الداء الأمبراطوري !

جورج بنا,ميرا   البيطار :

 من منا لايعرف  العلاقة السببية بين  الأزمة ,في  الغالب   أزمة اقتصادية!,  وافتعال الحروب  , الأوضاع الاقتصادية قبل الحروب العالمية الأولى والثانية  كانت مثالية بما يخص    آلية اندلاع الحروب  , والحروب التي اندلعت بفعل العامل الاقتصادي  كانت حروبا  تقليدية وبأسلحة تقليدية  , وقد كان بامكان طرف أن ينتصر على طرف آخر  دون تعريض البشرية الى  الانقراض ,الا أن قنابل هيروشيما  وناغازاكي  كانت   مؤشرا  لبدء حقبة جديدة  تتمثل بها  استحالة  الحروب العالمية, لذا  كان من الضروري  أقلمة  الحروب التي يريدها البعض , وحصرها في مناطق  محدودة,  ثم ايكال   خوضها الى وكلاء  محليين أو اقليميين كما   هو   الحال   في  منطقة   الشرق   الأوسط  وايران , بحيث يتجنب العالم  كوارث  وخسائر أكبر من الفوائد التي ينتظرها البعض من الحروب .

  الاقتصاد الروسي   ريعي  يعتمد على بيع مافي الأرض  لاطعام من هم على الأرض , هذا  الاقتصاد  يشبه الى حد كبير الاقتصاد السعودي  ,حيث تعتمد روسيا على بيع الغاز  والكاز  لتغطي مايعادل ٩٠٪ من نفقاتها , اضافة الى ذلك هناك مبيعات   السلاح  , الا أن زبائن شراء السلاح الروسي  كانوا من المفلسين تقريبا  والذين لايدفعون مباشرة  انما “على   الحساب” , وعندما يأتي الحساب  يبدأ  التملص من الدفع  , ففي  الفترة الأولى من حكم بوتين كان على روسيا ان تتنازل عن مايقارب ١٠٠ مليار دولار   لدول أخرى من بينها سوريا , التي استفادت من   تنازل  روسيا عن ١٧ مليار دولار, أي بكلمة أخرى   يمكن اعتبار تجارة السلاح   الروسي  ليست بتلك التجارة الرابحة  , الا أنها أمنت    لروسيا     الكثير من النفوذ   لدى  بعض الدول  ومن هذه الدول  سوريا .

  لقد أدرك  بوتين  المشكلة  وحاول حلها عن طريق  التأسيس  لصناعات   تخفف  من  الاعتماد على الغاز والكاز, وذلك في   الوقت  الذي  عرف ارتفاع أسعار النفط , سارت   الأمور مبدئيا كما اشتهى , الى أن أصيب الرجل ” بالداء الأمبراطوري ” خاصة بعد  تجارب  روسية مريرة  ,مثل حرب  الشيشان  ثم الحرب مع جيورجيا  والحرب الأفغانية ثم   انفراط الاتحاد السوفييتي  وانضمام  العديد من   الدول السوفيتية   الى الناتو مثل بولندا  ودول البلطيق  وغيرهم , من  يظن  على  أنه امبراطور   ويظن على أنه يمتلك  قوة  كافية لاعادة  انتاج  الأمبراطورية  يتصرف كما تصرف بوتين   , الا ان  الشيئ  المناسب لم يحدث في الوقت المناسب ,  فالتأسيس لصناعة راقية  تنتج ماهو قابل   للتصدير   كان في مرحلته  المتوسطة  , وفي هذه المرحلة بالذات  انتشى  بوتين  وتعملق   واستولى على شبه جزيرة القرم  غير  آبه  بالغرب ,  الغرب بقي عسكريا في وضع   المتفرج  ,   أما  اقتصاديا  فلم يتفرج الغرب على  مغامرات بوتين , وانما  فرض عقوبات   قابلة  للزيادة على روسيا,   اضافة الى العقوبات جاء تدهور  أسعار النفط  الذي  سببته     السياسة النفطية السعودية الهادفة الى اضعاف روسيا وايران في نفس الوقت , وكان لها ما أرادت  وما أراد الغرب أيضا .

  اقتصاديا قادت العقوبات,  التي كان  من  ضمنها   حرب  أسعار النفط,  الى  ضرب عصفورين بحجر واحد ,  أزمة اقتصادية  في روسيا  , اذ لم يبق من الروبل الا أقل   من  ١٠٪ من قيمته  الأساسية أو الشرائية  ,  من ناحية أخرى   دفع الغرب  نصف السعر لما استهلكه من البترول مقابل  تحصبل بوتين لنصف السعر مقابل ماباعه من بترول , كمعاوضة   تقليديةفي   الأزمة   ضم  بوتين   القرم الى روسيا  عسكريا ,بعد   أن    شارف على الافلاس , ليس من المعلوم الى متى  ستستمر العقوبات  والى أي حد سيصل سعر   البترول,   وصل   سعر   برميل   النفط   قبل   سنوات   الى  أقل من  ١٥  دولا للبرميل   الواحد , حاضرا  أو  مستقبلا     يمكن   بوسائل   مختلفة ايصال   سعر   البرميل   الى    سعر   أدنى  من  كلفة   استخراجه   ,عندها   سيجوع الشعب الروسي .

