معركة الاستقلال التي لاتتوقف !
ربا منصور:
لماذا نظر الفكر القومي بازدراء ورفض الى التراث العقلاني والتنويري الغربي وتنكر ثم رفض الاستفادة منه , ثم تمركز بشكل رئيسي حول موضوع الاستقلال بمفهومه البدائي للاستقلال , الذي يعني استمرار معركة الاستنكار للمستعمر واستمرار ممارسة العداء للمستعمر الذي لم يعد له من وجود بشكله السابق كاحتلال عسكري , استمرت الأوضاع وكأننا في عام 1946 أو عام 1922 , استمرت ممارسة الكلام الخشبي عن الاستعمار وكيده ومؤامراته وضرورة التخلص منه بالرغم من عدم وجوده بالشكل الذي يجب التخلص منه .
القوميون العرب مستمرون في المعركة من أجل الاستقلال الذي أصبح عمره أكثر من ثلاثة ارباع القرن , ولا عجب في ذلك عند ادراك حقيقة مآربهم , لقد كان ذلك توظيفا لمادة للاستقلال في تحسين شروط بقائهم ,فنضالهم من أجل الاستقلال الى أمد غير معروف كان الضمان لبقائهم على الكراسي لأمد غير معروف , وهل كان بامكانهم انجاز ماهو أكثر فائدة من الاتجار بمادة الاستقلال في بازار السياسية والوطنية ؟
في هذه الأثناء تسلل الى الوجود العربي نوعا آخر من الاستعمار , الذي فاق قدرتهم في التصدي اليه وجانب ارادتهم في التصدي اليه أيضا , انه استعمار الفقر والتأخر والقصور في بناء المجتمع القادر على اقامة دولة , ثم العجز عن مواكبة التقدم والرقي ناهيكم عن صناعة التقدم والرقي و عن تحسين الشوط المعاشية للمواطن الذي عليه عندئذ أكل الاستقلال وشربه والعيش به , والاستقلال لايؤكل ولا يشرب .
اضافة الى تحويل الاستقلال الى مادة استهلاكية في بازار السياسة , تم ضم قضية فلسطين الى المواد الاستهلاكية السياسية , فمن أجل استهلاك قضية فلسطين بشكل أفضل كان لزوما على القوميين العرب احياء ثقافة الحرب والطوارئ وتبرير سرقة العسكر للميزانيات , قضية فلسطين كانت المبرر لدوام العسكرة ودوام استنذاف المقدرات الاقتصادية من قبل الجيوش التي لم تحصد سوى الهزائم , يدعون بأنهم يحاربون من أجل فلسطين وبالنتيجة تطورت حروبهم من أجل فلسطين الى حروب من أجل الجولان والضفة الغربية اضافة الى ذلك … ومن أجل ذلك أصبحت الدولة الأمنية ضرورية للتعبئة الحربية من أجل تحرير الأرض المحتلة , الدولة الشمولية أيضا ضرورية لنفس السبب , لم تدرك العسكاراتاريا بأن حرية الوطن هي جمع لحرية الفرد , وقوة الوطن هي جمع لقوة الافراد , والتبس عليهم أمر استقرار الوطن مع استقرارهم على الكراسي , فكلما ضعف الوطن ازدادوا قوة , وكلما ازدادوا قوة ضعف الوطن .
حارب التيار القومي الشعوب التي ادعى الاهتمام بأمرها , باستثناء الأصولية الدينية , فالأصولية كانت القاسم المشترك بين الدين والقومية , لاتغرنا بعض مشهديات الفتك البربري ببعض الأصوليين الذين أرادوا حصة أكبر من كعكة السلطة , ففي ظل القمع الفردي المشهدي للأصوليين الدينيين نمت القوى الأصولية الدينية , التي سرعان مابرزت بشكل قوي مؤخرا في أحداث الربيع العربي , لقد تألف حلف الأصوليتين من عسكر قومي ومدنيين اسلامييين , بعد انفجار الربيع العربي انعكست الحالة وتحول الاسلاميون الى الذراع العسكري للاصولية المشتركة التي هددها الربيع العربي وأخافها , الربيع السوري كان عدوا للأصولية بشكليها , لكن القضاء على الربيع السوري فقد تم بالدرجة الأولى عل يد الأصولية الدينية .
لاوجود لضدية بين الأصولية الدينية والأصولية القومية الا من حيث التنافس على الكرسي , هناك يقين عند الطرف القومي وعند الطرف الاسلامي بأن الاسلام هو العروبة وبأن العروبة هي الاسلام , وكل ماطلبته الأصولية الدينية تحقق خاصة في مجال القوانين وأوضح مثال عن ذلك كان اعدام سيد قطب , ففي نفس السنة ادخل عبد الناصر كل ما أراده سيد قطب في الدستور , فسيد قطب لم يعدم لأنه اسلامي , وانما لأنه اراد سحب الكرسي من تحت مؤخرة ناصر عن طريق اغتياله , وهل يختلف ذلك عن قضية المادة 49 من قانون العقوبات السوري ؟ , لم تكن الضرورة الوطنية الدافع لاصدار هذه المادة , الدافع كان الضرورة الحياتية للأسد كما كانت بالنسبة لعبد الناصر .
من كل ذلك نستنتج بأن هدف الأصولية القومية وهدف الأصولية الدينية كان السلطة وغنائم السلطة المادية والمعنوية , لذلك كان من الضروري اشغال الناس بقضايا وهمية لاوجود لها في الواقع , تنحصر مسببات استنكافهم عن محاولة محاربة الاستعمار الجديد المتمثل بالتأخر بشكل عام بعدم المقدرة على القيام بذلك بالدرجة الأولى , وبعدم الارادة للقيام بذلك بالدرجة الثانية , تتمثل عدم المقدرة بغياب المنهجية وغياب الواقعية والعقلانية , وتتمثل عدم الارادة بوجود ضامن آخر لبقائهم …. هاهم باقون على الكراسي بفضل بازار الاتجار بقضايا البلاد وبفضل قابلية الناس للتضليل والاذلال ,
Post Views: 420