المشكلة السورية بين العملية والطوباوية
فاتح البيطار:
كتب عبد الوهاب أسعد مقالة قصيرة,قدم بها أفكارا جيدة وموضوعية, انتقد بعقلانية السلطة في سوريا ,وما أورده بخصوص نواقص الحكم يكفي لرحيل مئة حكومة ومئة رئيس جمهورية ,نادى تهكما الرفاق ,الا أن الرفاق لايقرأون ,وان قرأو لايفهمون ,وان فهموا لايطبقون , الرفاق مهتمون فقط بالعبارة التي ختم بها السيد عبد الوهاب مقالته القصيرة “حمى الله سوريا، الله محيي الجيش وقائده، تحيى سوريا!”شيئ من مديح الاسد يمثل مناعة ضد الاعتقال والسجن ,ولو لم يفعل الكاتب ذلك لكان مصيره كمصير غيره في السجن ,وعلى الأرجح هنا ان يلقى حتفه تحت التعذيب ثم يتم ابلاغ ذويه على أنه للاسف اغتيل من قبل الجماعات الارهابية ,وعليه على عائلته ان توقع بالاسم الثلاثي وبصمةالابهام اليسرى …ادارة السجون السورية لاتعرف الفوضى , المواطن يدخل السجن حيا ويخرج ميتا , وكل ذلك من صنع الجماعات الارهابية , وعلى صحة ذلك يشهد التوقيع , للأمانة أنشر المقال كما هو , ثم أسمح لنفسي ببعض الملاحظات…من بعد اذن الكاتب !
(أين مشروعكم.. يا رفاق..!؟
في البلدان المتطورة تساعد آلة الحكم مجموعات من العلماء والخبراء المتخصصين، بالإضافة لأعداد من مراكز البحث العلمي، والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام التي تعمل على توجيه الرأي العام وحشد الجماهير الشعبية وراء قرارات الدولة!
وفي أثناء الأزمات تجتمع الفئة الحاكمة مع المعارضة لتدارس الأمور وإتخاذ القرارات المنقذة للبلد!؟ منذ ما يزيد عن الأربع سنوات ووطننا السوري يخوض معركة مصيرية، فأين نحن الآن من كل ما سبق ذكره!
قلنا مرارا بأن المؤسستين الوحيدتين الفعالتين في الدولة السورية هما رئاسة الجمهورية والقوات المسلحة، وبأن السيد الرئيس هو الوحيد في الدولة الذي يحظى بثقة وتفويض دستوري وشعبي جماهيري!؟
ما يسمى بالأحزاب الداعمة للحكومة هياكل فارغة ولا تلعب أي دور في رسم وتنفيذ السياسات، وما يسمى بالمعارضة فهي عميلة خائنة من أساسها لرأسها، وفي الدولة من خان وإنشق وهرب، ومن هو باق مستتر ولكننا نشعر بأعماله التخريبية، بالإضافة إلى أن الباقي من إدارة الدولة بحاجة ماسة ومنذ أمد بعيد للتحديث والتطوير!
في الصف الوطني المؤيد للدولة طاقات هائلة ولكنها تربت على الكبت وكتم الأنفاس وتخاف القيام بأي عملية تنظيمية كي تصبح فاعلة وبالتالي فهي مهمشة والوطن وإدارة الدولة بحاجة ماسة لها!؟
إنتظرنا منذ زمن طويل إصلاحات في الحكم وإدارة الدولة – وقد حاولت القيادة السياسية عرض بعضها – ولكن يبدو أن قوى الفساد المتربصة بالدولة إستطاعت إفشال أي خطوة في التطوير، مما جعل أدوات الحكم منكمشة على نفسها وغير راغبة بالإقدام على أية عملية تطوير في أثناء الأزمة، علما بأن الدولة الوطنية المقاومة السورية بحاجة ماسة لقاعدة شعبية منظمة، تشارك في المشورة ورسم السياسات وتنفيذها وتحمل تبعاتها!
لدينا الآن من المشاكل العويصة ما يحتاج لتجمع قوى عديدة للنهوض بها، ففي نصف البلاد المحتل تفرض العملة التركية وتفرض شرائع وثقافة القتل وسبي النساء والأطفال ، بالإضافة للفساد المستشري وإختلال الأمن وسقوط هيبة القانون والدولة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة!؟ ولو أن المعضلة الأكبر هي رفد القوات المسلحة بجيوش وتنظيمات شعبية مقاتلة لملء الفراغ في مختلف الجبهات، فالحرب مستمرة – رغم سراب المفاوضات المذلة العقيمة في ظل الإحتلال – حتى ينتصر عسكريا طرف على الآخر، هكذا علمنا تاريخ الحروب!
إذا ما العمل؟ على النظام السياسي الحاكم دعوة الرجالات الوطنيين السوريين الأكفاء والمفكرين وصناع الرأي الأحرار إلى لقاءات حوارية لدراسة الموقف برمته، وإنتاج صيغة لمواجهة كل المتاعب التي تشغل الوطن السوري والكفيلة بإنقاذه، فتخفيف متاعب الظروف الحياتية للشعب المقاوم ضرورة لم تعد تقبل التأجيل، كما أن الشعب المقاوم بحاجة ماسة للتنظيم وبحاجة ماسة كي يشعر بأنه ممثل في كل ما تقوم به الدولة!؟
قد يكون هذا الطرح غريبا على من إعتاد حياة الحكم يفكر ويعمل في دائرة محدودة، ولكن الظروف الإستثنائية بحاجة لعقول غير مستهلكة ولحلول خلاقة مبتكرة ورصيد شعبي كبير يدعمها!؟
أعتقد بصوابية ما ذكرته، ولكنني لا أزعم بأنني أمتلك الحقيقة لوحدي أو بأنني أمتلك الحق بالتفكير والتقرير عن غيري ، ولذلك فهذا رأي مطروح للنقاش!؟
حمى الله سوريا، الله محيي الجيش وقائده، تحيى سوريا!)
لقدأراد الكاتب في السطور الأولى رؤية البلاد كما يجب عليه أن تكون , ثم يسأل أين نحن من ذلك ؟ يعترف الكتب بالبؤس السوري بقوله على أن المؤسستين الفعالتين فبي البلاد هم رئاسة الجمهورية والجيش ,وبذلك يقول الكاتب بشكل غير مباشر على انه لايوجد انحطاط يوازي انحطاط السلطة في البلاد ,بلد يحكمه الجيش ورئاسة الجمهورية حصرا هو بلد متهالك ولا سبيل لانقاذه الا عن طريق حذف الجيش وحذف رئاسة الرئيس, الخطأ الفادح يتمثل باحتكار القرار من قبل جيش فاسد ورئيس أكثر فسادا, وهل يتطلب علاج الحالة السورية دواء آخر غير دواء الحذف أو الاقتلاع ؟
لم ينسى الكاتب موضوع المناعة , فبعد أن اعطى السلطة الأسدية علامة الصفر في جودة حاكميتها , اردف قائلا السيد الرئيس هو الوحيد الذي يحظى بثقة وتفويض دستوري وشعبي جماهيري , ,ولما كانت هذه العبارة دجلا مقصودا , لذلك سوف لن أسأل عن موضوع الدستورية والثقة والجماهيرية ,أتفهم جدا جهد الكاتب في تجنب السجن والتعذيب , الا أن ماقاله بخصوص طبيعية الحكم والمعارضة ثم احتكار السلطة من قبل الجيش وقائده لايستقيم مع دستورية وجماهرية بشار الاسد ,كما أن فاعلية الثقة ليست أبدية , الأسد لم يحقق شيئا من الذي يراه الكاتب ضروري وطبيعي وذلك بالرغم من تحكم الأسدية في البلاد منذ نصف قرن .
لكي يستطيع الكاتب الادلاء برأيه حول السلطة والقول “وفي الدولة من خان وإنشق وهرب، ومن هو باق مستتر ولكننا نشعر بأعماله التخريبية، بالإضافة إلى أن الباقي من إدارة الدولة بحاجة ماسة ومنذ أمد بعيد للتحديث والتطوير!” لقد كان ذلك توصيفا مؤلما لحال الدولة ,ولكي يمرر الكاتب هذا التوصيف بدون عواقب , كان عليه القول قبل ذلك على أن الأحزاب الداعمة هياكل فارغة , والمعارضة من أساسها الى راسها عميلة خائنة ,من يتمعن قليلا بما قيل يصاب بالصدمة , اذ لم يبق في اشعب السوري فئة يمكن الاعتماد عليها , المؤيد فاسد والمعارض خائن والأحزاب هياكل فارغة ,فمن سينقذ البلاد ياترى ؟,الكاتب , الذي أظن على أنه سوري قومي, يعرف تماما كيف يمكن انقاذ البلاد وبين السطور وضع حلا لأزمةالبلاد ,الا أنه لايجرأ على تحميل السطور أكثر من حمولة الدجل المرغم على ممارسته.
اقدم الكاتب عرضا عجيبا غريبا لصف المؤيدين ,انهم يؤيدون مع أنهم مهمشين وقد تربوا على الكبت وكتم الانفاس ,وهم في نفس الوقت طاقات هائلة, فكيف يستقيم كل ذلك مع بعضه البعض ؟ ولماذا اؤيد نظاما همشني وكبتني وكتم انفاسي , من غير المعقول ,وانا ذو طاقة هائلة. أن اؤيد من همشني وكتم أنفاسي وكبتني , وهل يخضع أمر التأييد او المعارضة الى قوانين “الغراميات” ,المواطن ذو الطاقات الهائلة لايؤيد ظالمه ومهمشه وكابته ,لذلك فان تأييد هؤلاء للسلطة هو امر افتراضي لايمت للواقع بصلة ,هؤلاء هم المعارضة حتى ولو بح صوتهم من الهتاف ..بالروح والدم نفديك يابشار , سنين وكل يوم ونحن نردد في المدرسة شعار القائد الخالد الى الابد ,ولم تكد الكمامة تسقط عن أفواهنا بفعل الابتعاد عن بؤرة القهر كالهجرة مثلا حتى بدأنا بترديد شعار آخر ..يلعن روحك ياحافظ الاسد , ليس بالخالد وانما بالبائد ..الخ .
انتظر الكاتب الاصلاح طويلا بدون جدوى , لان قوى الفساد المتربصة بالدولة حالت دون ذلك ,هنا نسي الكاتب ماقاله في الأسطر الأولى من أن المؤسستين الفعالتين في سو ريا هما الجيش والرئاسة ,كل مايحث في البلاد من خير أو شر هومن صنع الجيش والرئاسة ,لأنه لاتوجد مؤسسات فعالة الا مؤسسة الجيش والرئاسة ,ولا أظن أن الكاتب يجهل حقيقة كون الأسد رئيسا للجمهورية والأسد أيضا قائدا عاما للجيش والقوات المسلحة ,أي أن الأسد هو الفساد المتربص بالدولة وهو الذي اأفشل خطوات التطويرهنا أصاب الكاتب الحقيقة كاملة ومتكاملة ,الأسد هو البلاء والأسد ليس الدواء .
الكاتب أصاب الحقيقة أيضا بتشخيصه مرض المشاكل العويصة ,الا أني لا أجد في تشديده على مسألة فرض العملة التركية وعلى تشديده بخصوص ثقافة القتل في نصف سوريا الا المخاتلة , ففي النصف الآخر هناك فرض الدولار ,وفي النصف الآخر تهيمن ثقافة العنف والقتل منذ نصف قرن , وقد سيطرت هذه الثقافة على كامل البلاد نصف قرن من الزمن ,والمشكلة الحياتية المستعصية على الحل تكمن في صرف الرواتب بعملة قيمتها لاتتجاوز قيمة الورق الذي طبعت عليه ,واذا كانت الحالة في نصف سوريا الخاضع للثوار مذرية بهذا الشكل , فماذا عن الفساد المستشري وعن اختلال الأمن وسقوط هيبة الدولة والقانون في المناطق التي تسيطر عليها الدولة ,هناك الداعشية وهنا الأسدية , وأين هو الفرق الجوهري ؟ , الدولة سقطت في النصف الداعشي وسقطت في النصف الأسدي ,القانون سقط هنا وهناك , اذن الدولة سقطت بالكامل ,وماذا يرأس بشار حافظ الأسد الآن ,وبعد سقوط الدولة في نصف أبوبكر وسقوطها في نصف بشار ,هل نحن بصدد رئيس دون دولة ؟,وماهي قيمةهذا الرئيس عندما تفقد الدولة قيمتها ؟.
قبل الختام يجنح اكاتب الى نوع من الطوباوية الجميلة ,يسأل ما العمل ؟يجيب بأنه على النظام السياسي دعوة حكماء البلاد الوطنيين لدراسة الموقف برمته وانتاج صيغة لمواجهة كل المتاعب ,طرح صحيح لاغبار عليه , هذه نصيحة جيدة موجهة على ما أعتقد الى بشار الأسد , هل هذه النصيحة موجهة أيضا الى أبو بكر؟, الجواب سيكون على ما أعتقد بالنفي, والتبرير سيكون على ما أظن بأنه لاجدوى من الكلام مع أبوبكر ,انه تبرير افتراضي وعلى الأرجح مصيب ,أما عن عدم جدوى الكلام مع بشار فالأمر لايتطلب الافتراض وانما التمعن في الواقع وتداعياته فقد حدث وتكلمت المعارضة مع جماعة بشار ولم تكن هناك جدوى على الاطلاق ,وعدم جدوى الكلام مع بشار له أسبابه المتعلقة ببشار الأسد والأسدية,لقد أصبح واضحا على أن وجود الظام له أفضلية على وجود البلد …الأسد أونحرق البلد!!!, ثم ان الكلام مع الأسدية يهدف الى احداث تغيير وتصويب وتصليح بشكل ما ,الهدف ليس الكلام فقط ,وعدم جدوى الكلام يعود الى عدم استطاعة النظام تحمل أي تغيير, فأي تغيير في بنية نظام بشار سيقود حتما الى انهيار هذا النظام , التصحيح يفقد النظام دعائمة ,وأهم هذه الدعائم هي الفساد ثم الطائفية والديكتاتورية وغيرهم , فهل يمكن للنظام أن يستمر بدون فساد ؟ وهل يمكن للطائفة العلوية أن تقف الى جانب بشار دون مكاسب اضافية تميزها عن غيرها من الطوائف ولي ,والوضع الآن يبرهن بما لايقبل الشك على أن المكاسب هي التي تشجع معظم أفراد الطائفة على الوقوف الىى جانب الاسد, ليست الوطنية , لأن وطنية الطائفة العلوية لا تتميز عن وطنية الطوائف الاخرى ,والتلميح الى نوع من تفوق الطائفة العلوية وطنيا هو تلميح مميت ومضر بالطائفة العلوية اولا , المفاضلة هي أمر عقيم لاجدوى منه وليس له الا الضرر .
جميل تواضع الكاتب الغير مألوف شرقيا , فطروحاته جريئة وكأنه في منأى عن مخاطر قول الكلمة , مشكور على اجتهاداته , فمن اجتهد وأخطئ له أجر ,ومن اجتهد وأصاب فله أجران
Post Views: 584