أوهام بين الجنة وجهنم !

November 8, 2016
By

ممدوح بيطار:

أظن على أنه لكل مجتمع عوامل خاصة تدمره ,وعوامل حاصة تنقذه ,  فالعوامل  التي تنقذ مجتمعا صناعيا متطورا هي بدون شك عوامل  اقتصادية بالدرجة الأولى ,وقد تمكنت معظم الدول الصناعية من  تأسيس دولا معظمها  ديموقراطي وتتمتع  بمستوى معيشي مرتفع , دولا  ذات سيادة   وتنعم بالسلم الداخلي والمساواة  بين موطنيها ,دولا لاتعرف حروبا  داخلية ولا تعرف  حالات  من الاقتتال البربري , دولا  لاينزح   سكانها كما نزح السوريون ولا ينتظر سكانها  مساعدات الأمم المتحدة كما ينتظر جياع سوريا .

لم يتمكن السوريون  من صناعةالمجتمع الضروري  لتأسيس   “الدولة” بمفهومها  الجمهوري  ,وما حدث من تطيف  وتشرذم واقتتال وتخريب   أسقط الكيان السوري في مرحلة ماقبل الدولة ..ا بقينا  شعوبا وعشائر وعائلات  وطوائف,كانت لها فرصة جيدة للتحول الى مجتمع ولبناء دولة بعقد اجتماعي ,الا أن السوريون أهملوا هذه الفرصة وتراجعوا طوعا أو قسرا الى مستوى الانحطاط .

الدولة الحديثة هي دولة  مجتمع  وليست دولة شعب والأصح القول  على أنه من غير الممكن حديثا تأسيس دولة    الشعب  دون  أن يرتقي الشعب الى حالة المجتمع,لقد تصدع لابل  انهار  مفهوم الأمة-الشعب-الدولةكما  في   حالة دولة الأمة والشعب العربي ,لم ينخرط العرب  في تأسيس  المجتمع الذي يهتم  أولا بشروط العيش  أكثر من اهتمامه بشروط المواطنة  الجيدة التقليدي … أي حب الوطن  الرومانتيكي الذي  لايخضع لشروط مادية وانما لشروط معنوية بحتة .

 سرعان ماتم  استنزاف الرومانتيكيات  الوطنية ,وسرعان ماتم  تحول هذه الرومانتيكيات  الى  دجل ومزايدة وطنية وادعاء فارغ  من قبل فئات  مدعية  استغلت الوطن  وحولته الى بفرة حلوب ..لهم حقوق ومكاسب وامتيازات بدون  واجبات  , لقد أصبح  التطرف في  استخدام وادعاء الوطنيات  نوعا من  أنواع  التلفيق  ,نسي الوطن  ابنائه البررة مما قاد الى  خيبة أمل  والى  انقلاب المفاهيم , والنتيجة  الحتمية كانت  خذلان  الوطن من  قبل  طبقة الدجالين ,وانكفاء  المواطن الحق  عن التفاعل مع الوطن  ايجابيا ,نعم …للواجب  فضاء ومكان   مقابل شروط حياة مناسبة ومتوازنة  مع حجم الواجب , تحولت  فئة الواجبات  الى فقراء  وجياع ومساكين لايقتدرون  على تغطية  حاجاتهم الأساسية لثلاثة ايام في الشهر  , وتحولت فئة  الدجالين   أو فئة رجال الامتيازات  الى  احتكاريين للاقطاع المادي  ,نعرف كيف ولماذا يجوع فلان , ولكن لانعرف  كيف  يمكن لجاره  الموظف انشاء البنايات  االضخمة في زمن  يجوع به كل موظف , فشروط الحياة لم تعد عادلة   ولم  تعد قابلة   للتفهم  أو التصور  المنطقي .

لم نفهم الفرق بين  الانتصار  والنجاح  ,ظنينا على  أن جرعة من  الانتصارات  العسكرية الوهمية  كافية لشموخ  الوطن , نظريا انتصرنا  دائما  على  الأقل في ادراك  كل هزيمة  على  أنها نصر,الانتصارات الوهمية  لم  تجد   مايوازيها من شموخ بشأن الوطن  وشروط حياة المواطن …فكلما  ازدادت الانتصارات الوهمية  ازداد التأخر وازداد التقهقر  الى  أن وصلنا الى  ماوصلنا  اليه ,  لم ننتبه الى حقيقة كون  النصر الحقيقي لايأتي الا من خلال النجاح الحقيقي في التأسيس  لشروط حياة ترفع من  مستوى المواطن  وبالتالي يرتفع مستوى الوطن تلقائيا ,العدالة الاجتماعية التي تحترم مصلحة الفرد  تحترم مصلحة الوطن ,ومن لايحترم مصلحة الفرد لايحترم مصلحة الوطن .

للتحكم مفهوم النصر بادراكنا   وعقولنا اختلاطات  وعواقب كثيرة ,منها مثلا   ضرورة  اختراع  منظومة للعداء والصداقة , المهم هنا منظومة الأعداء  والعداء  , وكيف سننتصر  ان لم يكن لنا  أعداء ؟ وعلى من سننتصر بدون عدو ؟, وان لم يكن لنا  فعلا عدو  يجب  اختراعه لكي ننتصر عليه ولو توهما , النصر تحول الى  عصاب مقدس جامد طغى على موضوعية تأمين شروط مناسبة للحياة ,وبالتالي  تحولنا  الى شعب  يريد  أن ينتصر دون  أن ينجح, وعلى الشعب المسكون بهوس الانتصار دون النجاح  تم وضع شورط  أخلاقية  لتأمين النصر,منها  التضحية بالذات , التي لاتتجاوز في فاعليتها  فاعلية الانتحار المجاني , على الفقيرالجهاد والاستشهاد   في سبيل  الله  حيث  تؤمن  الشهادة نوعا من العدالة الوهمية , فقير الأرض  يرقى باستشهاده  الى السماء حيا يرزق ,  وغني الأرض  يبقى على الأرض حيا يسترزق , كلهم اغتياء  اما على  على الأرض أو  في السماء…هكذا يتم الاستهزاء بعقول الفقراء !!!

توهمنا  بأن الانتصار  على عدو حقيقي  أو وهمي بفعل  تضحية البعض بحياتهم وبشجاعتهم  وبسالتهم هو الشرط  الأخلاقي  الذي  يعلي من شأن الوطن ويؤمن لهؤلاء البعض  هوية مميزة , دون أن ندرك  على أن الهوية  خاصة اجتماعية وليست فردية ,  اهملنا هنا   الوضع المجتمعي وافتتنا  بالأمر الفردي , توهمنا بأن وجود بعض “الابطال” كاف للنهوض بالمجتمع , وتنكرنا للحقيقة التي تقول  بأن النهوض بالمجتمع  لايتم  الا  اذا تحول المجتمع عامة  الى “بطل”, بكلمة  أخرى توهمنا  بأن  الفرد هو الذي يخلق الجماعة …ضالة  أساسية  !!, الجماعة هي التي تخلق الفرد.

شقاء الانسان السوري  من صنعه  ,  الانسان السوري  يقف عائقا  أمام نفسه ,انظرواالى ذلك الانسان  الذي عليه تفضيل الصلاة على العمل,  فكيف  يمكن ممارسة  تواتر  صلواتي     خمسة  مرات  في  اليوم  مع  العمل  المنتج  ؟؟,   انسان   عليه  التقيد  بقوانين السماء وهو على الأرض,انسان مقلوب  ومغلوب على أمره ومأسور من قبل ارهاب جهنم  وترغيب الجنة  ,لايريدالمخلوق الحر “مهما كان “متدينا ” تحسين أوضاعه في السماء , اذا توفر له تحسينها على الأرض , لاتصدقوا كل مايقال عن الشغف بالسماء , فالشغف بالسماء ليس الا دليلا على وجود جهنم على الأرض!.

Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • على مشارف الحرب السورية

    بقلم:ياسين الحاج صالح على نحو مفاجئ، ولكن غير مستغرب منه، أقر بشار الأسد بأن ظهور العمل المسلح ضد نظامه جرى في شهر رمضان الماضي، أي بعد أربعة شهور ونصف شهر […]

  • حسيكو الضاحية ..صابر استراتيجي !!

    بقلم : تيسير عمار : لاتعرف أدبيات السياسة أو أدبيات الحرب عبارة  “الصبرالاستراتيجي ” وأول من استخدم هذا التعبير كان  حسن نصر الله , ونصر الله هومخترع التعبير وصانعه ومروجه […]

  • أسقط النضال الطائفية فأحياها «جيل الاستقلال»!

    بقلم:غسان الامام أدخل «النمر» الفرنسي جورج كليمنصو دمشق، بقلمه الأحمر، في خريطة «لبنان الكبير» الذي اعتزمت فرنسا إنشاءه بعد الحرب العالمية الأولى. فأثار فزع بطريرك الموارنة يوسف الحويك والسياسي اللبناني […]

  • الحل السياسي أزمة معارضة أم موقف دولي?

    لا نحتاج لجهد كبير بعد مضي عامين على انطلاق الثورة السورية, لكي نكتشف حجم القوى التي ساهمت وتساهم في ترحيل قضية الشعب السوري, من حقل الثورة إلى حقل الأزمة, والفارق […]

  • العقل زينة ,وفاقد العقل بهيمة!

    بقلم : تيسير عمار لاشيئ يثني الزبانية  عن ممارسة المنطق الأعوج  والفكر الأعرج  , انهم ولحد الآن  وبالرغم من  أحداث السنوات الأربع الأخيرة  وبالرغم من أحداث نصف القرن الأخير  على […]