ممدوح بيطار
عندما تراقب الناس تشرف على الموت هما , والهموم المميتة كثيرة , هم التلفيق ..هم التملق ..هم الخداع وهم الكذب ..ثم هموم الأوهام …هموم العلاقة بين العقل والعضل , علاقة مثيرة للفضولية ,اذ من الملاحظ وجود علاقة تناسبية بين العقل والعضل , والقصد من التناسب هنا هو طرديته بين الكمال الجسماني والنقصان العقلي …فكلما تضخم العضل ضمر العقل الى حد التلاشي.
يقال على أن مرد حالة التردي التي نعيشها هذه السنين يعود تردي العقلانية أي العقل ,نقص العقل أو بالأحرى فقدانه هو ترجمة لما يسمى اللاعقلانية ,وفاقد العقل لايتصرف عقلانيا ,كيف فقدت مخلوقاتنا البشرية عقولها ؟؟مع انها ولدت سليمة العقل !, كيف تنكص العقل الذي عليه ادارة مشروع التقدم والتحضر وبناء المجتمع وتدعيم استقلايته ودوره الحضاري في هذا العالم ورفاهية أفراده وتحقيق أمنهم المادي والفكري والنفسي والاجتماعي ,العقل استقال وتنكص وانسد ,والبرهان على ذلك هو بدون أي شك مانشاهده الآن في العالم العربي من تأخر ودونية وجوع ومرض واقتتال واجرام ونزعة نحو افناء مجاني للذات ..المسلكية اللاعقلانية تقود الى نصرة الموت على الحياة والشر على الخير …لانمو في ديار العرب ولا ازدهار الا ازدهار المقابر, أهذا مانريده !!
من المؤكدعلى أن التنمية ان كانت جسدية أوعقلية بحاجة الى التمرين والممارسة , اننا نرى في عوالمنا العربية انتشارا ملحوظا لنوادي الكمال الجسماني وندرة غريبة للنوادي الاجتماعية الفكرية, حيث تضمن الاولى بناء العضل , أماالعقل فلا يجد من يرعاه وينميه,كثر هؤلاء الذين يريدون اغتياله وتدميره , وكثيرة هي نجاحاتهم التي قادت الى فقدانه , حيث أصبحنا تقريبا بدون عقول هائمون على وجوهنا على هذه الأرض التي نخونها عن غير قصد ,قد تحمل هنا مفردة “خيانة” بين حروفها شيئا من مجانبة الحقيقة ,الا أنه لايمكن للتفاعل اللاعقلاني مع الأرض وما عليها الا أن يكون ضارا بالأرض وماعليها , وهل من الممكن للعاقل المتعقل الحاق الأضرار بنفسه وبما يملك ..ان لم تكن خيانة فهي على الأقل تقصير أو قصور بلغ حد الاجرام بحق الذات والأرض التي يعيش عليها.
هناك تشجيع لتأسيس الكثير من نوادي الكمال الجسماني ,تشجيع يتناسب طردا مع القليل من النوادي التي تعتني بالفكر والنقاش والتفاعل العقلي , وكيف لنا فهم تشجيع بناء العضل وتثبيط تأسيس المحافل التي تعتني بتنمية العقل , هل السبب في نفس يعقوب ؟, أو أن المسبب هو نوع من التخوف اللامنطقي من عقل فاعل وفكر ناضج , ولماذا الخوف ممالايخيف….العقل الفاعل والفكر الناضج لايخيف , مايخيف هو العضل بدون عقل وما يرعب هو فلتان العضل الذي يحتكر فاعلية التخريب والعنف … العضل بدون عقل لايبن بيتا ولا يساهم في التقدم ولا يؤسس لحياة أفضل ,وأقصى مايمكن للعضل بدون عقل أن يقدمه هو جاهزيته للاستزلام والتأجير … العضل رخيص ويمكن شرائه , أما العقل فهو ثمين ولا يمكن بسهولة شرائه ..سوق العضلات للأسف رائج وفاسد ,أما سوق العقل فهو بمزيد من الأسف كاسد !.
الابتعاد عن العقلانية يقود بشكل عام الى نوع من الاخصاء المعرفي والقييمي , الاخصاء عقم ,ومن مسببات هذا العقم ..ذكرا وليس حصرا ,منع التلاقح بين الأفكار ومنع تزاوجها وتفاعلها التكاثري ومنع اجهاض ماهو سيئ من منتجاتها ,ثم انجاب أو انتاج ماهو أفضل , لايمكن للأفكار الا أن تكون مختلفة , حيث يضمن الاختلاف امكانية التزاوج والتكاثر وانجاب ماهو أفضل , تزاوج الأشباه هو كتزاوج المثليين , والفكر الوحيد هو”مثلي” لاينجب ولا ينتج انما يستهلك ويتطفل حياتيا على الناس مشوها قواعدها العضوية التي وجدت هكذا ولم نختارها .
وحدانية الفكر ..هذا اذا كانت الوحدانية تستحق توصيفها بالفكر ..تحاول على الدوام معالجة أمراضها , تقدم الدواء الذي هو أصلا داء , الوحدانية تقدس ذاتها حماية لهذه الذات , اذ لامساس بالمقدس ولا تغيير له ولا اجتهاد به , قدسية الفكر الواحد ومنتجه العبقري الواحد قد تقود الى تطويل عمر هذه التجليات الا أن نهايتها حتمية ..المثلية الفكرية لاتؤسس للسلالة ,وأمرها جيل واحد على ألاكثر , تموت بموت العبقري أوتلحقه بفاصل قصير من الزمن …هنا قد يعترض البعض بقولهم وماذا عن محمد والمسيح وموسى وبوذا ..الخ , هنا ليس لي الا التحذير من التأله وتقليد الآلهة ,اذ لا أظن على أنه بمقدور البشرية انجاب المئات من طراز المسيح ومحمد وغيرهم ..وكما تلاحظون فعلا ففكر هؤلاء حي ومستمر في وجوده منذ خمسة آلاف عام أو ألفي عام أو أربع عشر قرننا, بينما ماتت أفكار بعض مدعي العبقرية والتأله قبل موتهم , الأخضر مما كتبه معمر أبو منيار مات قبل استشهاده في المجرور ,والأمثلة في هذا المجال أكثر من كثيرة .
تعددت مسببات كبوتنا الحضارية التي أوصلتنا الى مرحلة الخروج من التاريخ , أكرمنا الثوابت وتغنينا بها , وأهلنا أدمغتنا للاصابة بمرض الشلل , فالثوابت دينية المنشأ ,والثوابت لاتمثل بأي شكل من الأشكال “فكرا” لأن الثوابت لاتستقيم الا مع الجمود والتيبس والتحجر ..دوغما غير قابلة للتطور أو انه ممنوع لها أن تتطور وممنوع عليها التفكيك والتحليل , مسموح تلقينها وتوارثها ثم حمايتها بسياج القدسية …أهلكنا الجمود ودمرتنا العضلات الفلتانة ..تذكروا مقولة عاقل ..أفكر , اذن أنا موجود !!!لم يعد لنا وجود لأننا لانفكر..للأسف !
Post Views: 703