ماهو التنازل الذي على بوتين القيام به  لرفع العقوبات ورفع سعر النفط ؟,  هنا ليس  من   المستغرب أن  يعود القرم الى أوكرانيا   ,  خاصة   بعد   تمكن  أوكرانيا مؤخرا   من   نقل   المعارك   الى   داخل   روسيا,  بالمجمل يراوح   بوتين   في  مكانه    او   يتأخر  ويتراجع    ويبرهن      على   أنه   نمر  من  ورق,  كما  برهن الملالي في   الشهور   الأخيرة   على   أن  ايران   نمر  من  ورق ,   ففي  ايران    يعيش الآن  ٣٠٪  من   الايرانيين   تحت   خط   الفقر  بسبب   العقوبات وبسبب  تكاليف محاولة   انتاج   اسلحة  نووية وبسبب مصاريف     الأذرعة  الوكلاء  مثل   سوريا   وحزب   الله والحوثيين وغيرهم  ,   ايران  تراوح في  مكانها  لابل   تتأخر   وتنتظر من   سوريا   تسديد   ديون   بلغت ١٠٠مليار دولار ,    بخصوص   الديون   السورية   على   ايران   أن   تكون   صبورة  جدا  , سوف   لن   تتمكن   سورياحاضرا   أو  مستقبلا    من   تسديد  مئة   دولار   وليس   مئة  مليار  دولار !.  

 الغرب  مرتاح  نسبيا  ,بعكس   بوتين  , كل مشاريع التصنيع في   روسيا  توقفت في مرحلتها المتوسطة  وتحولت الى “خردة”  ,  بذلك  انتهى  مشروع   تأسيس  الصناعات ,بعد   أن  أوقف   الغرب   تصدير  المعدات  الضرورية للتصنيع  , وهذا بحد ذاته  خسارة عملاقة  , كل ماحدث من  تطورات  بخصوص   أسعار  النفط  الى العقوبات   الاقتصادية الى خراب التصنيع  قاد الى   تصنيف روسيا في مصنف الدول   الغارقة بالأزمات  الاقتصادية  , ومن  هذه الخلفية  كان على بوتين  أن يتصرف  , وقد تصرف  بالشكل  التقليدي  , أي الهروب الى الأمام  ,   اي   الى    الحرب  مع   أوكرانيا   والى    التواجد   العسكري    في   سوريا وغيرها   من    الدول     الأفريقية  , لقد  أصيب    بالداء  الأمبراطوري     ,  الذي   أصاب   اردوغان  وتركيا ايضا   ,  قبل عقوبات    ترامب على   تركيا  كان     سعر   الدولار ٢,٥   ليرة  تركية  , والآن   يجب   دفع   ٤٠   ليرة  تركية لشراء   دولار   واحد ,والأمر   يتطور   كما   تطور   في   سوريا ولبنان   وحتى   مصر ,  عنتريات   بوتين  الخداعة  قادت   الى  تأييد   خطواته   من   قبل   ٨٦٪ من   الروس    له ,   الآن  لم   يبق  من   نسبة التأييد   المرتفعة   جدا   الا   القليل .   

  في   أزمات   الديكتاتوريات ,  يحاول الديكتاتور   افتعال الحروب للهروب من   الأزمة  وتحويل الأنظار عن  المشكلة الحقيقية  , والديكتاتور  بوتين    لم يفعل  ماهو غريب وغير معروف  ,  افتعل   بوتين  المشاركة   في حروب   سوريا   وفي   غيرها   من   الدول   مثل   ليبيا  وباقي   الدول   الأفريقية  ,  متجاهلا  كون     الانتصار في الحروب    دائما للطرف الأقوى   اقتصاديا , واذا اعتقد بوتين أن روسيا   أقوى من الغرب اقتصاديا  , فقد أخطأ خطأ العمر ,  نتائج الحروب  تخضع لمعادلات حسابية تخص   الاقتصاد بالدرجة     الأولى , نفس   الخطأ ارتكبته   حماس    ونصر   الله وترتكبه   ايران   ايضا  , ماذا   كانت نتائج مغامرات    حماس      لحد  اليوم   ؟وكيف   ستكون   النتائج   النهائية ؟

 انغماس ابو  علي بو  طين  وأشباهه  في الحروب  سيكون نهاية  محاولات   التسلق  والتسلل الى مراكز لايستطيع الوصول   اليها   , فدولة  مهلهلة وفاسدة   وذات  حجم   اقتصادي  أقل من حجم  ايطاليا   لاتقوى على منازلة  العمالقة  في العالم,أمريكا عملاق  وألمانيا أيضا  واليابان  وفرنسا  وانكلترا  , هذا اضافة الى  القوة الاقتصادية للخليج والسعودية   واستراليا   حتى   اسرائيل  وغيرهم   , لا أعرف كيف سينتصر بوتين  وبماذا سينتصر  ولماذا سينتصر ؟؟؟,  لم   يتعلم  بوتين والسنوار  ونصر  الله  من  التاريخ  , ولم   يجيدوا   الحسابات   ,  لذلك كان   على   العالم مشاهدة محو   غزة  من   الوجود ومقتل    عشرات   الألوف من   الغزاويين وتمكن    العالم من    مشاهدة   اختراق   اوكرانيا   للأراضي   الروسية , والكارثة   في   لبنان   آتية   لامحالة ! 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *