سمير صادق :
١- لايخفى على أحد وجود تطور يتمثل بتكريس خاصة القطرية في كافة الدول العربية , هناك ابتعاد ملحوظ عن العروبة والفكر القومي العربي -الاسلامي , ولا عجب في ذلك بعد قرن الفشل العروبي -الاسلامي , لقد فشل العروبيون-الاسلاميون على ذاتهم ولم يفشلهم أحد , وان كان لمفهوم المؤامرة من وجود حقيقي , فهم من تآمروا على أنفسهم , وهم من أفشلوا أنفسهم , لقد كان لهم من الوقت أكثر مما يحتاجون , ومن الفرص أكثر مما يستحقون , الشعوب وثقت بهم , فما كان للشعوب الا خيبة الأمل منهم , مسك الختام كان التدمير الكامل للبلدان التي كان عليهم بنائها , التمزيق الكامل للبلدان التي كان عليهم توحيدها , الافقار الكامل للشعوب التي كان عليهم اطعامها , الشعوب تحولت الى قطعان تسول ولجوء وهروب , وحتى لو العروبيون-الاسلاميون رحلوا هذا اليوم , فستكون مهمات الترميم و التصليح لمن يخلفهم شبه مستحيلة الانجاز في سنة أو عشر سنوات , وانما يحتاج اصلاح ما أفسدوه في قرن من الزمن الى قرنين من العمل الدؤوب, على فرض بأن الخلف سيكون قمة المهنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية, فمن اين لنا تلك القمة ؟؟؟
٢-لايمكن تصنيع قمة مهنية خلال اسبوع أو شهر من الزمن , أغلب الظن بأنه سيتم اشتقاق من سيقوم بمهمات المستقبل من الموجود حاليا , بعد غربلته وتطوير ما يصلح للتطوير منه , وطرح ما لايقبل التطوير في االقمامة , هنا يجدر التنويه الى أهمية المجتمع الدولي في اتخاذ القرارات الخاصة بمستقبل سوريا , فسوريا لم تعد مستقلة لكي تتمكن من اتخاذ القرارات الاستقلالية , سوريا أصبحت مستعمرة غوغائية , على الغير ترتيب أمورها , وهل أثبت السوريون اي مقدرة في ادارة بلادهم في القرن الأخير ؟
٣-أساس نجاح أي منظومة حزبية او سياسية داخلية في المساهمة بعملية الترميم المستقبلبة , هو انسجام برنامج هذه المنظومة مع الارادة الدولية التي تملك الكلمة الأخيرة , وقد تعرفنا في أكثر من مناسبة على ملامح هذه الارادة الدولية , مثلا من خلال مسودة الدستور الروسية ومن خلال مئات التصريحات , هنا لا أرى اي ضرورة لاعادة ذكر ماتريده الارادة الدولية فهو معروف لدى الجميع .
٤-ماذا تقدم الساحة السياسية الحزبية السورية الآن من منظومات وتشكيلات حزبية سياسية يمكن منها اشتقاق مايخدم المستقبل السوري مستقبلا في ظل تنامي القطرية السورية الحتمي ؟
٥-هناك في سوريا تنظيمات عديدة , لنذكر منها من مات تقريبا ومن ينتظر الموت , فالبعث بقوميته العربية لم يعد قابلا للانعاش بسهولة , لقد قضى البعث على البعث , وفتك به ومثل بجثمانه شر تمثيل , البعث فشل ولا لزوم لتكرار الفشل مع البعث مرة أخرى . هناك منظومة الاخوان المسلمين , التي سوف لن تجد موطئ قدم لها في سوريا المستقبل , المقرر ان يكون علماني , اضافة الى فشل الاخوان فشلا ذريعا في ممارساتهم , التي قادت الى تدمير سوريا بالاشتراك مع العروبيين ,وضع الاخوان على قائمة الارهاب سيقود الى تجريمهم ومحاربتهم دوليا ,
٦-هناك العديد من الأحزاب التي لانعرف عنها الكثير , تلك الأحزاب التي رخص لها في الفترة الأخيرة , ولا أظن بأنه بامكان هذه الأحزاب تقديم قيادات وفاعليات تمكنها من المساهمة الفعالة في عملية الترميم والتعمير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المستقبلي المعقد , والذي يتطلب خبرة عميقة لاتملكها هذه التنظيمات الحزبية الجديدة ,
٧-بقي في الموجود ماهو قديم وقد يصلح للمساهمة مستقبلا في العمليات التي ذكرت , هذا القديم هو الحزب السوري القومي الاجتماعي , انه أقدم حزب في سوريا وله وسادة فكرية علمية , ومخزون فكري غني جدا , وخبرة ليست بالقليلة في الاطار السوري , فكر هذا الحزب مستقيم مع التطور القطري السوري , ومع الابتعاد المرحلي عن العروبة – الاسلامية , فما هي رؤية هذا الحزب بما يخص المستقبل السوري وكيف على هذه الرؤوية أن تكون ؟.
