عندما يكون اعدام المعارض أمرا وطنيا , يصبح اندثار هذا الوطن أمرا انسانيا !

August 19, 2015
By

نيسرين عبود:

*مامن شك بتحول الصراع السوري  الى صراع  يمكن  القول عنه بأنه أصبح   في حيز كبير منه دولي, ولاشك أيضا بأن تدويل الصراع ليس  نتيجة لرغبة مبدئية  في التدويل  , وانما  نتيجة  لسياسات  جعلت من التدويل  أمرا حتميا لامناص منه, ولا شك أيضا  بأن من  يهاجم التدويل  ويضعه في مرتبة الخيانة ثم يمارس  هو بالذات  كل  ماأمكنه   لكي  تتدول   القضية , انما هو   مخلوق كاذب  ومتناقض مع نفسه , كما انه  لاشك  بوقوف السلطة الأسدية  “شكلا” ضد التدويل,  وعمليا هي التي  أوجدت له  الظروف  المناسبة , وعندما ضاق الخناق حول رقبتها  قامت باستجدائه  والتوسل  من أجله.

 أصيب جهاز التسلط  الأسدي  وأتباعه بالهلع  بعد  أن أعلن بعض ساسة ايران  عن  أن الجمهورية الاسلامية  سوف لن ترسل   جيشا  للحرب في سوريا,ثم ان التواجد الايراني في سوريا يقتصر على  تقديم الاستشارات والنصائح   ,التسلط  الأسدي الذي  اصيب  بالخوف  لم  يتوقف لحظة  عن   طمأنة  أتباعه  بأن  العسكر الايراني  موجود  وسيكون له  وجود أكبر, وبالرغم من أن ايران تحارب عمليا  مع الأسد  ,وحزب الله أيضا   والعديد من المرتزقة  من باكستان  أو أفغانستان أو العراق أو اليمن   وحتى  من كوريا الشمالية  , لايزال نظام التسلط  الأسدي يعتبر التدخل الخارجي  خيانة للوطن, فالوطن هو الأسد, وللأسدية  معايير خاصة في تعريف “الأجنبي” ,وهذا  التعريف مصاب بلوثة داعشية, واللوثة الداعشية ترى أن  كل مسلم سني هو  فرد من  أفراد الأمة الاسلامية السنية , وسوريا المحكومة  علويا-شيعيا  اسلاميا  تؤلف مع  كل  شيعي   أمة شيعية  يترجم أهدافها وسبلها السياسية والعسكرية والاجتماعية والعسكرية  مايسمى الهلال الشيعي

  لخروج الأزمة من نطاقها الوطني الداخلي وتوضعها في اطار خارجي  أسباب عدة  , من هذه الأسباب عدم وجود امكانية  لنشاطات معارضة داخليا  كالتظاهر على سبيل الذكر وليس الحصر ,   والتوقف عن التظاهر  لم يكن  طوعا  وانما قسرا , حيث  تحول التظاهر الى نوع من الانتحار,لقد  بلغ عدد القتلى  من المتظاهرين  برصاص الأسد  منتصف  ٢٠١١  حدود ال١٠٠٠٠ قتيل , وبالرغم من ذلك تصاعد التظاهر  وتصاعد  التقتيل  ليبلغا    أوجهم  منتصف عام  ٢٠١٢ , في هذه الأثناء  قدم السلاح  بشكل تدريجي  ومتزايد نفسه  كبديل عن التظاهر , لأن  استمرار التظاهر من جهة واستمرارتقتيل المتظاهرين من جهة أخرى لم يعد  قابلا للتحمل ,  وهكذا انكفأ التظاهر  بعد منتصف ٢٠١٢ كليا  وتحول الأمر الى حرب  أهلية , لقد أراد الأسد ٫لك  وكان له ما أراد !.

نعم كان له ما أراد !, ونظرا للنتائج  الكارثية لهذه الارادة  يجب التفكير بماهيتها , فهل ارادة بشار الاسد  “رئاسية” تمشيا  وانطلاقا  من وظيفته كرئيس “دستوري؟ , أو أن ارادته “شخصية”  ولاعلاقة لها بوضعه الاعتباري كرئيس للجمهورية , اي أنه تصرف ليس كرئيس دولة وانما كرئيس عصابة.

