الميت لايحرك لسانه !

ممدوح بيطار:

العنوان أراد   القول بأن  اللغة  تموت  بموت  الحضارة  الثقافية  التي  تستخدمها , والقصد من   هذه  الديباجة   هو  السؤال  عن  أحوال اللغة  العربية  وصحتها   , وهل  هي  بعد  حوالي  ألفي  عام  لاتزال  في عمر  الشباب   أو البلوغ  أو  الشيخوخة ؟اليونيسكو  هي  أحد من  يجيب  على  هذه  الأسئلة  ,  ويحكى  بأن  اليونيسكو قالت  بأن  الأجيال  القادمة  ستشهد  انقراض  ٣٠٠٠  لغة  من  اللغات  المحكية  وليست  المكتوبة ,  واللغة  العربية  هي  لغة  مكتوبة  , لذلك  لاداعي  للخوف  الشديد  حول  اللغة , وانما   للخوف  على  الحضارة  الثقافية  التي  تستخدم  هذه  اللغة , الانقراض  اللغوي  يصبح  تلقائي  وحتمي  عند موت  الحضارة  , وماهي  ضرورة  لغة   لامهمة لها  وأصبحت  خارج  الخدمة,

اليونيسكو  لم تعلن   عن موت اللغة العربية في الأجيال القادمة  ,  الا  أن الأمم المتحدة  تبعا  لبعض  الأخبار  تفكر  في  حذف اللغة  العربية من مجموعة  اللغات    المعتمدة  لديها  ,  وسبب  ذلك  بسيط جدا  ,    فالدول  العربية  التي   ساهمت  في   اعتماد اللغة  العربية  لاتدفع   الرسوم   التي  يفرضها  هذا  الاعتماد  , ومندوبي  هذاه  الدول   يتكلمون  بشكل  رئيس   باللغة  الفرنسية  أو  الانمكليزية  , لذلك  لاضرورة   لهذه اللغة  رسميا  في  الأمم  المتحدة  … هكذا  تقول  الاشاعات !

الاشكالية  من  جهة  الأمم المتحدةة  ليست  بتلك  الكارثية  , ولكن  من خارج  الأمم  المتحدة  لايسمع  الانسان  الا الرثائيات  والبكائيات    بخصوص   مستقبل  اللغة  العربية ,   وأعظم  مسبب   لتلك  الرثائيات  كانت  ولا تزال  منظومة  الاتكال  على الله  في  الحفاظ على اللغة  العربية  لكونها  لغة  القرآن  ( انا  نحن  نزلنا  الذكر  وانا  له  لحافظون )  وهي  لغة  مقدسة , فعلى الله  لايمكن  الاتكال   في المحافظة على اللغة  العربية وانما  يجب  الاتكال على   المضمون  الثقافي  الذي  على اللغة احتضانه  ونقله  للغير وتداوله  مع  الغير  ,  ضمور  المضمون  يتناسب  طردا  مع  ضمور  الحاضن , لذلك فالشكر  والحمد  لله  على  أي حال, الا  أن محور  الحفاظ  على  اللغة  العربية يجب     أن يكون  المضمون  الثقافي  ,بقدر   مايتضخم    هذا  المضمون  ويترقى  ويتنقى  تترقى  اللغة  وتتنقى  وتحافظ على شبابها  وحيويتها .

لقد  لاحظ  الأزهر الاشكالية  , فحرر  اللغة  من  القدسية التي تعني مسؤولية  الله  عنها  ,وأفتى قبل  سنوات عديدة(٢٠٠٧)  بعدم قدسية    كل  لغة  القرآن  , وبذلك فتح  الباب   أمام  امكانية  تطوير   اللغة  وزيادة  انسجامها  مع  العصر  ومتطلبباته وتخديمه ,  من ناحية  أخرى  يمكن  القول  بأن الله  لم يتكفل   بالحفاظ على اللغة  العربية , وانمافقط  على  “الذكر” في  القرآن  … لقد كانت العربية   اللغة  الرسمية   في  ايران  , انقرضت  اللغة  العربية هناك   وبقي القرآن , لذا  فالحفاظ على  الذكر  لايمثل  ضمانا  لبقاء   اللغة  في  التداول  العام …قد  تترقى  هذه  اللغة  ’ وقد تنقرض   أيضا  ..التطور مفتوح !

اللغات  تعيش  وتضعف  وتموت كالبشر,ففي كتاب  مهم   حول  موت اللغات   لمؤلفه  دافيد كريستل   , ذكر  الكاتب  تسعة شروط  لموت  اللغة  , وللأسف   تنطبق  كل  هذه  الشروط  التسعة  على  وضع  اللغة  العربية  آنيا    , من  أهم  هذه  الشروط   انتشار  لغة  الغالب  في  بلاد  المغلوب  ,  هذا  المبدأ  معروف  حتى من ابن خلدون  الذي قال  ان المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده  ,  الغالب  يفرض  نفسه  من خلال  سيطرته  على  المجال  الاقتصادي  والسياسي     وحتى  الفكري والثقافي  … فمن  كتب  الله  له  عمرا   طويلا    استطاع  ملاحظة  كثرة  من  تكلم  الفرنسية  في   الخمسيانت  وكثرة  من تكلم  التركية  في  عشرينات القرن  الماضي  …أي  لغة  المهيمن  !

العالمل  المهم  الثاني  هو  ازدواجية  اللغة  ,  أي  وجود  مستوى  للغة  الرسمية الفصحى   ومستوى  للغة  العامية   اي  اللهجات   , وكلما  ازداد  التباين بين   الفصحى  واللهجة  تعرضت   الفصحى    للتآكل  والانحلال   لتحل   اللهجة  مكانها  , اللغة  اللاتينبة   انقرضت  في   أوروبا   وحلت   اللهجات الانكليزية   والفرنسية  والألمانية  مكانها  ,  الفرق  بين  اللهجات  العربية والفصحى شاسع    , وهذا مادفع  البعض  الى  الترويج    للهجة  العامية  كلغة  رسمية   ..سعيد  عقل  مثلا  , فسعيد   عقل   ليس  بذلك  المتآمر  على  العربية  و العروبة   , وانما  هو  من  رأى    بأن مستقبل  اللغة   العربية  الفصحى عدمي   , ماقاله سعيد عقل  يمارسه  العديد  من  الناس  ..انظروا  الى  اللغة  العامية   واستخدامها   في  مجال  التواصل  الاجتماعي  …    من  المؤكد  بأنه  ليس  في  كل  رأس يكتب  العامية   مخطط  تخريبي  امبريالي    صهيوني عدواني   وعميل  يحارب  الاسلام  والقرآن .

اعلان  اللغة  العربية بأنها  اللغة  الرسمية للبلدان  العربية  لاينقذ    اللغة  من  الاندثار والانقراض  ولا  يعيض عن  ضرورة ملئ  هذه  اللغة  بالحضارة  العلمية والثقافية  والاجتماعية  والسياسية …  الأنظمة  العربية لم تنتج ثقافة  ولا وجود  للاختراعات والابتكارات  والفلسفة  وعلوم  الاجتماع  …التي  تمت  صياغتها   بالعربية ,  ومحاولة  تعريب   المدارس  والمعاهد  والجامعات  عن  طريق  اهمال  اللغات  الأجنية   فرنسية  أو  انكليزية  قاد  الى  فقدان  التواصل  مع  حضارات  الآخرين  دون   أن يؤثر  على  مكانة اللغة  العربية  ايجابيا  ,  لقد كان  ذلك  خطوة  بعكس  التيار  الذي  يفرض  نفسه   , خطوة   خاسرة بشكل  مطلق  , لأن  هذه  الخطوة  لم تكن  الخطوة المناسبة   وبالشكل  المناسب  وفي  الوقت المناسب  , خطوة  تعاكس   التطور    المنطقي  , لذلك كان  الفشل  من نصيبها .