٨-هناك حزبا أقدم من السوري القومي , هو الحزب الشيوعي ,أممي ايديولوجيا , الا أنه مرتبك تنظيميا , لربما يشبه في هذه النقطة السوري القومي , هناك العديد من الأحزاب الشيوعية والعديد من الأحزاب السورية القومية, ولا يمكن التعرف على الأسباب التي قادت الى تعدد الأحزاب شيوعيا أو سوريا قوميا , الشيئ الواضح هو نجاح الأسدية في “شخصنة” هذه الأحزاب وبالتالي تفتيت هذه الأحزاب بعد تفريق الأشخاص عن بعضهم البعض , شخصيا أرى ضرورة لمن يمثل اليسار , وحتى لو لم يكن هناك حزب شيوعي , فيجب اختراعه أو صناعته من جديد .
٩-تنطلق رؤية الحزب السوري القومي الاجتماعي من ادبياته ومبادئه وممارساته وتطوراته بخصوص العديد من القضايا , وأول القضايا يجب أن تكون تطوير نظرة الحزب الى الواقع ,والواقع يتطلب مراجعة للمواقف , منها النظرة الى قبرص , أو النظرة الى اسكندورن أو كيليكيا أو حتى فلسطين -اسرائيل , فكل ما لايمكن تحقيقه يجب وضعه في حالة الانتظار الغير مكلفة للجهد …لالزوم للانشغال بقبرص ولا بالمناطق التي تم ضمها الى تركيا , ولا عن القاء اسرائيل في البحر , ليس بامكان أحد القاء اسرائيل في البحر , لذلك يجب التفاهم مع اسرائيل والاتفاق معها بشكل يؤمن لسوريا و للفلسطينيين وغيرهم أقصى مايمكن من مكاسب , لايمكن تحقيق أي شيئ دون الاعتراف بالهزيمة , أي الاعتراف بالواقع.
١٠-على رؤية الحزب السوري القومي الاجتماعي الجديدة الحرص على اقامة نهضة في المجتمع السوري خاصة في اطار سوريا أي سوريا سايكس-بيكو , هنا يجب العمل على الهوية السورية وعلى اعلاء هذه الهوية , الهوية القومية السورية حاضنة وتواصلية ولا يجوز لها أن تتافس مع بقية الهويات الثانوية كالهوية الدينية , الهوية السورية هي الأرقى والأنسب ,وكما حدد سعادة تعريفها فالامة القومية هي “«جماعة من البشر تحيا حياة موحدة المصال، ,موحدة المصير, موحدة العوامل النفسية-المادية في قطر يكسبها تفاعلها معه, في مجرى التطور,، خصائص ومزايا تميزها عن غيرها من الجماعات”.
١١- اعتبر سعادة الدولة الدينية اشكالية كبيرة , كل دولة دينية تحمل في طياتها بذور تفككها , لأنها تجمع الضديات مع بعضها البعض , فالوظيفة الروحية لاتستطيع التعايش مع السلطة الزمنية السياسية , التي تتسم بخاصة التغير والتطور السريع المؤسس على المصلحة , الوظيفة الروحية تخضع أيضا الى احكام التطور البطيئ ,الا أنه لاوجد للتطوير في الاسلام , ولا يمكن لها أن تواكب الوظيفة السياسية, بالنهاية , وبعد عراكات , ستهيمن السلطة الزمنية السياسية كما حدث في أوروبا في نهاية ألقرون الوسطى , قال سعادة ” الدين في أصله لاقومي , ومناف للقومية وتكوين الأمة , لأنه انساني وذو صبغة عالمية ” بمعنى ان الدين أممي ولا يقبل احاطته بحدود الدولة السياسية -الجغرافية , انه عابر للحدود في حين الدولة السياسية محددة بالحدود الجغرافية المعترف بها من قبل بقية العالم ,استمرارية الشعب على أرضه المحددة بحدود الدولة, هو الركيزة الاساسية لبقاء هذا الشعب حياً,فلا حياة لشعب فقد أرضه, الهوية التي نحملها وكذلك جواز السفر يدلان قبل أي شيء آخرعلى وضعنا الجغرافي ….. أين نسكن هو الذي يحدد انتماءنا,لا الدين ولا اللغة ولا حتى الاثنية تحدد هويتنا .
١٢- تقف الطائفية الدينية حائلا أمام بناء الوجدان القومي ومساواة المواطنين , لذلك يجب ابعاد الدين عن الدولة , وذلك بالرغم من أنه يمكن للدين أن يلعب دورا داعما للمبدأ القومي , خاصة عندما يدين الجميع بدين واحد كما هو الحال في ايران , أو عندما يتمكن الدين من التحول من هوية شخصية الى هوية اجتماعية (الدين الاجتماعي ), الا أن الوضع في سوريا مختلف ونقيض ذلك , ففي سوريا لايلعب الدين دورا داعما للوحدة , انما سببا من أسباب التفرقة والاختلالف والتقسيم , .حيث يتم مزج الدين بالدولة يتم الحكم بالنيابة عن الله , وليس بالنيابة عن الشعب , ثم أن امتلاك المؤسسة الدينية لكافة الأجوبة على الأسئلة المادية والروحية يجعلها مالكة لكل أنواع السلطة , من يملك كل الأجوبة يتحول تلقائيا الى شمولي , ومن يملك كل الأجوبة يلفي الاختلاف الخلاق ويهيئ الناس الى ممارسة الخلاف المدمر ,
١٣- دمج الدين بالدولة يسهل دمج الدين بالعلم , أي يؤدي الى تقزيم العلم الى زندقة وكفر والى قيام تضارب بين المعطي العلمي والمعطي الديني والى ولادة الأزمات …فهل البشرية نتاج سلالة آدم وحواء , أو تطور من الحيوان الى الانسان؟ , تطور لم يتم في سبعة أيام , انما بالتدرج البطيئ خلال عشرات الألوف من السنين , هل لدينا الجهد ولنا الفائدة من اثبات كوننا من سلالة آدم وحواء, او من سلالة القردة ؟
١٤- يقود التمسك بالدولة الدينية الى تضارب المجموعات الدينية مع بعضها البعض , وتحول هوية الوطن الى هوية الدين , وذلك لاختلاف مرجعيات المجاميع الدينية الطائفية , الوطن خسر المرجعية التي كسبتها الطائفة , وبذلك يتم التحول من طوائف الوطن الى وطن الطوائف , أي الى اللاوطن !
١٥- الدولة الديموقراطية هي الدولة القومية , لأن الشعب في الدولة القومية هو مصدر السلطات , لاتمثل الدولة الديموقراطية الماضي ولا المجد الغابر , بل مصالح الشعب في الحاضر , لقد أكد سعادة ضرورة الوعي الديموقراطي والقومي من أجل اجراء اي انتخابات , وقدم لبنان كمثال عن الانتخابات العبثية , التي تؤثر على الوضع الشاقولي في البلاد شكليا عن طريق تغيير الأسماء وليس عن طريق تغيير المنهجيات , لايمت انتخاب الشخص للديموقراطية بصلة ,كأن يتم انتخاب زعيم القبيلة , البرنامج هو المطروح للانتخاب وليس الشخص , كما أن انتخاب زعيم القبيلة الأمي لايمت للديموقراطية بصلة , وكيف يمكن للأمي الدفاع عن مصالح ناخبيه ؟….مصالح أصبحت معقدة ! , لا انتخابات بدون ترسيخ الحقوق المدنية للناس أولا …حق التفكير …حق الاختيار … حق الاعتقاد …حق الاجتماع … وحق تكوين الرأي , وليس حق بيع الاصوات وحق الخنوع والخضوع الى ارهاب الدين …لاتدخل الجنة الا اذا انتخبت مرسي !!! , لاحق لغير المواطنين في التدخل بالانتخاب والترشيح , الرسل والأنبياء بما فيهم الخلفاء والخالق ليسوا مواطنون سوريون , والانتخاب يخص الأرض ولا يخص السماء , ديموقراطية سعادة ناضجة , ليست صندوق انما وعي ديموقراطي وديموقراطية الوعي , انها ليست آلية لاضفاء الشرعية على زعماء العشائر وعلى القبلية..
ممدوح بيطار :syriano.net
رابط المقال :: https://syriano.net/2020/04
