فاتح بيطار :
الشارع العربي الاسلامي حائر وقلق بخصوص الحاضر والمستقبل , خاصة بعد أن نفذ تأثير الغرور والادعاء والتكاذب الذاتي …. الجوع لايكذب والتطفل على الغير مرئي وملموس … الفاجعة بلغت حدا لايستقيم مع التكابر والتمويه والتلفيق , لم يعبر الماضي سوى عن الهزيمة , وحتى الفتوحات كانت هزائم من أكبر الهزائم … الفتوحات هزيمة اخلاقية , والتعيش من غنائم حروب الفتوحات كان عابرا , الا أن تأثيراته على بنية وأخلاق المسلم العربي كان كبيرا …. فالفتوحات علمتهم التعفيش , الفتوحات وغنائم الحرب علمت الشعوب اضافة الى ذلك ممارسة الفساد ثم التطفل والاتكالية , وبالأخص ممارسة العنف والارهاب ….كل ذلك أصبح من خواص الحاضر المهزوم , وسيكون من خواص المستقبل ايضا …. لا انقاذ سوى بأشباه العجائب , التي لم أؤمن بها يوما ما, انه ماض مثقل بالهزيمة , قاد الى حاضر مهزوم وسيقود الى مستقبل أشد هزيمة …….
بغض النظر عن الماضي المهزوم , لم نعرف أي نجاحات في الحاضر …. ضاعت فلسطين وانتصرت شرذمة من الصهاينة على الجيوش العربية , ولدت دولة اسرائيل , وتحولت الى قوة عالمية علمية وعسكرية واقتصادية عظمى , بينما تحولت الدول العربية الى أقزام أو الى لادول , انتهى العراق على يد صدام حسين قبل أن ينتهي على يد الأمريكان وحلفائهم , العراق تخلف وانتهى وأصبح بؤرة من للفساد والفقر والعنف .
لاتكفي قصة العراق وقصة فلسطين من أجل البرهنة على استمرار الانهزام , ولرسم صورة عن الواقع العربي -الاسلامي الحالي والمتوقع مستقبلا , لم ينحصر القصور والتقصير في مجال محدود , انما كان شاملا , وحال جميع الدول العربية متشابه من ناحية المبدأ, وذلك بألرغم من اختلاف شدة الأزمة من بلد لآخر, وبالرغم من تلون كل وضع بلون آخر يميزه جزئيا عن غيره .
نظرة الى الجزائر وحالة الحرب الداخلية الساخنة في تسعينات القرن الماضي , والمشاكل بين العرب والأمازيغ , ثم ليبيا , وجزئيا تونس , والأمر في السودان لم يختلف عن أمر بقية الدول , لابل كان كارثيا بامتياز, وفي مصر مشابه تقريبا …هناك لبنان وسوريا والسعودية ….كلهم يعانون من نفس المرض , وكلهم عرفوا الهزيمة المطلقة , …. تردت الأمور واستفحلت وتوسعت الهوة بين الأنظمة والمجتمعات , واستيقظ العنف الكامن , الذي انفجر وفجر ووضع العالم العربي -الاسلامي في دوامة العزلة والرفض الدولي , واحتقار العرب المسلمين من كل العالم تقريبا .
تفاقمت الأزمة المزمنة, والتي عانى منها الجميع , وبدرجات تفاقم مختلفة , والأختلاف عكس خصوصية كل بلد , مثل طريقة الاستيلاء على السلطة , ثم العصبية التي يستند عليها كل حكم , ودور الثقافة والتناقضات الاجتماعية , التي تتطور كنوع من العجز المتصاعد , ثم عدم التمكن من التمدن بقانون مدني وشفاف وخاضع للمساءلة الشعبية …. ثم الفرض المستمر لحالة الطوارئ التي تلغي سيادة القانون , وتجعل الدستور بلا معنى … وتأسيس قوى القمع وتدخلها في مجرى الحياة اليومية…. لالزوم لذكر المزيد !
عندما تكف سيادة القانون تكف الدولة عن أن تكون التجسيد للكلية الاجتماعية , وتتحول الدولة الى تجسيد للمصالح الخاصة الأقلوية , مما يقود الى تماهي السلطة مع الدولة , والى استيعاب السلطة للدولة , عندما تفقد الدولة عموميتها وتمثيلها للمجتمع تفقد السلطة عموميتها , وتتحول الى قوة غريبة , نعرفها تحت اسم الاستعمار الداخلي , الذي يتحكم بالغير , ويحتكر الثروة وينهب علنيا , ثم يغتال الحريات ويرفض المساواة امام القانون , وبذلك ينتهي وجود الوطن وبالتالي المواطنة , ويمهد الطريق للاعتراض والتمرد وممارسة العنف , العنف يصبح حتمي عندما تمارسه السلطة في الدفاع عن نفسها , عندها يصبح العنف ضروري لمهاجمتها, هذا العنف يختلف جذريا عن العنف المؤسس والمبرر والموجه دينيا .
العلاج لايتم سوى بالانتقال من صيغة الدولة الخاصة الى صيغة الدولة العمومية , الانتقال من الدولة القائمة على احتلال وغزو الدولة من قبل السلطة , الانتقال الى دولة العقد الاجتماعي والحفاظ عليه بالتوافق الاجتماعي, الانتقال من الدولة الشمولية الى الدولة الديموقراطية , ان كسر الدارة المعيبة , التي تقود المجتمعات الى المجهول المظلم ليس بالأمر المستحيل , يكفي الانكفاء عن القمع وتبريره , واطلاق الحريات العامة المنظمة , ثم فسح المجال للمشاركة السياسية , لاوجود لظروف غير مناسبة من أجل البدئ بالممارسة الديموقراطية , سوى النقص في الوعي الديموقراطي واضطراب ديموقراطية الوعي , وهذا ما يجب ان تجذره هذه الشعوب في دواخلها وتتعلمه , يخضع التطوير المستمر للضرورة المستمرة , وليس للظروف المزاجية , الطريق الصحيح ليس الطريق الى المجهول , انما طريق الرؤية الصحيحة , التي تحدد وتسلك الطريق الصحيح .
فاتح بيطار :syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2020/10
