الداء الأمبراطوري !

October 23, 2017
By

جورج بنا:

نتيجة بحث الصور عن الامبراطور كاريكاتيرمن منا لايعرف  العلاقة السببية بين  الأزمة , وفي  الغالب   أزمة اقتصادية,  وافتعال الحروب  , الأوضاع الاقتصادية قبل الحروب العالمية الأولى والثانية  كانت مثالية بما يخص   آلية اندلاع الحروب  , والحروب التي اندلعت بفعل العامل الاقتصادي  كانت حروبا  تقليدة وبأسلحة تقليدية  , وقد كان بامكان طرف أن ينتصر على طرف آخر  دون تعريض البشرية الى  الانقراض .الا أن قنابل هيروشيما  وناغازاكي مثلت  مؤشرا  لبدء حقبة جديدة  تتمثل بها  استحالة  الحروب العالمية, لذا  كان من الضروري  أقلمة  الحروب التي يريدها البعض  وحصرها في منطقة محدودة  ثم ايكال   خوضها الى وكلاء  محليين أو اقليميين  بحيث يتجنب العالم  كوارث  وخسائر أكبر من الفوائد التي ينتظرها البعض من الحروب .

الاقتصاد الروسي هو اقتصاد ريعي  يعتمد على بيع مافي الأرض  لاطعام من هم على الأرض , هذا  الاقتصاد  يشيه الى حد كبير الاقتصاد السعودي  ,حيث تعتمد روسيا على بيع الغاز  والكاز  لتغطي مايعادل ٩٠٪ من نفقاتها , اضافة الى ذلك هناك السلاح  , الا أن زبائن شراء السلاح هم من المفلسين تقريبا  والذين لايدفعون مباشرة  انما “على الحساب”  وعندما يأتي الحساب  يبدأ  التملص من الدفع  , ففي  الفترة الأولى من حكم بوتين كان على روسيا ان تتنازل عن مايقارب ١٠٠ مليار دولار لدول أخرى من بينها سوريا , التي نعمت بتنازل روسيا عن ١٧ مليار دولار, أي بكلمة أخرى   يمكن اعتبار تجارة السلاح ليست بتلك التجارة الرابحة  , الا أنها تجارة تؤمن لروسيا   الكثير من النفوذ  لدى  بعض الدول  ومن هذه الدول  سوريا .

لقد  عرف بوتين  المشكلة  وحاول حلها عن طريق  التأسيس  لصناعات   تخفف الاعتماد على الغاز والكاز وذلك في   الوقت  الذي  عرف ارتفاع أسعار النفط , سارت الأمور مبدئيا كما يشتهي بوتين, الى أن أصيب الرجل  يالداء الأمبراطوري  خاصة بعد  تجارب  روسية مريرة  , لقد كانت هناك حرب  الشيشان  ثم الحرب مع جيورجيا  والحرب الأفغانية ثم انفراط الاتحاد السوفييتي  وانضمام  العديد من   الدول السوفيتية   الى الناتو مثل بولندا  ودول البلطيق  وغيرهم … من  يظن  على  أنه امبراطور   ويظن على أنه يمتلك  قوة  كافية لاعادة  انتاج  الأمبراطورية  يتصرف كما تصرف بوتين   , الا ان  الشيئ  المناسب لم يحدث في الوقت المناسب ,  فالتأسيس لصناعة راقية  تنتج ماهو قابل للتصدير   كان في مرحلته  المتوسطة  , وفي هذه المرحلة بالذات  انتشى  بوتين  وتعملق   واستولى على شبه جزيرة القرم  غير  آبه  بالغرب ,  الغرب بقي عسكريا في وضع المتفرج  , أما اقتصاديا  فلم يتفرج الغرب على  مغامرات بوتين , وانما  فرض عقوبات   قابلة  للزيادة على روسيا,   اضافة الى العقوبات جاء تدهور  أسعار النفط  الذي  سببته    السياسة النفطية السعودية الهادفة الى اضعاف روسيا وايران في نفس الوقت , وكان لها ما أرادت  وما أراد الغرب أيضا .

اقتصاديا قادت العقوبان  التي من  ضمنها حرب  أسعار النفط  الى  ضرب عصفورين بحجر واحد ,  أزمة اقتصادية  في روسيا  , حيث   لم يبق من الروبل الا ٢٠٪ من قيمته  الأساسية ,  ومن ناحية أخرى   دفع الغرب  نصف السعر لما استهلكه من البترول مقابل  تحصبل بوتين لنصف السعر مقابل ماباعه من بترول , وبالنتيجة تمكن بوتين من ضم القرم الى روسيا الا أنه  شارف على الافلاس , وليس من المعلوم الى متى  ستستمر العقوبات  والى أي حد سيصل سعر البترول ويقال على   سعر الرميل قد يصل ال ١٠ دولار ..عندها   سيجوع الشعب الروسي , وماهو التنازل الذي على بوتين القيام به  لرفع العقوبات ورفع سعر النفط ؟,ليس  من المستغرب أن  يعود القرم الى أوكرانيا  وبالتالي تمثل مغامرة بوتين   مايسمى “مكانك راوح  “كما كان حال الملالي والسلاح النووي , انهم يراوحون في مكانهم  بعد أن خسروا مئات المليارات .

