أللحية والجلابية وجلد البشر باسم الخالق!

September 20, 2018
By

ممدوح  بيطار  :

العلمانية كمطلب حقوقي , كلمة لاتروق كثيرا للكثير من أفراد الشعوب العربية , خاصة الفئات التي تدعي التدين , بعض المدافعين عن  هذا المطلب العلماني  يعتقدون ان العلمانية عامل أساسي في بناء مجتمع ديموقراطي  حديث , مجتمع يتجاوز أنواع الوصاية  التقليدية  , ليعاوض عنها بالعلم , الذي هو انتاج الانسان والعقل ..هنا يجب الاعتراض فورا على هذا الطرح , فالعلمية لاتعني العلمانية والمدنية , انما العلمانية والمدنية تعني وجود العلم ..هتلر كان  علمي  ولم يكن   علماني أو مدني قطعا , حتى ولو  كان بمقدور العلم  فتح آفاق   شاسعة   أمام الانسان وتطلعاته ..حتى  ولو  كان  بمقدور  العلم  محاربة  الجهل  العلمي  والخرافات , فالعلم  ليس  قادرا على  مكافحة  التسلط    وقد يصبح أحيانا وسيلة له .

لقد نجحت الأوساط الدينية  في اثارة بعض الهيجان  في  صفوف المواطنين ..التيارات الدينية  ألصقت  الكثير  من النعوت   الكاذبة  بالعلمانية ..منها ربط العلمانية بالالحاد والاباحية والانحلال , مما  لاقى  بعض  الاستجابة  من  أوساط  مهيأة ثقافيا لتقبل وممارسة  هذا الضلال .

المطلب العلماني , هو مطلب اقامة الدولة الديموقراطية الحديثة , التي تترفع عن هراء الاسلام السياسي ..كمبدأ الشورى مثلا , الذي لايعرف من الديموقراطية حتى الاسم , وليس للعلمانية أي علاقة على المستوى الشخصي بين فرد وآخر , ثم ليس للعلمانية أي علاقة بموقف انسان من الغيبية والله …هذه أمور شخصية  , لا تتدخل العلمانية بها , فالعلمانية ليست على جانب الالحاد أوالتدين , وذلك على الرغم على من أن العلمية , التي هي  أحد أركان العلمانية , لاتتلائم عادة مع الغيبية ..فالذي لايستطيع أن يكون غيبيا , لايمنع أحدا من أن يكون غيبي , العلمانية تمنع التسلط الاعتقادي , وتمنع الهيمنة بسبب الاعتقاد , وحتى لو كانت نسبة من يعتقد سنيا أو شيعيا تتجاوز 99% من المجموع , ليس للعلمانية تفضيل سني على شيعي أو بالعكس , العلمانية تريد تحرير الدولة من كل ماهو ليس دولة , وتريد تحرير الدين والطائفة من منهجية التسلط ..ممارسة وتقبلا , فالأكثرية الدينية الطائفية ليست أكثرية سياسية  بمعنى الدولة , حتى وان كانت أكثرية شعبية .

منطقيا يمكن القول , من يؤله التفكير الديني المقدس  حقيقة , لايسمح لنفسه بالتسلط  على مقدسات الآخرين , التي يعترف بقدسيتها أصلا   , لذا يجب القول  على  انه لامنطقية في اخضاع انسان  لمعتقدات    آخر  , المقدس المطلق لايخضع الى النسبية , والتفكير الديني يكفر في هذه الحالة نفسه بنفسه , وذلك عن طريق تناقضاته , ومن يراقب كل ذلك ينتابه الشعور  بأن الأمر دنيوي  بحت , باسم الدين والطائفة والمعتقد الغيبي تريد فئة السيطرة على فئة أخرى  على هذه الأرض وليس  في السماء.

اذا كانت العلمانية ليست ضرورة للعلم , فان العلم هو ضرورة ووسيلة للعلمانية , وعن طريق هذه الوسيلة , تكافح العلمانية الكثير من المشاكل التي يتعرض لها الانسان , ومنها المشاكل التي يفرزها ويخلقها العلم  أيضا  !.

