عندما لاتحكم الحكومة بل تحاكم !!!

فاتح  بيطار  :

لايمكن القول  على  ان هناك وضعا سوريا يمكن  أن يكون أسوء من الوضع الحالي , لذا  فان  أي حل   سيكون  أفضل  من الانحلال  الذي تقدمه  الحالة السورية الآن ,انطلاقا من  الآمال المتواضعة جدا بما يخص مستقبل سوريا , يجب بحث كل الاحتمالات  وخاصة  أكثر هذه الاحتمالات منطقية  وقابلية للتحقيق , 

ااولا يجب الاعتراف  بأن سوريا دولة فاشلة ,  أو يجب أن تفشل , ذلك لأن عمر هذا الكيان الذي كان له أن يصبح دولة   قصير نسبيا   والجزء الأقصر من عمر هذا الكيان   عرف  بداية تأسيس دولة   , بينما الجزء الأطول من عمر هذا الكيان , أي من عام ١٩٥٨ والى هذه اللحظة  لايعرف  الا عملية واحدة  وهذه العملية هي عملية  تقويض الدولة الناشئة وتهديمها  , الى أن وصل الوضع الى تدميرها ماديا وسياسيا واجتماعيا  , والوسائل التي  تم استخدامها في عملية  اعادة سوريا الى  مجتمع الجماعات والعشائر  والطوائف معروفة   عند الجميع  ولا بأس من ذكر بعضها . 

عندما كان عمر الدولة  ١٢ عاما  أي  في عمر الأطفال  , أتى ناصر  وحول الدولة الى مستعمرة مصرية   ثم قضى على البنية السياسية لهذه الدولة عن طريق  حله للأحزاب ومنع نشاطها  , أي انه بكلمة أخرى أبعد الوطن عن المواطن   , لأنه لاوجود للمواطن  الذي لايتفاعل  سياسيا مع  مجتمعه  , هنا  يمكن القول على سبيل المثال  على أن  المسيحي الغير موجود على الخارطة السياسية  غير موجود في الوطن , وهذا الأمر ينطبق على كل مكونات المجتمع السوري  , التي تم تجريدها من خاصة “المواطنة” بمنعها  من  ممارسة  السياسة ,  البلاء  الذي  بدأ  بناصر    اشتد ضراوة  بعد عام ١٩٦٣ , وبلغ قمته   في عام ١٩٧٠ , ثم ذروة لايمكن تصور  كارثية أفظع من كارثيتها بعد عام ٢٠٠٠  والى الآن

 ففي المجال السياسي  سيطر  الحزب الواحد  والعقل الواحد والديكتاتور الواحد  , وقبل الديكتاتور الواحد كانت الطائفة الواحدة  , الى أن بلغ الأمر في البلاد حالة لايمكن تصور  أسوء منها  ,  لقد برهنت الفاشية السوريةعلى أنها  لاتحتمل   الأحياء من أبتاء الشعب   وانما ارادت للجميع الموت  , لقد تم الاجهاز  على المجتمع   ضمانا  لبقاء مؤسسةالسلطة , التي احتوت الدولة  واحتوت الحزب   وحولت الدولة الى مؤسسة  ريعية , والريع   ذهب الى الجيوب الأسدية  , لقد هيمنت الأسدية  على كل شيئ  من الاعلام الى المنابر الدينية   وتمت التعبئة لممارسة البطش الغير مسبوق تاريخيا  , وأخيرا تم تنصيب الصنم   واطلاق اسم سوريا الأسد على الوطن  ,  الولاء للصنم   أصبح  معيارا للوطنية , لابل تطور الوضع لما هو أسوء ,   فالأسدية استحضرت  وصمة الارهاب  وأسست محاكم الارهاب  وتنكرت للالتزامات  القانونية والضوابط الأخلاقية , التي مهدت الطريق الى  تبرير الفتك البربري   بكل  من لايريد  الصلاة  على “دوسة” الأسد  ومن لايريد تقبيل هذه “الدوسة ” .

  لقد كان الأمر سياسيا  كما تم  عرضه  بشكل مختصر جدا  ,  وتطور بشكل  لايمكن له الا أن يقود الى فشل الدولة    , وبالتالي فان فشل الدولة السورية هوأمر  حتمي …انه  استحقاق ,  ولايمكن  لدولة  تسير في  الطريق الذي سارت  به سوريا الا أن تفشل .

  اما الوضع الاجتماعي  فقد أصبح حاضن للفشل  بامتياز , لقد قيد المجتمع السوري  ذو التلاحم الهش  الى مذبحة التشرذم والانقسام  , فالطائفية الكامنة  والمرفوضة ظاهريا من الجميع   توقحنت وتحولت  الى    أساس التفارق  بين فئات المجتمع  , أي أنها  ألغت التلاحم  عمليا  , هناك العلوي  والمسيحي والسني  وغيرهم  , والعلويون يريدون الهيمنة والاستبداد والاستغلال  , واذا تم رفض ذلك من أي جهة كانت  ,يهددون باحراق الوطن , وفعلا  تم احراق هذا الوطن  من أجل الأسد الى الأبد ,  ذلك لأنهم   يعتقدون  على أنه لايوجد   أنسب  من الأسد   لضمان   هيمنتهم    ,  اما الأسد أو لا أحد , تلك هي الشعارات  والمبادئ “القطعية”  التي  قطعت  كل صلة  تعاونية وايجابية بين مكونات الشعب السوري  , الذي لم يعد  في ظل هذه الشعارات  , التي تطبق بحذافيرها ,“شعبا” وانما  مجموعات  يسيطر بعضها على البعض الآخر  باستعمارية  وبربرية   وعنصرية  لامثيل لها  ,  وكيف  لاتفشل دولة تطورت بهذا الشكل ؟  ,  الدولة  أرض وشعب    , فلا الشعب بقي شعبا واحدا , ولاالأرض بقيت واحدة  , بل تحولت الى  عشرات البقع   المتعادية مع  بعضها  البض ,, ليس من الغريب القول على أن تفكيك سوريا أصبح واقعا لاينقصه الا الاعلان عنه رسميا , ان  ذلك   ليس مؤامرة  , انما  تجاهله هو المؤامرة .

أما اقتصاديا  فقد تهالكت  البلاد  وتحولت الى  اقطعيات   رأسمالية   كبديل  عن  الاقطاعيات   الزراعية, وأصبح ٥٪ من السوريين يملكون٩٥٪ من  الثروة الوطنية , ومن بين  الأقلية المالكة لكل شيئ   كانت  عائلة الأسد  التي  تملكت  من  رئيس  وأخ وأقرباء وأعمام وأخوال    وغيرهم   أكثر من ١٦٠  مليار دولار  , والشيء الوحيد الذي  عرف  النمو هي ثروة الأسد  ,  دخل الفرد  كقيمة شرائية  تدنى الى  العشر  عى   الأقل , والميزانيةالسورية لاتزال منذ سنين  بحجمها  المعتاد من ١٦ مليار دولار   , الا أنها تناقصت عمليا بفعل تزايد السرقات  , اقتصاديا تحولت البلاد الى مزرعة  , هناك الاقطاعي  وهناك الفلاح  , والكل يفلح  ويكدح  من أجل المعلم  , الذي  تحول الى القاضي الأعلى الذي يحكم  بشريعة   الغاب, والأصح  القول  بأنه   لايحكم  وانما  يحاكم  , 

العدالة الاجتماعية هي  أساس  تماسك الدولة  , وبدون عدالة اجتماعية تنفرط  هذه الدولة  الى مكوناتها   البدائية  التي تكونت  منها  …الى  العشيرة  والقبيلة  ,  أي الى  ماقبل  الدولة  ! ماشاهدناه  من تقتيل وصل الى مئات الألوف  ومن تدمير وصل الى  أكثر من ٦٠٪ من البنيةالتحتية السورية  ومن  تهجير  أصاب نصف سكان سوريا على الأقل  ومن افقار   أصاب ٧٠٪ من الشعب السوري  ومن حرب   لاتعرف الا البربرية  , ليس الا  اعراض  للتفكيك  الواقعي  والذي تستحقه هذه البلاد, والذي يجب اعلانه  والتعايش معه بايجابية , فلا ربط كل حل  برحيل الأسد واقعي , ذلك لأن الأسد رحل  ولم يعد له وجود  في سوريا , انه يجلس على شظية من شظايا سوريا المتفككة  والمشرذمة , وهو يحكم نظريا من دمشق  وعمليا من القرداحة , اتركوه لمريديه  !!!   لكي يتعلموا من التجربة معه , فالفرق كبير جدا  بين ديكتاتورية الطائفة بالشراكة مع العائلة , وبين ديكتاتورية الأسد على الطائفة, سوف لن ينقض  زمن طويل   عل  هذه  الحالة ,حتى  تتعرف الطائفة  على من وقفت ورائه  وأحرقت البلاد من أجله .

من ينظر الى يوغوسلافيا  المقسمة  الآن , هل  سيرتاح لتقسيم سوريا الى ثلاثة دول ؟ , أصغرهم أكبر من لبنان ,  وهل سيرتاح  الانسان  السوري  أيضا من  البعث  ومن القومية العربية  والوحدة والحرية ثم الاشتراكية  ومن   شعارات   اما   الأسد   أو نحرق   البلد  أو  سنحرق  البلد  ان  بقي  الأسد ؟؟؟,  من سيرتاح  فعلا   هم   أولئك   الذين   وجدوا    أوطانا  جديدة  , وأوطانهم سوف تكون في أوروبا  وليس عند العلويين أو السنة أو الأكراد   وغيرهم 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *