سمير صادق :
من يتمعن بالحالة العربية-الاسلامية يصاب بالاحباط , فالانجاز العربي الوحيد والمتقن الصنع كان التمزق , اضافة الى تصدي العرب لكل ماهو تقدمي وعلمي, فسوريا لادولة وطائفيتها تحارب شارعيا طائفة أخرى , ومصر بدون حرية , ثم هناك جمهوريات بدون شعوب على القدر الأدنى من الحيوية , الخليج لايعرف الا العبودية وبعزقة الأموال النفطية , العراق ومحاصصاته الطائفية من أعظم الكوارث الانسانية , السودان وهروب الجنوب من شريعة البشير , الجزائر ورئيس يحكم في حالة الموت السريري …. وحافظ الأسد يحكم من القبر ..والكثير غير ذلك , وكل ذلك يتسم بالتدحرج الى الوراء , فكل شبر من من أوطاني العربية معرض للاستباحة من الخارج , بعد اسنباحته كليا من استعمار الداخل ,
كل ذلك حدث في ظل ثقافة عربية اسلامية , وكل ذلك الفشل والتردي لم يمنع البعض من المطالبة “بتكوين” عقولنا عربيا اسلاميا , لأن هذه الثقافة حسب رأيهم نوعا من القضاء والقدر ..شئنا أم أبينا !! , المفارقة هنا لاتكمن في القدرية وفي تقبل النكبة أو النكسة أو التردي بروح مستسلمة وبالموت طوعا ودون أي مقاومة , وانما تكمن في التبشير بأن تكوين العقل أي تصنيع العقل عربيا اسلاميا سيكون المنقذ , وقد غاب عن نباهة هؤلاء ان العقل أصلا ومنذ قرون مصنع عربيا اسلاميا , ووضعنا الحالي هو من انتاج هذه العقول المصنعة عربيا-اسلاميا , لم يسقط وضعنا الحالي من السماء ولا هو من صنع الشيطان, ولا من صنع اله الكون , انه من صنعنا وصنع بدويتنا الرعوية , التي احتلت حتى مدننا وحولتنا اي بدو بدون ترحال , حضر بصيغة بدوية , حضر بخيم من حجر , حضر بجمل على هيئة سيارة …
ينصحنا هولاء بتكوين عقل عربي اسلامي بشكل أكثر اتقانا من عقلنا البدوي الحالي , اي أنه علينا لكي نتجاوز المحنة أن نكون أكثر بداوة من البدو أي شوايا, أي علينا اعتناق ثقافة الانكار وانعدام المقدرة على رؤية السلبيات وبالتالي المقدرة على تصحيحها , ثم الاكثار من التفاخر والغرور والانتفاخ , لأنه من الضروري أن يكون لنا شيئا نعتز به , مثلا عدم الاعتراف بالضعف لأن ذلك مذلة , وعدم الاعتراف بالخطأ لأن ذلك وضاعة وبالتالي لاوجود ولا لزوم لثقافة الاعتذار , فالرعوية البدوية لاتخطئ وهي دائما على حق حتى في ممارستها للسلب والنهب الذي سمي غنائم حرب , طورناها لغويا الى ثقافة التعفيش , طبعا تتميز مفردة “تعفيش” بشدة عن مفردة غنائم حرب , فالتعفيش ثقافة تطورية واسمها مشتق من “عفش”, ففي بيتنا عفش …و ليس ناقة أو جحش كما كان الحال في قديم الزمان .
يتسم تصنيع عقل عربي أي تجهيز عقولنا بالثقافة البدوية بالاستراحة من عناء التحليل والتفكيك, لأن التحليل والتفكيك مضاد للقطعية البدوية التي لاتعرف الا حكم السيف والرمح , الرمح ينطق بالحقية, والمصداقية هي مصداقية الرمح , …. “جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري”,
يرفض العقل البدوي الرعوي ممارسة التحليل والتفكيك , لأن التحليل والتفكيك يسير باتجاه معاكس للقطعية البدوية , التي لاتعرف الا مصداقية حد السيف , الذي يفصل بين الحياة والموت , السيف هو من مستلزمات الحياة البدوية الرعوية , انه مصدر الرزق …. بالسيف ينهبون ويدافعون عن كياناتهم ومسروقاتهم , وبحكم الاعتياد على ثقافة السيف يمارسون التحارب والصراعات الدامية احيانا كرياضة وهواية , لذلك فان تمظهرات القوة وشدة البأس والتفاخر بالعنف هو من خصائص البدوية المرتشحة في حياة الحضر في بلداننا والمسيطرة على ثقافة الحضر , وبذلك سارت الأمور بعكس المنطق الذي يرى طبيعيا هيمنة الحضر على الثقافة البدوية , التي ترتكز على معادلة اعلاء شأن الذات وخفض شأن الآخر , فمجرد وجود الآخر هو بمثابة تهديد , لذلك يجب الغاء الآخر بأي وسيلة كانت, اننا نمارس كل ذلك هذه الأيام باتقان ولا حاجة لتصنيع أو تكوين عقل عربي -اسلامي من جديد , انه متواجد وناشط ويعمل بفاعلية تدميرية غير مسبوقة.
لاتقتصر تمظهرات البدوية الرعوية التي تمثل الثقافة العربية -الاسلامية على ماذكر , والتي ينصح البعض بها لكونها المنقذ من الدونية التي نعيش بها , فالبدوية الرعوية تتمحور حول السيف والعنف وذهنية الراعي والرعية , التي حولت الانسان الى مجرد “اداة” تنتظر الراعي للحصول على أجرها , الأجر هو مكرمة من الراعي , والحقوق في هذه الحالة ممنوحة وليست مكتسبة بعرق الجبين , فعرق الجبين مجاني….. كرمال شوارب الراعي !!, حالة مؤطرة بهالة العطاء موهمة للراعي بأنه يقوم بواجباته على أحسن حال , وموهمة للرعية بأنها نالت حقوقها , علاقة خادع ومخدوع , وهل نبتعد في وضعنا الحالي عن ثقافة الخادع والمخدوع وثقافة الراعي والرعية ,ثم ثقافة المكرمات الممنوحة وليس الحقوق المكتسبة , ثم نريد القفز فوق القبيلة والعشيرة والطائفة الى دولة المواطنة , وبماذا علينا أن نقفذ ؟ فهل تتمكن الثقافة التي أوصلتنا الى هذا الانحطاط ان تنقذنا من الانحطاط الذي سببته وأنتجته ؟؟
لايستطيع العقل البدوي الممثل للثقافة العربية -الاسلامية انتاج منظومة حكم تمت لفلسفة الدولة الحديثة ..دولة المواطنة , بأي صلة , هذه العقلية لاتصلح حتى لاقامة نظام ماقبل الدولة,وفي أحسن الأحوال يمكن لهذه العقلية انتاج قبائل تعيش الى جانب بعضها البعض , تتحارب وتتصارع مع بعضها البعض , وتنهب بعضها البعض , هذه حالة الراعي والرعية اليوم في بلادنا … يخطئ من يعتبر الراعي مسؤولا عن التردي , انها البدوية التي صاغت الراعي والرعية بصيغتها المدمرة!
