اين هم علمائكم من العلم …تشجيع العلم بمحاربته !

ممدوح  بيطار  :

   أصلا  لاوجود لحالة العداء  أو الضدية بين العلمانية  والدين  , لأن العلمانية ليست دين ودائرة  عملها  ومهماتها محصورة على الأرض , في حين  دائرة اهتمامات الدين في السماء والغيب , الدين مستقل في فضائه  والعلمانية مستقلة في فضائها  , تبدأ الخلافات عندما  يعتدي  طرف على الآخر , كأن يحاول  الدين فرض  شروط حياة معينة  على الأرض , بيت  القصيد في عدم تمكن  العلمانية من التكييف مع  الدين أو تكييف  الدين مع العلمانية  هو العقل …مكانته  وأهميته وواجباته ! فالعلمانية   “عقل”  وهذا العقل  يفكر ويحلل ويقود  ويطور  وينتقد  وينقض ويغير القيم  ويطورها  وبه  يتمثل النقيض من الثوابت , أما  الدين , ولنأخذ القرآن على سبيل  الذكر  على سبيل المثال  فلا عقل له  لأنه  لايجتهد ولا يطور ولا يغيير   وبكلمة  أخرى  يصر  على  الثوابت  , التي  يعتبرها  صالحة لكل زمان ومكان , الدين  يحذف الذات  البشرية لصالح الذات الالهية  , وما على المخلوق البشري  الا  ممارسة  النقل والاكتفاء بالنقل .

 لايقتصر التناقض بين  العلمانية  والدين على ماذكر , هناك  تناقض مهم   بين  الفلسفة  التي هي  منتج عقلي وبين الدين , الفلسفة لا تعترف بدليلٍ سوى العقل والمنطق, ولا تقبل أيّ حقيقة إلا بعد عرضها على العقل وقبوله لها, الدين يستقي من الوحي  ومن  حجج  الرسل والأنبياء, وفي العصر العلمي  لم يعد  كلام الأنبياء  وتجاربهم  حجة   , ازداد التناقض  بطغيان صوت العقل على صوت الوحي, حيث اقتلع العلم  الكثير من الخرافات باستثناء  خرافات  بلادنا   , فكيف يمكن اقتلاع الخرافات   عندنا  بدون العلم  , وهل عندنا علم  عندما يحتكر المشايخ   اسم    “عالم” وعلماء  , لاتعرف هذه البلاد  الا علماء الدين  , ولا وجود  لعلماء الفيزياء  والكيمياء    والهندسة ..الخ ,قوة الجهل  هي  ترجمة  لقوة  الخرافة  , وهل   تقدم  شعب   بقوة الخرافة ؟

 المعارف الدينية لا عقلانية بالمعنى الفلسفي, ودائرتها منفصلة تماماً عن دائرة العلم والفلسفة, فرسالة الأنبياء غير رسالة الفلاسفة!!!,  يخاطب الأنبياء قلوب الناس وعواطفهم,بينما  يخاطب الفلاسفة عقولهم وأفكارهم؟,  وهل  يمكن  هداية   انسان  بدون  عقل  ؟

 الصراع بين العقل والدين قائماً طوال  تاريخ الأديان التوحيدية, فقبل الثورة الصناعية في أوروبا, تناولت   الفلسفة القضايا الدينية ودافع   البعض   عن الدين, لكن بعد النهضة العلمية وظهور المدارس الفلسفية الحديثة وفلسفات العلوم, برز الصراع بين العلم والدين,وازداد   الاتكال  على العقل التجريبي, وضاقت الأرض بالدين والفلسفة بمعناها المتداول في القرون الوسطى, وأصبح صوت العقل فوق صوت الوحي,وسعى   المتدينون لحفظ سلطة الكنيسة والإيمان بشتى الطرق, لكن لم تكن جهودهم مجدية,فسيف العلم   تمكن  من   اقتلاع كل  مانع   اعترضه , وفي فترة وجيزة انهار النظام الفكري الأرسطي, وتزعزعت عقائد الكنيسة   المتحجرة  ,وأعلن دعاة العلم   موت  التحجر   الكنسي ,  وبشروا   بدين   البشرية   الجديد  , الذي  هو  العلم .

لابد   لكي   يتقدم   المسلمون من  زعزعة   عقائدهم   التي  قادت  الى  تأخرهم ,  لابد  من   تطوير    الايمان   وتحويله  الى     قناعة  عقلية , مبنية  على  الفهم  والادراك ,  ثم  الابتعاد   عن  المقولات  التي  لاجدوى  منها  , كمقولة   الاسلام  يشجع  العلم  , والنتيجة   هو   جهل  المسلمين  النسبي  في  كل   المجالات  , منطقيا  على   المتدين  والمنتمي  الى  دين   يشجع  العلم ,  ان  يكون  عالم  ,  لا  أن   يكتفي  بتحويل   الشيخ      الجاهل    عمليا   الى  عالم  اسمي ,  انه  تكاذب  وخداع   للذات , ولا  خروج  من   دائرة   الجهل   بهذه  الطرق   القاصرة ,  يشجعون   العلم  بمحاربة  العلماء  ومطاردتهم  واتهامهم  بالزندقة  والهرطقة  وطردهم  وقتلهم, كلنا  على  علم  بقصة  ابن  رشد  وطرده  وحرق  كتبه, وابن  المقفع  الذي  تم  تقطيع  أطرافه  وشويها  على   النار   وارغامه على  أكلها  حتى مات من الألم, والحلاج   الذي  شوي  ايضا ,  والجعد بن درهم الذي  ذبح في العيد بسبب أفكاره الفلسفية , والرازي الذي  ضربوه  بالكتب  حتى  فقد  بصره, والكندي الذي جلد 60 جلدة في ميدان عام, وابن  خلدون  الذي  حرقوا  كتبه  ومنزله,وابن  سينا , الذي  اتهموه  بالكفر  وكانوا  سيقتلوه  والفارابي كذلك , لأنهم تكلموا  بالفلسفة …. هل هذا هو تشجيع  الدين   للعلم ؟ إذا كان هذا هو تشجيع العلم, فكيف تكون محاربة العلم؟؟؟؟؟؟؟

ممدوح  بيطار :syriano.net

رابط  المقال :https://syriano.net/2020/10

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *