ممدوح بيطار :
ليس للعهدة العمرية قيمة في صناعة الحدث الاحتلالي أو الفتوحات , لذلك لاقيمة لكونها حقيقية أو مزورة , فلصناعة الحدث الأحتلالي أي الفتوحات مسببات سبقت الصياغة المفترضة للعهدة بمدة طويلة , السبي والنهب والسطو على القوافل التجارية ثم هيمنة مفهوم الحق البدوي سابق للعهدة . وحتى في العصر الحديث لاتزل عقلية الفتوحات مهيمنة , لايزال الكثير من الاسلاميين سجناء مفهوم الغزو وملحقاتة واختلاطاته وتصوراته , وحتى مفهوم الوطن والمواطنة والوطنية لم يثنيهم عن الترحيب بغزوة اردوغان , لابل الاشتراك في عملية غزوة الأوطان , سبب ذلك كان كونهم مؤمنين أكثر من كونهم مواطنين , وطنهم افتراضي هو سوريا , و انتمائهم الحقيقي كان الأمة او الدولة والأصح القول الخلافة الاسلامية , حتى لو كانت عثمانية ولم تكن عربية , وعلى الأخص لم تكن قريشيية (مخالفة البند السابع من شروط الخليفة ).
مما ذكر يمكن استنتاج عدم وجود علاقة سببية بين العهدة وبين ماحدث في بلاد الشام أو شمال أفريقيا أو حتى الهند , ويمكن القول بأن العهدة قد سجلت ماحدث بالضبط في كل البلدان المفنوحة قبل عمر وبعد عمر والى اليوم , يتقاطع واقع التعامل مع الشعوب المفتوحة في الأمبراطورية العربية الاسلامية بشكل مذهل مع نص العهدة , لذا فالعهدة اذن هي ” شاهد ” تاريخي على ما حدث وليست سببا لما حدث .
فما حدث كان مظهرا من مظاهر العداء التي يكنها الاسلام أي الاسلاميون تجاه الذين لايؤمنون بالاسلام دينا خصوصا من المسيحيين واليهود , فالتاريخ الاسلامي يزخر منذ مطلع عهده بممارسة الاعتداء والغزو ثم ممارسات ابادة الآخرين تحت شعار الفتوحات , وكأن الاحتلال يصبح ألطف وأفضل عند تهجينه الى مفهوم وممارسة الفتح , لم يكن ماحدث بالدرجة الأولى الا استمرارا لأحداث قبل الأسلام , فقبل الاسلام كانت هناك الغزوات الصغرى , وبعد الاسلام كانت هناك الغزوة الكبرى الموحدة , والخاضعة لقانون ثابت بما يخص توزيع الحصص بين الغازي المباشر والغازي غير المباشر أي الخليفة
يقترن مفهوم الفتح بالتملك , وبالتالي تحول الاحتلال الاستعماري الى استعمار استيطاني , وأقبح أشكال الاستعمار هو الاستعمار الاستيطاني , ثم أن ربط الفتوحات بالارادة الالهية , أي أن الله أمر عبيده الجدد بغزو بلدان عبيده القدامى , والسيطرة العسكرية عليهم , وسلب ارادتهم , وتقبل كل انواع اذلالهم, ليس متوقعا أو مقبولا من ذلك الله, فالله الذي يأمر عبيده الجدد بغزو بلاد الأخرين واحتلال مناطقهم اخضاعهم هو اله لايستحق سوى الازدراء والتحقير , الا أنه حقيقة لم يأمرهم بذلك , لقد لفقوا باسمه , المجاهدون في سبيله هم من طعن به وأساء لسمعته ,
هناك العديد من الدلائل التي تشير الى صعوبة تعايش الأسلام مع الشعوب والديانات الأخرى , التي لاتدين بالاسلام , التاريخ الاسلامي يؤكد هذه الملاحظة بالرغم من انكارها من قبل الاسلاميين , يصر التاريخ الاسلامي على التلفيق والتنكر ,والانكار يتم بوسائل ومنطق غريب عجيب , مثلا , يقال بأن الفتح جيد لأن السيد لوبون قال , لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من المسلمين, هنا يتم القفز فوق عملية الفتح المجردة وتجاهلها , فالفتح المجرد هو جوهر الأمر , الفتح بحد ذاته اعتداء على الغير بغض التظر عن كونه اعتداء أخف وطأة من اعتداء الآخرين , العبرة بالفتح , وليست وليست بمعاملة الفاتح لسكان الأرض المفتوحة , أكاد لا أصدق المقولة التي تنسب للمؤرخ لوبون , لايرف التاريخ فاتحا أرحم من الفاتحين المسلمين , تتضمن هذه العبارة ضديات لايجوز دمجها مع بعضها البعض الا في حالة التلفيق والرياء , لايمكن أن يكون الفاتح عادلا لأن عملية الفتح بحد ذاتها نقيض للعدل , ولا يمكن ترجمة العدالة بالفتح , لأنه ليس بامكان الفتح ان يكون عادلا ..لم يعرف التاريخ لصا أعدل من اللص فلان …كيف ذلك ؟
لايكمن اجرام عمر وغير عمر في صياغة العهدة , انما في فعلة الفتح بحد ذاتها , اضافة الى ذلك الممارسات التي حدثت في ظل الفتح , حتى لو تفهم البعض هذه الممارسات عن طريق تقييمها نسبيا , يبق الفتح جريمة مطلقة تلغي أي ايجابية نسبية !
ممدوح بيطار :syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2020/05