هناك  اشكالية ثنائية  اللغة  , فالى جانب  مايسمى  اللغة   القومية الرسمية,    استوطنت  لغة   أجنبية  أخرى  في  البلاد ,   القصد  من  هذه  التشكيلة  التي  لايمكن  مقاومتها   أو  الاستغناء   عنها  كانت ضرورة  الانفتاح  على   الثقافات  الأخرى  خدمة   لمجتمع  المعرفة  الضروري  من  أجل  تحقيق  التنمية  البشرية   التي  لايمكن  تكريسها   باللغة  القومية  الخالية من  المعارف  العصرية   العلمية  ,   أكثر  الكتب  المسماة  “علمية ” انتشارا  في  العالم العربي   هو  كتاب   الاعجاز  العلمي  في  القرآن  لمؤلفه  الدكتور  الجبار  زغلول  النجار  , حيث  وصل  النجار  الى  القمر  وشطر  الذرة  وصنع  الطائرات والصواريخ  والغواصات  والقنابل   الهيدروجينية والذرية  ومن  الطنبر  صنع  الموتور .. تطبيقا  لم  نر  لحد   اليوم  الا  اضمحلالنا  وتضخم  ثروته  المادية ,  حصد الثرثار  النجار  الأوسمة  والمديح  والمال  لأنه  كما  قيل   صنع  العلم  الحديث  بلغة  القرآن ومن  القرآن   , وهل يمكن  التعجب   من  انقراض  لغة  تحتضن   علميا   اعجاز  النجار   الى جانب    مئات  الآلاف  من  كتب  عن  السيرة  وعن  الغزوات  وشجاعة   خالد ابن  الوليد   الذي  قتل  خلال  اربعة   أشهر  ٤٠٠٠٠٠  مشرك , ثم  البوطي   وجولاته  الليلية  مع  الله  …الخ  , لغة  يقتصر   احتضانها  على  الخزعبلات  هي  لغة  خزعبلاتية   لامستقبل  لها  , من يريد  التحدث  عن  الموامرة  والهجمة   الاستعمارية  والحقد  على   الاسلام  وعلى   القرآن ولغته   فعليه  اولا  بزغلول  النجار  وأشباهه.ا

ثنائية  اللغة  حشرت  اللغة  العربية  في زاوية  النسيان  والاهمال  , ومهما  كان تأثير  ذلك على  وضع  اللغة  العربية  فانه  لامناص  منه  وهو  أهون  الشرين وأسوء  الحلول  الجيدة,لايمكن   انقاذ  اللغة  التي  تنازع  عن طريق  وضعها  ولأجل  غير معروف  في  العناية  المشددة  ,  اللغة  التي  فقدت  وظيفتها  في  نقل  وتداول  الثقافة  فقدت  حياتها , فالميت  لايحرك  لسانه !

اريد  انهاء  المقال  ببعض  الملاحظات  حول  اللغة  الرسمية   أو القومية  الفصحى  ,  من  الملاحظ  نوعا  من  الاغتراب  اللغوي , فاللغة  الفصيحة  مصابة  بالغربة  وهناك  تزايد في  صعوبة  فهمها  , مما   يحبط   القارئ  , خاصة  وان  الأمية  منتشرة  بشدة  , يقال   بأن  نسبة  الأمية عند نساء   ريف شمال حلب   ١٠٠٪  بين  النساء   و٩٨٪  بين الرجال  ,حوالي  ٦٠٪من     العرب  أميون , , الاسرائيلي   يقرأ ٤٠ كتاب  سنويا وباللغة  العبرية  التي كانت  ميتة  وتم  انقاذها  ليس  بالمراسيم  وانما  بالعلم  والتحضر  ,  الفرد  الغربي  يقرأ سنويا  ٣٥ كتابا  , أما في  السنغال  فيقرأ السنغالي  ٤ كتب  سنويا  وفي  سوريا   تحتاج قراءة  كتاب واحد  لجيش من ٨٠ سوري,   وذلك  باللغة  العربية  والتي   لم  تكن  ميتة   كالعبرية , كما   ترون  نجح   العرب   في   الكثير  من   المهمات   التدميرية    التخريبية  التأخرية ,  وحتى اللغة  فقد  أصابها   ما أصاب  غيرها !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *