أنا معدوم الشخصية وأفخر !

July 25, 2018
By

من  الملاحظ  تلازم  خاصة   الافتخار  والاعتزاز   مع  ظاهرة   التأخر  والدونية   ,  كلما  ازدادة  رداءة  حال   الانسان   تعاظمت  ضوضاء  الفخر والاعتزاز   ,  اننا  نفخر كثيرا   ونفرط   في  التفاخر  حتى بشأن عصور أطلقنا  عليها  عصور  الجاهلية  أي  العصور  الرديئة  ,  وللمقارنة   مع    الشعوب   المتقدمة ,  فلافرق   بين  تقدمهم  العلمي  والانساني   والحضاري  وبين  تقدمنا  في  التفاخر   الفارغ, مع  العلم  بأنه   لديهم  ما يمكنهم   حتى  بالتقييم  الموضوعي ما  هو  مفخرة  ,     التقييم  الموضوعي  لحالنا   لايسمح  بأكثر  من  الثرثرة  ,  ليس  لدينا  ما  نفخر  به   حتى أن  ماضينا  ليس  بتلك  المفخرة.

الافتخار عموما  هو  شعور  انساني معقد  يسعى علم  التفس   لتفكيكه  والتعرف  على   محركاته ,  وقد  تبين  وجود   شكلان  له   ,  شكل  ايجابي   يتعلق   بالمنجزات   وتضخيم ادراكها  ولهذا  الشكل  علاقة  جزئية  مع  العقلانية  ,  هذا  الشكل   يقترب  من  الواقعية   الا  أنه  ضار  ومعيق  لها    ,  وشكل  سلبي  ذو  علاقة  رئيسية  مع  الغرور  وتضخم  الأنا  المرضي  ومع  النرجسية   وخداع  النفس,  هدف  الشكل  الثاني اثارة  الدهشة   واستجداء   التصفيق    لما  يدهش  من  تفوق  وعظمة خيالية, الممارس  لسلوك   التفاخر  والتباهي  وادعاء   التحول  الى  عظيم   عن  طريق   اسقاط   العظيم  والعظمة  على  نفسه  ..أنا  خالد  ابن   الوليد   وأنا فارس  الخوري  …و..و  , مسلكية    كاشفة  في  معظم  الحالات  عن   نزعة  غرور    ساعية   لفرض   نفسها  وصحة  مواقفها  على  الغير   ,في  هذه  الحالة  يتمنى  المتفاخر  انصياع  الآخر   لعظمة  الحكمة  والبصيرة  التي  يتمتع  بها المتفاخر دون   أي  صلة مع  الواقع   ,  انها  معاوضة  ساذجة   لنقص  أو  انعدام  الشخصية,  تمركز  التفاخر  خارج  الشخص كالقول  اني  عربي  وأفخر  أو  مسلم  وأفخر   أو  مسيحي  وأفخر…  لاينقذ    الشخص  من  ظاهرة  نقص    أو  انعدام  الشخصية ,  المتفاخر  يسقط    ذاته  في  هذه  الحالة  على  موضوع  الفخر  أو  يسقط  موضوع   الفخر  على  ذاته  ,  بحيث   يتمتزج  الذات  مع  الموضوع  ,  فخر  فلان  بالعروبة   يستوجب  عادة  كونه  عروبي ,  أي  لافرق   بين  القول   أنا  عروبي   وأفخر  , وبين  القول   ان  العروبة  فخورة  بي .

التفاخر   ممارسة  ذاتية   القصد  منها   الوصول    الى  شيئ  من  السعادة  والتفوق  الظرفي  شخصيا  واجتماعيا    ,  فالمتفاخر   يمارس  تفاخره   أمام  الغير,  الا أنه   يحاكي  نفسه     ويتكلم  مع  نفسه   ولنفسه. انها  محاكاة  ذاتية في  حضور  الآخر, شدة   الفخر  والتفاخر    لا  تتناسب  مع   قوة  الحجة  الضرورية    للحوار,  فالفخر  اعتبار  ذاتي   بمجمله  متجه  الى  الداخل ,   حتى  ولو خص  التفاخر   انتماء  الشحص   السياسي   أو  الديني    أو   العنصري   ..نحن  خير  أمة   !!!,  بينما  الحجة  منتتج  عقلاني  متجه  الى  الخارج   أي  ألى  الغير الآخر  ,  فعادة  الفخر  ليست  حجة  موضوعية  , وانما   منتج     لمعانات الفرد    الفكرية   الذاتية ,   لذلك  يمكن  ويجب  اعتبار  التفاخر  العلني  وعلى  مرأى  ومسمع  من  الآخر  عبارة   عن  عادة  وجاهية   سيئة ,   انها  نوعا  من  الاستنماء …. فمالي  ومال   من  يريد  الاستنماء؟؟  ولماذا  يستنمي  في  حضوري؟؟؟  الفرق  بين  العادة  السرية  الجنسية  وبين     عادة  التفاخر  هو  كون  التفاخر مشهدي   وجهاري   ,  كالانسان الذي  يمارس  عادته  السرية   أمام  الآخرين   ويحرص  على  مشاهدة  الآخرين  لنشوته ,   فالتفاخر  من  هذه  الناحية   عادة   اجتماعية  وجاهية   وليست  سرية  كالعادة السرية  الجنسية,  لذلك  سميت  العادة  السرية  وليس  العادة  المشهدية.

