المواطنية الجديدة والاستقلال السوري الجديد !
بهلول:
قرن كامل أنقضى , وبالناهية لاوجود الا للأنقاض , قرن كامل لادارة مشتركة ومتشابكة بين العروبة والاسلاموية , انتهت في مرحلة متوسطة الى صناعة مخلوطة بين العروبة والاسلام , عن هذه المخلوطة عبر ميشيل عفلق يقوله ان الاسلام عروبة والعروبة اسلام , وبذلك انتهت العروية المجردة سياسيا , وانتهى الاسلام السياسي المجرد دينيا …واحد …واحد !,
يجب على المواطن الممارس للمواطنية أن يكون يقظا وحذرا , عليه أن يشجع مايخدم مصالحه ومصالح الوطن , أن يقوم من آن لآخر بجرد حساب , أن يمتلك خاصة النقد الذاتي , أن يغير موقفه ورأيه تبعا لتغير المعطيات … لقد حدث كل ذلك , الا أن حدوثه كان متأخرا وبطيئا وناقصا ومشوها ومترددا واتكاليا ومخاتلا … فبعد قرن من الزمن تمكن البعض من أفراد هذا الشعب , بعد حلول الكوارث ومقتل الناس وتهديم البلاد , من تقييم العروبة الاسلامية وبالتالي الحكم عليها , وهل من الممكن أن يكون الحكم بأقل من الاعدام شنقا حتى الموت .
رفض العروبة الاسلامية ليس ولادي بالتوريث , انه مكتسب بالخبرة والمعاناة , ولا علاقة له بالحب أو الكره , فمعظم أمم وشعوب الأرض تغير من يحكمها ليس بعد ١٠٠ سنة وانما بعد حوالي خمس سنوات , كان أوباما وجاء ترامب وهل من قاسم مشترك بينهما ؟ , لم يتيقن الشعب الأمريكي من سياسة أوباما وعلى الأرجح سيعود أباما آخر بعد ثلاثة سنوات , اذ يبدو وكأن ترامب سوف لن يحقق انتظارات الشعب الأمريكي , لذلك عليه الذهاب .
اما في بلادنا فهناك استعصاء و استصعاب للرحيل , الحاكم يبقى لطالما بقي الحاكم على قيد الحياة , والنظم تبقى لطالما بقي حجر على حجر في البلاد , اننا نستصعب التغيير الى حد جعله شبه مستحيل , , فبالرغم من فشل النظم نحاول الحفاظ عليها لأسباب عدة …منها مثلا مفاهيم الثوابت أو القدرية أو المؤامرة أو الاتكالية أو الشللية .
داهمت العالم العربي في القرن الماضي موجات من البحث عن الهوية , التي ليست هواية وانما تحديد للطريق الى الهدف , موجة الهوية العربية ولدت في اعقاب الحرب العالمية الأولى , وتكثفت بعد الحرب العالمية الثانية وفشلت في عام ١٩٦٧ فشلا نهائيا ومريرا , بعدها أتت موجة الأممية الاسلامية في النصف الثاني من القرن المنصرم عقب فشل الموجة القومية الأولى , وبعد فقدان الثقة بالمكون العربي , كانت هناك الصحوة الاسلامية , التي حاولت التملص من سمعتها السيئة عن طريق انتحال الصفة المدنية للدولة التي يحلمون بها , لكن سرعان ما انكشف الأمر بعد ان ضمت الصحوة مفهوم المرجعية الاسلامية الى مفهوم الدولة المدنية , وبذلك عدنا الى حيث كنا مع حسن البنا وسيد قطب , وعاد الجهاد والارهاب والتفجيرات والدهس والفعث والرفس .
اننا أزاء تجربة من طورين وموجتين كلاهما فاشل , كنا نبحث قبل ذلك في أوائل القرن العشرين عن هوية اعتقدنا بأننا وجدناها في القومية العربية , والبعض اعتقد بأنه اكتشفها في النصف الثاني من القرن العشرين بعد فشل القومية العربية , لقد أكتشف الأممية الاسلامية المتمثلة بالخلافة العثمانية , وهذه الاسلامية لم تنجح الا في تعجيل التخريب والخراب وفي القضاء على مشاريع بناء الدول .
الفشل يعني عدم جدوى الانتماء السابق القومي العربي والأممي الاسلامي , والعاقل لايعطي للأممية الاسلامية فرصا أكثر من الفرص التي أتيجت لها , ولايعطي للقومية العربية مزيدا من الفرص , بعد أن أعطيت فرصة العمر , ولا يعقل اعطاء القومية العربية والأممية الاسلامية قرنا اضافيا , لذلك نجد في سوريا بداية بحث جديدة وبداية تبلور انتماء جديد -قديم هو الاانتماء السوري , الذي لايعني الشكلية والرمزية فقط وانما العملية , الانتماء السوري كهوية يعني وضع سوريا فوق الجميع ومصلحة سوريا فوق مصلحة الجميع واعتبار سوريا فهما وادراكا وارادة وطنا نهائيا , والسوريين شعبا مستقلا يريد التحول الى مجتمع تمثل تعدديته وحدته , وذلك لبناء دولة حديثة حرة ديموقراطية علمانية .
لايخضع التحول الى الهوية السورية القديمة-الجديدة والمستمرة منذ آلاف السنين , بالرغم من العدد الكبير من طوارئ الاحتلالات والفتوحات والغزوات , الى أحكام معنوية أو عاطفية وانما الى أحكام عقلانية , فالهوية السورية برموزها وشكلياتها والمنتظر من فاعلياتها لاتصطدم باعاقة لايمكن تذليلها , الانتماء السوري يعيد الأمور الى نصابها , فهوية السوري سورية كهوية الأمريكي أمريكية أو الروسي روسية, الهوية السورية الغير عاطفية أو فقط معنوية شكلية تعني التوجه الاستقلالي لسوريا وتعني وضع الامكانيات السورية البشرية والمادية في خدمة سوريا وليس في خدمة مشاريع العروبة او مشاريع الاسلام السياسي , فتحول السوريين الى سوريا واهتمامهم بسوريا هو بمثابة الاستقلال الحقيقي , لقد ثبت بأن الاستقلال عن الخارج ليس أهم من الاستقلال عن الاستعمار الذاتي الذي تمثل بالعروبة والاسلام السياسي , فتبني العروبة والاسلام السياسي كهوية كان خطأ فادحا كلف السوريين وطنهم الذي اندثر أو قارب من الاندثار !
Post Views: 591