أهلا وسهلا بالاستعمار الخارجي !

نيسرين عبود:

فن ملتزم ….. ممدوح قشلان !!!

لاشيئ يمكن أن يحدث هذه الأيام دون تدخل الآخرين به ..ان كان اقتصاديا أو سياسيا  أو  عسكريا  وحتى اجتماعيا , فالعولمة  أنقصت من صلاحيات  الدولة القومية  ومن سيادتها  , ولم تعد الحالة كما كانت في السابق حيث تتمكن الدولة المستقلة من  التصرف كما تريد داخليا  , هنك  أمم متحدة وهناك قانون دولي وهناك  دساتير حقوق الانسان  ثم هناك استحالة  حصر  افرازات  السياسة الداخلية ضمن الحدود القومية , ولنأخذ على سبيل المثال   القلاقل السورية  أو الحرب الداخلية  , فهذه الحرب  قادت  الى موجة من النزوح  والهرب واللجوء  كانت حصة تركيا منها مايقارب الثلاثة ملايين سوري  , ان اغلقت تركيا الحدود يقال على أنها متوحشة  , وان فتحت الحدود   سيبلغ عدد  اللجئين ليس ثلاثة ملايين فقط وانما  عشرة ملايين  , حيث على تركيا اطعامهم واسكانهم  وتأمين الدواء لهم  وتعليمهم  , وكل ذلك يكلف مبالغ   كبيرة جدا  , بناء عليه لايجوز القول على أن  المشكلة السورية داخلية ولا يحق لأحد أن  يتدخل , المشكلة السورية ليست داخلية فقط وانما اقليمية  ويمكن القول عالمية (هناك لاجئون في القطب الشمالي وفي أوستراليا وفي أفريقيا ثم أمريكا  باستثناء روسيا والصين ) واذا  أراد النظام السوري اعتبارها داخلية  عليه  باسترداد السوريين من الأردن ومن تركيا ومن لبنان  ومن باقي  أنحاء العالم أو عليه دفع تكلفة اعالتهم, واذا عادوا  فعليه معاملتهم  بشكل  يستقيم مع مبادئ حقوق الانسان  والا  يتم  تجريمه  من قبل المحاكم الدولية  , وهل يقتدر بشار الأسد على  القيام بهذه المهمة ؟ هو لايقتدر على تقديم الغذاء لمن بقي في سوريا وكلهم جائعون ,  فكيف الحال مع ملايين  السوريين في كل  أنحاء العالم , والدليل على جوع من بقي في سوريا  هو ضخامة  مساعدات الأمم المتحدة  حيث  ترسل الأمم المتحدة  يوميا  غذاء  (ثلاثة وجبات )  الى ١٣مليون  سوري ,والجائع السوري لايستفيد  بشكل كلف من هذه المساعدات  لأن  الاستعمار الأسدي الداخلي يسرقها , ولم تتمكن الأمم المتحدة خلال السنين الماضية  من ضبط  ومنع موضوع السرقة , الآن  تسقط الأمم المتحدة  المساعدات  من الطائرات مباشرة الى  الشعب الجائع , ادخال المساعدات عن طريق البر  صعب  ويعرض المساعدات الى النهب والمصادرة والتأخير  والابتزاز . 

تجول شاب جائع وفقير  بثيابه الرثة   في شوارع بغداد  حاملا لافتة كتب عليها  “ضعنا من بعدك يافيصل!! ” والقصد هنا الملك فيصل  وحالة   نصف الاستعمار  الأجنبي  آنذاك , حيث كانت حالة البلاد تحت  الاستعمار  الجزئي   أفضل بألف مرة من حالتها الآن , لقد ضاع العراق وشعبه بعد الانقلابات  العسكرية ثم السحل والقتل والاغتيالات  , وجاء البعث المختص في  افشال الدول  , أفشل العراق  وأكملت عائلة صدام على العراق  الذي  تحول الى كسيحا  ومعاقا ومريضا  ومفككا  , انتهى الأمر بالاحتلال الأمريكي  الذي مارس العديد  من الأخطاء  , منذ سنين  يحكم  العراقيون العراق  الا أنهم لم يفلحوا  الا في بناء الفساد والطائفية وممارسة العنف …لا أظن على أن الوضع سيكون  بهذه الكارثية لو بقي فيصل وبقي الاستعمار الانكليزي  ..قد يكون كالأردن من ناحية  شكل الحكم  الا أنه  سيكون  أكثر تطورا من الأردن  , لأن العراق  بلد غني , لم يتم نهب  وتدمير  العراق كما نهبه  العراقيون وهدموه  ,  وياليتهم بقوا  تحت نير الاستعمار الخارجي .

حال سوريا  أسوء  بألف مرة من حال العراق ,  لقد تمكن الأمريكان  من تأسيس  ديموقراطية شكلية  تؤمن للعراقيين  نوعا مقبولا من حرية الرأي  , هناك صحافة مستقلة  وهناك نظام  برلماني ثم انتخابات  وامكانية التظاهر ..الخ  انها بداية  واعدة  ولولا  الفساد  والطائفية لكان وضع العراق  جيد  ,  أما نحن في سوريا  فحظنا سيئ  لأن  الأمريكان لم يحتلونا كما احتلوا العراق … أقول ذلك  بصراحة  غير آبه بمن سيشتمني الآن , فلو احتلوا سوريا   لكان بالامكان التخلص من الاستعمار  الداخلي الأسدي  ولما كانت هناك داعش وفواحش الميليشيات  العراقية واللبنانية  ولما   كان هناك  البربر الروسي ولما كانت هناك النصرة  وفيالق محمد وغيرهم  وحتى لما كانت هناك ضرورة  للثورة ولا الى تهديم البلاد بالشكل الذي هدمه الاستعمار الداخلي الأسدي  ولا الى  مئات الألوف من القتلى ولا الى تقسيم البلاد ..كل ذلك  يفترض  التعامل مع هذا الاستعمار بوعي وعقلانية  لكي نستفيد منه في تجاوز محنتنا الحضارية , هنا  أشدد على  أن  هناك وضعا لم يمكنه  افراز الا السوء , فالخيارات محدودة بين استعمار داخلي بربري  أسدي واستعمار خارجي  وعلى الخيار ينطبق  المثل  الذي يقول  ..أمران أحلاهما مر !!,  المرارة مع الأمريكان  أقل بكثير من المرارة مع  الأسدية …من  كان بامكانه  توقع ذلك ؟؟

حظنا سيئ جدا , لأن  ليس لما حدث اتجاه ايجابي  , أتى الروس ومن قبلهم  ومعهم  برابرة ايران  وحزب الله  كاستعمار خارجي,  الا أن هذا الاستعمار لم يقض على الاستعمار الداخلي  , بل  وضع يده في يد الأسد  وتحولنا الى مستعمرة  يحكمها  , كما هو الحال منذ نصف قرن , الأسد   كاستعمار داخلي  , مضافا اليه استعمار خارجي لايقل عنه  بربرية , والكل  يحرقون البلاد  من شمالها الى جنوبها ومن شرقها الى غربها  , مضافا اليهم داعش  أيضا والنصرة  والكتائب الشيعية العراقية  والمدافعين عن  الحدود  “العقائية” من ايران ..الخ  , حيث    اضمحل  الأمل بالانتصار  على كل هذه القوى , مالعمل ؟

لا أريد ممارسة التباكي  على  فرص ضاعت  ولا أريد  ممارسة الأستذة  والفذلكة  والشطارة  بعد أن مات المريض , ولو كنت قيما على الثورة والثوار   لأنهيت  الحالة الثورية  وأنهيت القتال  , ليس  لأني  أرى على أنه لاضرورة للثورة  , بل بالعكس  لأني أرى ضرورة للثورة  وضرورة لمن يثور  , واذا استمر الأمر كما   هو عليه الآن  فسوف لن يبق في سوريا  ماهو جدير  بالدفاع عنه  , وسوف  يتم تفريغ البلاد من سكانها …أي من حوالي عشرين مليون انسان  وسوف لن يبق من يثور  , وهنا يمكن  اعتبار ضياع الوطن أبدي  وبقاء الأسد أبدي أيضا ,  أما اذا  تمكن الشعب من “تأجيل”  الثورة  حتى  في اطارتراجع  أو حتى استسلام , لربما  عندها يمكن  انقاذ  مايتم الآن حرقه وهدمه  , لربما يتوقف التقتيل  ويتوقف  النزوح والهروب  ويبق في سوريا البعض من  السوريين الذين قد يجددون الثورة  عندما  تصبح الظروف  أكثر ملائمة !!! ..طريق الثورات طريق متعرج  والمثال على ذلك الثورة الفرنسية وخسارة معركة  أو أكثر ليس عارا , العار هو ممارسة العدمية  والانتحار المجاني  وبذلك  الاستسلام الأبدي

 

2 comments for “أهلا وسهلا بالاستعمار الخارجي !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *