ممدوح بيطار :
جوهر المسألة هو الاصلاح, ثم جعل الحياة صالحة للعيش , فحياتنا ليست صالحة للعيش ولم تكن صالحة, وحياتنا تخضع للعديد من المؤثرات , بعضها يتوضع ضمن ارادتنا , وبعضها الآخر خارج عن هذه الارادة ولا يخضع لها, الدين والتراث هم من أهم المؤثرات على الحياة في بلداننا , لذا كانت هناك محاولات لاصلاح الدين وتغيير شكل التعامل مع التراث , كالقطيعه معه .
في بعض الحالات تطور اصلاح الدين جزئيا الى عكسه … خاصة ولادة تيارا قال , ان سبب الأزمة كان الابتعاد عن الدين , وليس الالتزام بأحكام الدين مما قاد الى ازدياد التطرف الديني , الذي ترافق مع ولادة مفردات وتعابير جديدة مثل تعبير “المسلم الأعلى ” أي الانسان الأعلى دينيا , ثم محاولات اعادة الحياة الى ما مات من التراث, نتائج كل هذه الجهود كانت مخيبة للأمل, ولم تكن كما تمنى البعض , اذا بالنتيجة لانزال نسير الى الوراء ولا نزال في اطار الفشل وخيبة الأمل ,ولا يزال هناك التباس كبير حول الاصلاح والكفر, كافر من يحاول تأويل النصوص من جديد !, كافر من اجتهد , انه بذلك زنديق مخترع للبدع الشريرة , التي يريد الدين أن ينأى بنفسه منها.
حقيقة لم يكن هناك كفرا ولا زندقة ولا مسا بالمقدس الديني , الذي لاقداسة له , فالمقدس أصلا هو الانسان , الذي عليه أن ينجو من الدين , الذي يهدده , لم يكن الأمر محاولة للمساس بالدين , بقدر ماهو محاولة للبرهنة على أن الدين ليس صالحا لرعاية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السياسية المعقدة,وفقدان الصلاحية ليس بالجديد ..عمره هو عمر الدين أو الأديان , لم تكن الجهود موجهة الى تغيير طبيعة الدين ,انما الى اعادة الدين الى وضعه الطبيعي, أي الى طبيعته الفردية بوصفه تجربة خاصة , وتعريفا لعلاقة خاصة بين الفرد والغيب …الدين للكل أفرادا وليس للأفراد مجتمعا ,فالحياة الاجتماعية سياسية بادارتها ,، وادارتها تستلزم من الجميع القيام بواجباتهم, ليعطى الجميع حقوقهم , وليقوم الجميع واجباتهم , ليس من حق المجتمع , الذي هو ممثل للشأن العام, أن يتدخل بالدين الذي هو شأن خاص , الدين هو مزيج من الحق والواجب الشخصي الذي يحدده نوع الانتماء الديني ,بينما المجتمع هو الجسد الأكبر في الدولة, وهو الذي يحدد حقوق وواجبات الشخص ككائن اجتماعي .
هدف كل الجهود كانت في القرن التاسع عشروالعشرين , اعادة الدين الى طبيعته الفردية الشخصية, وليس الى صياغة دين جديد , البعض أوالأكثرية تمادت في استهلاكها لطاقاتها في مجال اصلاح عبثي لطبيعة الدين, بينما كان الهدف وضع الدين بدون محاولة اصلاحه في المكان الطبيعي له , وهو المجال الشخصي ,وهذا مايمكن التعبير عنه بفصل الدين الشخصي عن دولة المجتمع ,
هل اعادة الدين الى طبيعته الفردية نهاية المطاف ؟ ، الا توجد بدائل لقبر الدين مع المنتمي اليه في مقبرة الهامشية , بالتأكيد … تفوق امكانيات العقل ما ينتظر منها ,واذا كان المجتمع منطقة محرمة على الدين no go area , فأين هي المشكلة لو حاولنا تدجين الدين وتجنيسه بالجنسبة الاجتماعية, اذ أنه من الممكن تحويل الدين الى فاعل اجتماعي , أي أنه من الممكن خلق مايسمى الدين الاجتماعي , كما حدث في أوروبا بفضل النهج العلماني, تم ذلك عن طريق الغاء الخاصة الشخصية للدين , وعن طريق جعل المقدس دنيوي , ا٫ا كان هناك فعلا مقدس فهو الدنيوي , اي الانسان , تحويل الدين الى أمر اجتماعي , يتطلب الانقلاب على مفهوم التقديس , المقدس هو لخدمة الانسان , وليس الأنسان لخدمة المقدس , ولما كان المقدس خادما للانسان , والانسان متطور متغير , عندها يتحول المقدس من الثابت الى المتحول ,
اذا كان الدين قيما وأخلاق ،, مهمتها خدمة الانسان المتغير المتطور والمتكيف مع تغيرات وتطورات الحياة اليومية , ل٫ا يصبح تطور وتغير الدين حتمي , لأنه في هذه الحالة على الدين أن يتكيف مع الانسان , لكي يتمكن من خدمته , الدين الذي يريد من الانسان أن يخدمه ويرفض مواكبة الانسان في خلق واقع جديد باستمرار , هو الدين المغترب والغريب عن الانسان , وبالتالي الدين الفاشل أو الذي سيفشل , انه الدين الذي يقف عائقا أمام نفسه الاجتماعية , التي تريد أن تعمل وتدير وتبدع باشراف العقل , أي باشراف نظم وقوانين وأحكام وضعية تستقيم مع التطور الى الأفضل , القانون الوضعي هو المقدس في الدين الاجتماعي , والقانون الألهي هو المقدس في الدين الشخصي , البعيد عن المجتمع وبالتالي البعيد عن السياسة , أي البعيد عن الدولة , لأن الدولة مؤسسة سياسية بامتياز .
لايفكر رجل الدين , الذي تحول في أوروبا الى فاعل اجتماعي , بمرجعية مقدسة تطورية ومتغيرة خارج اطار القانون الوضعي , أي العقل البشري , الذي يصيغه الانسان المقدس , مقدس بسبب مقدرته على التكيف مع الواقع ,الواقع المتغير مقدس لأنه متنكر للثبات والجمود , أي للثابت …الخ , لهذه الأسباب لم يعد الدين في اوروبا مزعجا للانسان , وأصبح بامكان الانسان الاقتراب من الدين دون مخاطر الصدام وبالتالي التحارب , كل ذلك كان نتيجة لتقديس الانسان بدلا من الله وديبنه , ونتيجة للانقلاب على منظومة التخديم , الانسان مخدوم وليس خادم .
تطور الدين من مخدوم الى خادم ,بعد أن تحول الدين الى دنيوي , ولم يعد الهي غيبي يريد من الانسان ممارسة الطاعة والانصياع , الدين هو الذي يطيع وينصاع للانسان وعقله!
ممدوح بيطار : syriano.net
رابط المقال :https://syriano.net/2020/05
