الفتوحات بين الواجب والحاجة

April 27, 2017
By

ممدوح بيطار:

Image result for ‫فن تشكيلي جرائم الفتوحات الاسلامية‬‎
*

بالنتيجة برهنت الفتوحات الاسلامية عن كونها كغيرها من الحروب الاستعمارية والحروب المقدسة..حروب استعمارية استغلالية , وجوهريا لافرق بين كل اشكال هذه الحروب , ومن ناحية التبرير لا وجود لحرب احتلال دون تبرير ملفق , الا أن التبريرات الاسلامية تختلف بعض الشيئ عن التبريرات التقليدية الأخرى,أما الجوهر فهو واحد .
الفارق الأساسي الأول ينعلق بمفهوم الجهاد الذي يروج لنبل وقداسة هذه الفتوحات , ثم التكليف الالهي لنشر الدين الاسلامي في ظل الاعتارف بأنه لا اكراه في الدين … لكم دينكم ولي ديني , هنا يصطدم استخدام السيف في عملية التبشير ونشر الاسلام مع الاعتراف بأنه لا اكراه في الدين ؟, وهل يستقيم التبشير بالدين الجديد مع ممارسة السبي والجزية وتصدير المصريات ونساء الأمازيغ وغيرهم من البلدان المفتوحة للعمل كجاريات في قصور الخلافة ؟؟
لم يتضمن التكليف الالهي ممارسة كل هذه التجاوزات , لذا يمكن ويجب اعتبار الفتوحات عملية سلب ونهب وامتداد لما مارسته القبائل العربية في الجزيرة العربية قبل الاسلام , حيث اعتاشت هذه القبائل من الغزو ومن غنائم الحرب , أتى الاسلام ووحد هذه القبائل سياسيا وعسكريا ووحد ايضا نفسية ” الغزو ” عند هذه القبائل , ثم زود هذه القبائل المدمنة على الغزو بمبررات اضافية كمبرر قدسية وضرورة نشر الاسلام اضافة الى التشجيع على الافراط في الحهاد حتى الموت , فالموت هو مقدمة لحياة أخرى , هو انتقال من الحياة الفانية الى الحياة الأبدية حيث الحوريات بأعداد وأشكال تفوق كل تصور , وحتى عذرية الحوريات كانت من الثواب المضمون لكل مجاهد في سبيل الاسلام أي في سبيل الله.
ما يميز الغزوة عن الاحتلال النفعي الاستعماري هو عامل الفرض الديني لاستكمال تكوين المسلم ( يسمى ذلك هذه الأيام بالمسلم الأعلى), الفرض أخبث من الحاجة المادية الاستعمارية الخسيسة , فانكلترا بحاجة لقناة السويس للوصول الى المستعمرة الهندية ,لذلك فان الحاجة النفعية عند الاستعمار التقليدي محدودة وليست شاملة , أما الفرض الديني فلا يهتم الا بالانسان الذي عليه أن يتأسلم , والانسان موجود في كل مكان , لذلك فانه من واجب المسلم وضع كل مكان يسكنه انسان تحت السيطرة الخلافية , فكل انسان بحاجة الاسلام لضمان الحياة الدنيا وخاصة الخلاص الى الدنيا الأخرى.
حاجة المسلم الى الغزوة والاحتلال هي حاجة مستمرة ,ولا يقف في طريقها الا عامل عدم المقدرة على تنفيذها ,لذلك توقفت الفتوحات ولم يبق من ثقافتها الا التباكي عليها , العالم بعكس ذلك فرح جدا لانعدام المقدرة على القيام بالفتوحات , تصوروا امتلاك 300 مليون عربي مسلم لامكانيات 300 مليون أمريكي عسكريا واقتصاديا وسياسيا , فكيف سيصبح حال العالم عندئذ ؟؟
اختلفت التبريرات والجوهر واحد ,الا أنه بالرغم من ذلك من المتوجب النظر الى أمر الفتوحات كواقع تاريخي يتأرجح بين الوحي من جهة والواقع من جهة أخرى , وعلى البشر واجتهادهم اللجوء الى الوحي تارة أو الى الواقع تارة أخرى أو الى الاثنين معا حسب الحاجة وحسب الظروف , فاللجوء الى الوحي ينفي الحاجة لمبررات اضافية , فكلام الله هو بحد ذاته المبرر لنفسه ولاحاجة لكلام الله أم يكون منطقيا حسب معاييرنا النيوية ,لأن كلام الله هو أصلا معيار لكل شيئ,
علاقة الواقع مع الوحي هي علاقة تكافل وتضامن ,الواقع يتضامن مع الوحي , والوحي يدعم الواقع حسب الضرورة والظروف , فواقع التهديد الافتراضي البيزنطي والفارسي للخلافة كان له تأثير ليس بالقليل على غزوة سوريا ولبنان , وقد اقترن هذا الواقع التبريري مع الوحي الآمر بنشر الاسلام في المنطقة السورية,كما أن الواقع عمل يدا بيد مع الوحي في تحديد الارتكاس لحادثة قتل فروة الجذامي من قبل الرومان لأنه اعتنق الاسلام , نتيجة لذلك على الرومان الرحيل عندها يتمكن كل انسان من التأسلم لابل يجب على المسيحي أن يتأسلم اتقاء من الجزية والمضايقات الأخرى المتثلة بكونه مواطن من الدرجة الثانية , ولكي يستطيع السير على الطريق مع المسلمين دون أن “يطورق”!!
علاقة الدين مع الدولة في العصور الوسطى كانت علاقة اعتمادية ,هناك الدين ورجاله والدولة ورجالها , طرف يعتمد على الآخر وبالعكس , وذلك من أجل ضمان سيطرة الطرفان (اقتسام السلطة بين الدين والدولة) أتى الاسلام بمنظومة الخلافة التي هي دين ودولة , وبذلك ألغيت ثنائية التحكم ليحل محلها احتكارية التحكم وديكتاتوريته ,مزج الدين مع الدولة في الخلافة الواحدة تمكن من تحويل الفتح ظاهريا الى “واجب” بدلا من تمظهره عمليا “كحاجة “استعمارية , الفتح قناع لنشاط استعماري أشد خبثا من النشاط الاستعماري التقليدي الذي يخضع الى أحكام الحاجة أكثر من خضوعه الى أحكام الواجب .

  • حامد الشيخ

Tags: , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • تقرير الفيدرالية الدولية لحقوق الانسان

    تقرير الفيدرالية الدولية لحقوق الانسان(fidh_syria_arreport.pdf ) مثير للقلق , حيث يصف هذا التقرير الرئيس السوري بأوصاف لاتليق بحضارة الشعب السوري .اذ يتحدث التقرير عن جرائم بحق الانسانية , وخطورة هذا […]

  • الى الانتحار مع الأسد

    الانسان لايختار ولادته , فلماذا لايختار موته ؟ لورانس كمال رعد  شاب تم اعتقاله مع أخيه لؤي في يوم 20-5-2013 , واليوم قيل انه توفي   في أقبية المخابرات  , وحتى […]

  • جدلية استحالة الديموقراطية !

      سمير صادق: الحركات القومية التي نشأت في ظروف الاستقلال طرحت مشاريع عدة , تمحورت كلها حول فكرة وضرورة الوحدة العربية , القوميون العرب لم يكفو , لحظة عن الترويج […]

  • بيان من الدكتورة بسمة قضماني , وتعليق !

    بيان من  الدكتورة بسمة قضماني: نشر على موقع فيسبوك مقتطفات مركبة وممنتجة من برنامج تلفزيوني فرنسي كان قد سجل بمناسبة صدور كتاب لي في عام 2008 وتم في هذا التسجيل […]

  • ماتنذر به مجزرة عقرب!

    تفتح مجزرة عقرب في سهل الحولة السوري على أنماط كارثية من السلوك قد ترافق الساعات الأخيرة للنظام، وربما تنسحب على الساعات الأولى للمرحلة الانتقالية. فمجزرة عقرب هي الأولى من نوعها […]