بشار الأسد يصف نفسه بالرئيس الدستوري  , ويقول على أنه رئيس لكل السوريين , ولكن للأسف فالأسد ليس رئيس “دستوري”  ولا هو رئيس لكل السوريين ,ولا  يمكن منطقيا  لشخص  يرث الرئاسة  ويغتصب الدستور  أن يكون  “دستوري”  في نظام جمهوري , كما أنه   ليس من  المنطق  أن يكون  مغتصب الرئاسة  رئيسا لكل السوريين ,ورئيس كل السوريين جعل منهم مراتب وأصناف  وطبقات , هناك  صنف العلوي  وهناك عائلة الأسد , ثم هناك سلالة الأسد , هناك الشريف  وهناك الخائن , ثم هناك الارهابي الذي هو سني بطبيعة الحال , أرقى وأغلى وأفضل الأصناف هو الصنف الشيعي , الصنف العلوي  يأتي بعده بدرجات, ولأنيسة  مخلوف  حصتها  النسائية من الاصناف , فهناك صنف  مخلوف وشاليش , ثم صنف الانكشاريين من آل خضور , وصنف االبائدين من آل الخيير , ثم الصنف الحيدري  من  آل نعيسة  , ولكل صنف  أو  فئة  موقعها في هرم التسلبط  والتسلط , ثم  أنه ليس لأحد الحق في تغيير صنفه وموقعه  في الهرم  , والموقع في الهرم هو المحدد للمكاسب, هناك  مرتبات  مادية مختلفة , مرتبة الملياردية ومرتبة المليونيرية  ومرتبة مئات الآلاف  ثم مرتبة  الشحادين  وهم  مابقي من الشعب  , وهذه المرتبة تشمل ٩٦٪ من  الشعب السوري , الأسد  هو رئيس ال٤٪  ومستبد  ال٩٦٪ , لذلك  هو بحاجة الى الديكتاتورية  والى الحرس الجمهوري  والى القمع والسجون والى الدفاع الوطني أي الشبيحة سابقا , ثم الى المشانق  التي حضرها مؤخرا للبعض مثل  ميشيل  كيلو  وفيصل القاسم  ومحمد حبش  وغيرهم , واذا كان تعليق  ميشيل كيلو وحبش والقاسم  على  عود المشنقة ضرورة وطنية , فان اندثار  هذا الوطن هو ضرورة انسانية…

  ليس من  الصعب التفريق بين  رئيس الدولة  وبين زعيم العصابة  ,  اذ  لايمكن  لرئيس دولة  أن يهدد باحراق البلاد  في حال ترحيله , لأن حرق البلاد  أفدح من حرق شخص  الرئيس , ولأن  الجمهورية فوق الجميع وأهم من الجميع , ولايمكن  وضع البلاد  في كفة  والرئيس في كفة أخرى  ثم  اعطاء حق الجلوس على الكرسي  الأفضلية مقارنة بسلامة وبقاء البلاد  , فمن  يقدم على حرق البلاد في سياق  دفاعه عن مصالحه  هو  رجل المافيا  وليس الرئيس الدستوري !! ,واعتباره لنفسه على أنه رمز للوطن  ليس بالشيئ السيئ , فكلنا  رموز للوطن , ولكن   لايستقيم احراق  الوطن من  أجل رمز من رموزه  مع العقل والمنطق والأخلاق والقانون ؟؟؟ , انه جنون   لامثيل له ,  أخجل أن أروي  قصة احراق الوطن من أجل  فرد أسمه بشار الاسد لأحد المعارف أو الأصدقاء الأوروبيين  ,ارتكاسه سيكون التعجب وسيقول رئيسكم  مجنون  وأنتم  أشد جنونا منه , فالمكان  المناسب والضروري لشخص من هذا النوع هو  مصح للأمراض العقلية ..

كل ماذكر قاد الى خروج  الاشكالية من الاطار الوطني الداخلي  والدخول في الاطار  الخارجي الأجنبي , والتوضع خارجيا  يقود منطقيا الى تغيير القييمين  والمشرفين على الاشكالية , الآن هناك السعودية  وهناك ايران وملحقاتهم  ولكل منهم تأثير على أحد الفرقاء , شكل  ونوعية التأثير  ذو علاقة  بأهداف الفريق الداعم  , للسعودية أهداف  معظمها معنوي وقائي دفاعي , انها لاتقبل تمدد  ايران شيعيا الى المنطقة العربية  ولا تنظر بعين  الرضا والموافقة  على  اتجار ايران بالقضية الفلسطينية ,  أما أهداف ايران  فهي جغرافيا توسعية  وذات صبغة أمبراطورية  ثم انها تريد    تصدير الاسلام السياسي   بصيغته الشيعية  وتمارس التبشير الشيعي , وتفتخر بأنها تسيطر على  أربع عوام عربية  وان سوريا أصبحت المحافظة الايرانية رقم ٣٥ .

وجد فرقاء الدعم  والتدخل   ضالتهم عندما بدأ الاسد   باستعمال بالعنف المسلح المفرط ضد  التظاهرات السلمية** , ثم حول السلمية عنوة الى عسكرية , والتعسكر يتطلب  رجال ومال  وعتاد  , ومن أين للمعارضة كل ذلك ؟, الأسد يشتري السلاح  والعتاد  ويدفع للمرتزقة من المال العام  , وليس للمعارضة مالا عاما داخليا , اما رجال الأسد  فيمولهم المال العام  والديون  التي راكمها الأسد على الدولة السورية  ومن مبيعاته لأملاك الدولة … واتهام الأسد للمعارضة بالارتهان  للأجنبي بسبب موضوع المال  هو بمثابة تنكر  لاحقية المعارضة بالوجود  وتاكيدا على الاستمرار في انتاج الماضي بوسائل العنف  التي لم تتغير  الا كما ومنذ نصف قرن ,لقد تفاقمت  حدة  وتوحشا واصرارا على   أنه لاوجود لمعارض الى جانب الأسد,  وانه هو الوحيد الأوحد الذي يحكم البلاد كما يريد ,  لم تعترف  الاسدية  يوما ما  بوجود  أو ضرورة وجود  أي معارضة , والتدخل الخارجي  لصالح الأسد  هو ممارسة  للدفاع عن الوطن ,التدخل الأجنبي لصالح المعارضة  هو  خيانة للوطن ,بشكل عام يجب الاعتراف  بأن   التدخل الخارجي في حالة  كالحالة السورية  هو واقع تعرفه كل ثورات العالم , والتدخل الخارجي في شأن الحروب الأهلية  هو واقع  في كل الحروب الأهلية التي يعرفها التاريخ .

العسكرة  التي فرضها الاسد  على المعارضة  ترافقت زيادة مع تناقص العمل السياسي السلمي ,الى أن  توقف العمل السلمي نهائيا  وسيطر المحاربون على العمل المعارض كليا ,وسبب هذا التطور  هو الأسد بشكل مطلق  , لقد ظن الأسد على  أن القضاء على فاعليات  العمل السلمي  يعني القضاء على المعارضة التي تريد ازاحته ,ولم يفكر اطلاقا بديناميكية الثورات على الظلم  ,وأصلا  لايعرف  الأسد شيئا  حول هذا الموضوع , فعندما يختفي  وجه للثورة  ,تظهر الثورة بوجه آخر , وحتى واقعة حماه  فسرها الأسد بشل قاصر ,ولم يدرك  الأسد الصلة  بين حماه ١٩٨٢  ودمشق عام ٢٠١١ ,   فمن  واقعة حماه  استنبط  الأسد فقط البربرية وأساليبها  وأراد أن يكون  أفظع بربرية من والده  …الزمن تغير  والأسد  المتجذر بالعنف والفساد والبربرية لايتغير .

حالة سوريا الآن هي البرهان  على   سوء ادارة   الأسد  للأزمة ,نتيجة لذلك  وقع الأسد كسيحا  ومعه  سقط الوطن جريحا ,ولم يجد الأسد مخرجا  الا  بوضع  مابقي له من البلاد  تحت  الوصاية  الايرانية  وحتى تحت  الادارة الايرانية الكلية  , أي أن سوريا   أصبحت مستعمرة  ايرانية  , والعسكر الايراني   يتحاور مع   العسكر  المعارض  لعقد اتفاقيات  هدنة  من  أجل  الزبداني  ومن أجل قرى شيعية أخرى  وذلك بعد يومين من اعلان الأسد  على أنه  لاوجود للعسكر الايراني المحارب , فهل من عجب  أن تندثر دولة  رئيسها   الأسد!.

* ريشة أبوالنور السوري

**لايعرف الشعب  السوري منذ  عام ١٩٥٨ الا عنف السلطة , العنف  أخذ شكلا بربريا بعد  عام ١٩٦٣  ,وأصبح بربريا بالكامل  بعد عام ١٩٧٠  ,والبربرية وجدت  ذروتها  عام ١٩٨٢ ,وقمتها عام ٢٠١١

Tags: , , , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • خذ الخبر اليقين من جريدة أخبار الأمين

     ياعيني عليك يا ابراهيم الأمين , ومن يقرأ صحيفتك  الغراء في عددها الصادر يوم  اجتماع مجلس الجامعة العربية , يعرف كم أنت  واقع بالغراميات مع السلطة السورية , وليس معرفة […]

  • شبيحة الطائفة المسيحية

    البطرك لحام يستغيث ..المسيحبة  والرعية تحت الجصار  وفي حطر , والبلدة المعرضة للنكبة هي  ريلة  , وعدد المعرضين للخطر من الرعية  12 ألفا من  المؤمنين , ومنذ عشرة أيام  بدون […]

  • الاتفاق الأمريكي-الأمريكي

    كأي دولة  ديموقراطية في العالم , هناك العديد من الاتجاهات   والتناقضات  والتيارات  , وقد اتسمت المنهجية الأمريكية حيال الحالة السورية بحيرة واضحة , هناك الرئيس   الذي لايريد تقليد آل بوش  […]

  • مقاوم وممانع بالثرثرة

    بقلم: عبدو قطريب تعددت هجمات إسرائيل على سوريا دون رد فعل مماثـل من قبل نظام الرئيس بشار الأسد،  وحقيقة ألف شكر لسيادته على  الاكتفاء   بالثرثرة  كرد على اسرائيل ,  […]

  • بين مجتمع الطوائف وطوائف المجتمع !

    ممدوح بيطار: بعكس ماتدعيه سردية التسامح والتآخي والتفهم, تعاني الشعوب العربية-الاسلامية التي تعيش حقائق التنوع المذهبي والعرقي من اشكالية “الانسجام” , وجود هذه الاشكالية واختلاطاتها الكارثية يؤكد حقيقة فشل العرب […]