الغرب صبور ومرتاح , وهذا لاينطبق على بوتين  , فكل مشاريع التصنيع  توقفت في مرحلتها المتوسطة  وتحولت الى “خردة”  وآثار  , لقد انتهى بذلك  مشروع   تأسيس الصناعات  وأوقف الغرب  تصدير  المعدات  الضرورية للتصنيع  , وهذا بحد ذاته  خسارة كبيرة … كل ماحدث  من انخفاض بأسعار النفط  الى العقوبات الاقتصادية الى خراب التصنيع  قاد الى   تصنيف روسيا في مصنف الدول   الغارقة بالأزمة الاقتصادية  , ومن  هذه الخلفية  كان على بوتين  أن يتصرف  , وقد تصرف  بالشكل  التقليدي  , أي الهروب الى الأمام  ,فبين  ليلة وضحاها  تحولت حيادية   بوتين   بخصوص الازمة السورية  الى  مؤازرة  ودعم واضح  للسلطة السورية  الأسدية  , وخلال أيام  تخندق بوتين مع الأسد في خندق واحد  وباشر  في الحرب  الى جانب الأسد  وأشعر الشعب الروسي  بالطعم  الأمبراطوري  , حيث أرتفع  تأييد  الروس له الى  نسبة ٨٦٪ وفي  هذه المعمعة  وافق البرلمان الروسي  في دقيقة ونصف بالاجماع على خطوات بوتين  في  الخارج  أي في سوريا  , وبذلك تفوق على بشار الأسد  في سرعة  استجلاب  موافقة البرلمان  على خطوة مهمة  ,  فخلال دقائق خمسة  وافق  مجلس الشعب على تغيير الدستور لكي يتثنى  للأسد  أن يصبح رئيسا للبلاد .

روسيا مصابة بأزمة اقتصادية , وتقليديا  يحاول كل ديكتاتور  افتعال الحروب للهروب من هذه الأزمة  وتحويل الأنظار عن  المشكلة الحقيقية  ,  وبوتين  الديكتاتور بالمناوبة مع زميله ميدييف  لم يفعل  ماهو غريب وغير معروف  , افتعل  حربا  أو بالأصح افتعل المشاركة في حرب لنصرة  رفيق  له بالديكتاتورية  , أرسل الطائرات  والعساكر  وبدأ على الفور  في الضرب, متجاهلا  كون الانتصار في الحروب  هو دائما للطرف الأقوى , واذا اعتقد بوتين على أن روسيا   أقوى من الغرب  فقد أخطأ خطأ العمر ,  نتائج الحروب  تخضع لمعادلات حسابية  تخص  القوة الاقتصادية  وعدد الجنود ثم تسليحهم ..بوتين يحارب في بيئة معادية  اقليميا   ودوليا ,ولا يملك  مايملكه الغرب من عدة وعتاد وعدد,لذلك  فان خسارته  حربيا أمر حتمي.

 انغماس بوتين في هذه الحرب سيكون نهاية  محاولات بوتين التسلق  والتسلل الى مراكز  لايستحقها  , فدولة  مهلهلة وفاسدة   وذات  حجم اقتصادي  أقل من حجم اسبانيا  لاتقوى على منازلة  العمالقة  في العالم..أمريكا عملاق  وألمانيا أيضا  واليابان  وفرنسا  وانكلترا  , هذا اضافة الى  القوة الاقتصادية للخليج والسعودية وتركيا  واستراليا  وحتى اسرائيل  , لا أعرف كيف سينتصر بوتين  وبماذا سينتصر  ولماذا سينتصر ؟؟؟,  هل  انتصاره   في تثبيت دعائم  الأسدية انتصارا للأخلاق  والحرية والديموقراطية  أم انه  انتصار  كانتصارات أمريكا في السابق عندما  حاولت دعم كل ديكتاتور   وفشلت في كل مساعيها ,وقد تعلمت  من  أخطائها  , أما بوتين فلم يتعلم من أخطاء أمريكا  ولا من  أخطاء السوفييت الذين  احتضنوا كل  ديكتاتوريات الشرق الأوروبي  .. النتيجة  كانت  تفكك الاتحاد السوفييتي   وتحرر   دول وشعوب أوروبا الشرقية , التاريخ سيعيد نفسه في  الشرق  الأوسطي  , وما علينا الا الانتظار

Tags: , , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • الاخوان وغيرهم من الاخوان

     ممدوح بيطار: لاشك في أن نية الاخوان المسلمين السعي الى اقامة دولة الخلافة , أو على الأقل مايسمى دولة مدنية ذات مرجعية اسلامية سنية , ولا نريد طرح السؤال كيف […]

  • خطاب الرئيس الأسد ..تتمة 2/2

    الحوار الوطني بات عنوان المرحلة الحالية وقال الرئيس الأسد: وكما قلت أنا أمام مجلس الوزراء كل شيء يجب أن يكون مرتبطاً بزمن واعتقد أن مطلبكم جميعا هو كل شيء نتحدث […]

  • الشعور القومي العربي وتفوقه على الشعور القومي الكردي !!!

     سمير صادق: كل نسكات المجتمع السوري وتأخره  وشقائه وفقره  هي نتيجة للمؤامرة!! ,  , وتوظيف المؤامرة للتمويه  ليس اختصاصا سوريا  , وان ممارسة تمارسها الكثير من السلطات والأنظمة بقصد التبرئة […]

  • مسيحيو حمص يمنعون الإعلام الرسمي من تصوير قداس العيد

    الوضع العام يزداد احتقانا ,  وبعد سيطرة الجيش الحر على  حي الحميدية وحي بستان الديوان في حمص  , نزح  معظم سكان هذه الأحياء الى مناطق مجاورة والى دمشق , , […]

  • الانتماء بين الجغرافيا والديموغرافيا

    جورج بنا : كثرت في السنين الأخيرة المفاهيم والشعارات الاسلامية التي يجب وضعها على طاولة النقد  والمراجعة  والتحليل , ليس رغبة  مجردة  لهدم  اركانها  ,وانما بالدرجة الأولى لمنعها من هدم  […]