من الشخصي الى الاجتماعي في الدين…!
ممدوح بيطار :
لقد تمكنت العلمانية من اعطاء المقدس مهمة اجتماعية , تمكن الدين من خلالها أن يتحول من أمر شخصي الى أمر اجتماعي , والطابع الاجتماعي للمقدس هو الذي يجعله محايثا وتوأما لمجريات الحياة الدنيوية, انه المقدس الدنيوي , وان كان هناك مقدس!! ,فالقدسية تعود الى تمكنها من خدمة الانسان , ولما كانت خدمة الانسان متغيرة حسب ظروف الحياة وتطورها , لذلك فان التقدبس لايمكن أن يكون للثابت وانما للمتحول المتغير المتطور المجاري للحياة الدنيوية .
العلمانية حولت المقدس الى متكيف مع مجريات الحياة اليوميىة ومنسجم مع متطلباتها ,حولته الى قيم وأخلاقيات لاترفض التغير والتطور , ليس مايقوله رجال الدين هو المقدس , انما ماينص عليه القانون الوضعي , وكيف يمكن للقانون الوضعي الذي اختاره الشعب لنفسه أن لايكون مقدسا , فالانسان وعقله مقدس, وبالتالي لايمكن لما يقره العقل أن يكون متناقضا مع المقدس ,وحتى مع ارادة الله ومع روح الدين الذي أسسه الله خدمة للانسان , لايعقل أن تكون حكمة الله متعارضة مع حكمة العقل البشري , لذلك فان ماينص عليه القانون الوضعي ” مهما كان ” هو الممثل لارادة الله وحكمته الحقيقية .
تقزيم وتبسيط العلمانية وحصرها في ثنائية تناقض الدين مع الدولة , لايستطيع لوحده تفسير نجاح العلمانية في الغرب وتعثرها في الشرق , هناك عوامل أخرى , منها نجاح العلمانية في الاستفادة من الدين , عن طريق تحويله الى فاعل اجتماعي , عن طريق حذف الخاصة الشخصية للدين وحذف القدسية عن الدين , مما يعني تحول الدين ألى أمر دنيوي قابل للاصلاح , لأنه متقبل وقابل للنقد , لا اصلاح دون نقد ولا اصلاح لمفهوم يرفض أي تغيير في طبيعته مهما كانت هذه الطبيعة .
لم يكن اضفاء خاصة اجتماعية على الدين في الغرب صعب , وانما بمنتهى السهولة , خاصة بعد الانقلاب الناجح على سطوة رجال الدين واحتكارهم للسلطة الدنيوية والسماوية , الأمر عاد ولو جزئيا الى انحسار وظيفة الكهنوت هناك , هناك لاوجود للأمية الأبجدية , وكل الناس متمكنون من القراءة والكتابة , وعلى درجة جيدة من المقدرة على الفهم والاستيعاب , لذلك لم يعد الكهنوت ضروريا ومطلوبا من أجل “تنوير” البشر , الذين يمارسون التنوير الذاتي ,انحسرت مهمة الكهنوت تبعا للحاجة لهذه المهمة, فعندما تتطور الحاجة باتجاه الصفر, يتطور وجود الكهنوت وتأثيراته باتجاه الصفر أيضا , تنطبق هذه القاعدة على معظم جوانب الحياة .
مقارنة مع الشرق المحمدي , الذي ينكر وجود الكهنوت , اذ يقال لاكهنوت في المحمدية , الواقع له كلام آخر , ولا يحتاج الانسان للكثير من النباهة ليثبت وجود طبقة من رجال الدين أو مايسمى العلماء , وبيد هؤلاء ” العلماء ” الحل والربط, وبالتالي هم كهنوت محتكر للفقه ثم فهم الدين وتفسيره بالشكل الذي يتناسب مع مايراه هؤلاء مناسبا , والمناسب تبلور في معظم الحالات بشكل المنسجم مع المصلحة الشخصية أو الفئوية لهؤلاء الذين يسمون علماء .
في هذا الشرق كثر “العلماء” , وتمكنوا من احتكار مسألة “القرار “, عاد ذلك الى عدم مقدرة أكثرية الناس على المشاركة في صنع القرار , ولعدم المقدرة العديد من الاسباب منها الأمية , حوالي ٥٠٪ من تلك الشعوب أمية , والأمية لاتسمح بفهم واستيعاب أمور الفقه والتفسيرات المعقدة المتضاربة , لذا تحول شرح الدين الى التلقين الشفهي , الذي لايستقيم مع المحاكاة والنقد والمشاورة واستنباط معارف عن طريق المناقشة , لايمكن لما قاله الشيخ او “العالم” الا أن يكون صحيحا , لأن الشيخ لايقدم في عملية التلقين المفهوم وبديله أو نقيضه , يقدم وجهة نظر واحدة , وبسبب الأمية لايمكن للمتلقن أن يبحث ويستقصي , وليس له الا أن يستسلم للملقن , وبذلك تتحقق معظم شروط القطيع .
اضافة الى الأمية الابجدية المعرقلة للتقصي والبحث عن مفاهيم مغايرة أو مناقضة لما يقوله ” العالم ” الواعظ والملقن الآمر المهدد المتوعد , هناك أمية أخرى كرستها المدرسة , التي لم تنقل الى الناشئة المعاني والقيم الحضارية العصرية , المدرسة علمت الناشئة تمجيد العنف والبطولات الشخصية , ثم ازدواجية المعاني والشعارات ,ومفاهيم أخرى تتعلق بثقافة أكل الدهر عليها وشرب , المدرسة كذبت وعلمت الكذب وحولت المجرم الى قدوة , طمست تاريخ الشعوب بما يتناسب مع تكريس التكاذب والتشوه , لم تعلم المدرسة ممارسة فنون النقد ,لايستقيم النقل والتلقين والحفظ عن ظهر قلب مع النقد , انسجمت المدرسة مع مفهوم التوحيد ,.كل شيئ واحد … الفكر والرأي والموقف ..واحد واحد… في سبيل فلسفة الوحدة الوطنية , التي لاتصلح سوى كفقاسة لتدجين الديكتاتورية , بالنتيجة تحول كل فرد من هذه البلاد الى ديكتاتور.
Post Views: 519