليخت أو الآلة بشكل عام , النحديث الاستهلاكي كان قشرة تختلف بشدة عن جوهر الحداثة… , التبس علينا الفرق بين الحداثة والتحديث , كما التبس علينا الفرق بين الانتصار والنجاح .
الشعوب التي لم تكتشقف الخط الفاصل بين الانتصار والنجاح هي شعوب (هووية) , شعوب لم تطرح على نفسها السؤال كيف عليها أن تنجح في اختراع ذات جديدة , وفي تحويل “ذات ” الانتصار الى “ذات ” النجاح “, الانتصار بالسيف هو الممثل للذات البدوية , ولكن تحول شعوب العشائر والقبائل الى مجتمعات كفيلة باقامة واحتضان ” الدولة ” , يمثل تطور النصر البدوي الى النجاح الاجتماعي…لقد كنا بالبدوية وبقينا بالبدوية , كنا شعوبا ولم نتحول الى مجتمعات.
Post Views: 425