  من يمارس  الفخر   بافراط   هو  ذلك  المتحدث   لنفسه  عن  نفسه   الشامخة   المنتحلة   لصيغة   تتوضع  خارج  الذات    ,    الآخر   لايهتم   بحديث  الانسان  مع  نفسه  وعن  نفسه  الممثلة   لقضية  ما ,   وانما  بالحديث  عن  موضوع   أي  بالحديث  الموضوعي .فمعظم  التفاخر  الشرقي  نرجسي  وهدفه  الغير  مدرك  شعوريا   هو    الاستعلاء   وبناء   الجدران  التي   تفرق  بين  انسان  الاستعلاء   ودونية  الآخر  النسبية   , فالاستعلاء  على  الآخر   ليس  الا  تضخم “الأنا”   وانتفاخها   وتورمها  الى  حد  السرطنة ,الأساس  في  تضخم  الأنا  ليس   الاستعلاء  فقط  , وانما    تدجين  ظاهرة  كره  الآخر   عن  طريق  خداع  النفس   وعن  طريق   عدم  فهم  الغير  والذات   ….من  هم  نحن  ومن  هو  الآخر؟,   الافتخار  وتضخم  الأنا  هو  الصانع   لدونية   الآخر   ودونية  قضيته   التي ليست  دونية  عادة  , لا  يقتصر  التفاخر  على   اعلاء الذات  وقضيتها   بطرق  مشبوهة  ,  وانما   يشمل  الحط من  مقام  الآخر  وقضيته   بطرق  مشبوهة    أيضا  ,   فشأن  الآخر مهما  ارتفع  يتقزم  أمام  حبروت  التفاخرة    المنفلتة  من     أي   مكون  موضوعي   , من خلال   التفاخر  واعلاء  الذات  والحط  من  مقام  الآخر  تصاب  علاقات  الناس  بالخلل   , والخلل  لاينتج  الا  خللا   أعظم.

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

User Login

Featured

  • الثورة السورية: هكذا تكلم أدونيس..وقبله ابن خلدون

    بقلم:نارام سرجون يحتفل المعارضون هذه الأيام بابتهاج أن أدونيس طلب من الرئيس الأسد الاستقالة حيث أبى أدونيس الا أن يدلي بدلوه في هذه الحملة على سوريا والرجل كما هو معروف […]

  • عن “طنجرة ضغط” بشار.. ورستم وغدي فرنسيس..

     بقلم:علي عيد: ليس غريباً هذا الموقف المستنكر لفتاة قومية اجتماعية تحمل همّ ظهور “المهدي” تابعت باهتمام لقاء بشار الأسد مع جيريمي باون (Jeremy Bowen) محرر شؤون الشرق الأوسط في محطة […]

  • قصة رفعت الاسد الكوميدية الدرامية

    أبوه علي سيلمان الوحش ، وقد حصل جده على هذا اللقب من حلبة المصارعة ، عندما صرع المصارع التركي الذي كان لايقهر ، ولم يكن أهل القرداحة يعرفون له لقباً […]

  • المفتي حسون و”رحاب الاسلام”

    بقلم:نبيهة حنا في سياق حديث للمفتي حسون  عام  ٢٠١٠  قال : لاتخافوا على المسيحيين  لأنهم في “رحاب الاسلام” ,  هل  يمكن طمأنة المسيحيين  لتواجدهم في رحاب الاسلام ؟  أو أن […]

  • القيادة الحكيمة وحكمها

    بقلم :تيسير عمار معظم القراء يعرفون قصة ليلى والذئب , ويعرفون  العديد من قصص الأطفال    ذات الرمزية  , الا  أن معظم القراء لايعرفون  قصة  الطفل والقناص  , فهذه قصة […]