الحسم في المجال الثقافي أو الاجتماعي ليس من مهام العلمانية , وذلك لأن حقوق الانسان  عبارة عن مواثيق وقوانين تبلور العقد الاجتماعي وتسهر على ترقيته وتطوره , ثم انها ضمان لحرية الفرد  ومسلكيته الشخصية  بما يخص علاقته مع غيره من الأشخاص الحقيقين أو الافتراضيين ..الله مثلا !, , هذه العلاقة تخضع في تطورها جزئيا الى العلم , الذي هو جزء من العلمانية  فتعليم البشر ضروري , وعندما يؤمن عالم الفيزياء بعالم   الغيب  فهذا شأنه , مع العلم على أنه سوف لن يؤمن ..العلمانية تكافح الفيبية ليس بالسيف والسجن , وانما بالتنوير والتعليم , وهل التنوير والتعليم كان يوما  ما من المويقات ؟.

تختلف العلمانية عن الاشتراكية أو الشيوعية أو الرأسمالية أو السلفية  وغيرهم من النظم , هؤلاء هم تصورات  ومكونات لنظام حكم معين , العلمانية هي منهجية فقط , هي تحديد لبعض طبائع السلطة السياسية , التي تلزمها العلمانية باحترام حقوق الانسان  وحريته , هذا الاحترام ممكن في الاشتراكية أو حتى الشيوعية  وفي الرأسمالية أيضا , لطالما انبثقت هذه الأنظمة عن ارادة شعبية , الاحترام صعب أو مستحيل في النظام السلفي و الذي يعتمد أول مايعتمد على قهر الانسان والتسلط عليه ثم الانقضاض على حريته وارادته .

بهذه المناسبة أريد توضيح بعض التعابير والمفردات , فالعلمانية scientisme(بكسر العين ) , هي اتجاه يؤمن بمقدرة العلم على حل مشاكل البشر , وهذا ما تم دحضه على يد أمثلة هتلر  أو ستالين أيضا , أما العلمانية  secularisme (بفتح الباء), فهي منهجية ترى في فصل الأمور الدينية عن الدنيوية مخرجا من العديد من الاشكاليات , من أهمها الفصل بين الممارسة الشخصية (علاقة الفرد بالدين ..!) وبين التوجه الاجتماعي سياسيا , حيث يسيطر هذا التوجه على المجتمع قاطبة , وبالتساوي في الحقوق والواجبات من كل فرد  مهما كان انتمائه الديني , أما اللائيكية  laique فتريد تحقيق العلمانية كمفهوم عالمي شامل , يرتكز على البعد الثقافي من أجل تحقيق التقدم , والبعد الثقافي  يتضمن الكثير من المعالم , من أهمها التنكر للمقدس , الذي يرتدي الجلابية ويطلق اللحى  ويجلد البشر باسم الخالق

Ju

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • هذا الجيش السوري ..لماذا ؟

    قبل إطاحة صدّام حسين في العراق رأت أصوات في المعارضة العراقيّة أن يُحلّ الجيش في ما بعد صدّام. وقد نفّذت الولايات المتّحدة، بعد 2003، رغبة هذا الفريق الراديكاليّ من المعارضة […]

  • مجزرة دوما ومحاولة الانتحار !

    عيسى خليل:  لو  تصورنا  المشهد التالي ,بشار الأسد يجلس  بين أصدقائه  ,أحدهم  جاء  بجهاز لعرض الصور وعرض الصور  المنشورة أدناه , ثم سأل بشار الأسد عن  رأيه  بتلك الصور ,فماذا […]

  • الرحيل الآمن ونهاية الظلام

    ماذا يعني  التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة  وادانة النظام السوري   بنسبة 137 صوتا  ضد 12 وامتناع 17 عن التصويت بالنسبة للسلطة السورية ,؟ , لايعني  أي شيئ  , […]

  • انتصار الهزيمة وهزيمة الانتصار

     السلطات الحاكمة في كل دول العالم العربي  تنقسم الى ثلاثة  أقسام ,هناك من حارب  وخسر الحرب ,هناك من يحارب ,وهناك من سيحارب ,أي بشكل مختصر يتواجد العالم العربي في حالة […]

  • ما أسهل تغيير الرؤوس وما أصعب تغيير النفوس!

    بقلم: فيصل القاسم هل تغيرنا فعلاً، نحن العرب، بعد أن ثرنا على الطواغيت؟ هل ثرنا فعلاً كي نتغير؟ هل يمكن أن نتغير بمجرد الإطاحة بمن كانوا يحكموننا؟ أم إننا نسخة […]