لا تكف أبواق النظام ومرتزقته عن ترديد النغمة الناشزة: “الدولة السورية” وذلك في إطار دفاعهم المستميت عن مصالحهم ومكتسباتهم التي نهبوها تحت سمع النظام وبصره وبتشجيعه ومشاركته مساهمين في انهيار “الدولة”، في الوقت الذي يتوارون خلف مفهوم الدولة للدفاع عن بشار الأسد!
ولربما تم التركيز مؤخراً على مفهوم الدولة كغطاء للدفاع عن النظام بعد الإحساس بميوعة الخطاب القديم الذي اعتمد مفهوم “سيد الوطن” من قبل هؤلاء المرتزقة أنفسهم الذين طالما لاكوه في الأشهر الأولى للثورة، ويبدو أن النظام نفسه اكتشف مدى بلاهته وفجاجته فأمر بارتداء لباس آخر من خلال تغيير اللفظة مع الاحتفاظ بالمضمون، وذلك بالتزامن مع استقرار النظام على تحديد خصمه بعد أن تعددت أوجه الخصم وتسمياته بدءاً بالمندسين مروراً بالعملاء والعصابات المسلحة وصولاً إلى مفهوم الإرهاب في مواجهة مفهوم الدولة!.
التوريث وشرعنة اللاشرعية
من المؤكد أن أكبر إنجاز ملحوظ في تاريخ سورية المعاصر هو انتهاك الأسد الأب لمفهوم الدولة بعد أن أحالها بالتدريج إلى ملكية خاصة وسماها علانية “سورية الأسد”، وهي تسمية تتناقض كلياً مع مفهوم الدولة دون حاجة للدليل أو التفاصيل الأخرى، ومن وقتها تم اختطاف الدولة وتحويلها إلى مزرعة إلى أن ثبتت رؤية “التوريث” التي قطعت الشك باليقين في تدمير بنية الدولة دفعة واحدة، وتدمير الإرث الحضاري لسورية الدولة، وبدءاً من سنة 2000 وبعد استلام الأسد الابن مقاليد الحكم أطاح ببقايا الشكل الذي اعتمده أبوه والذي كان يوحي ظاهرياً بمفهوم الدولة، بدءاً من تحطيمه للدستور ليتناسب مع مقاسه، وقد خلّفت حالة الوراثة واللاشرعية الدستورية منحنى أشد خطراً من كل ما صنعه الأسد الأب من دمار وتشويه حيث شرعن حالة اللاشرعية التي سادت في كل المؤسسات لاحقاً ودخلت في التكوين الأساسي للشخصية السورية، وقد أدرك الشعب السوري صعوبة التغيير فانجرت قطاعات واسعة منه للعمل وفق منطق المصالح الخاصة والخلاص الفردي ناسفة كل ما تبقى من قيم إنسانية وأخلاقية وسياسية، وهكذا استطاع الأسد الابن أولاً -وقبل أن يفعل أي شيء- التأسيس لمنظومة متكاملة من الفساد في كل مؤسسات الدولة -الشكلية أصلاً- وابتدأت بقايا البنية الثقافية والأخلاقية بالتآكل والتلاشي.
وقد شعر بشار الأسد بعد سنوات قليلة على حكمه بالطمأنينة الكاملة حيث لا خصوم يمكن الخشية منهم، وبدلاً من استثمار هذا الظرف للعمل الوطني وبناء مؤسسات حقيقية يمكن أن ترفع من مفهوم الدولة راح الأسد الابن يوزع سورية على أقربائه وأحبائه وحاشيته فكل من يريد أن يكون وزيراً أو مديراً أو صاحب سلطة أو مسؤولاً في أي موقع في سورية يحصل على مبتغاه بمجرد قربه من الرئيس وحاشيته بصرف النظر عن الكفاءة أو الجوانب القانونية، والمرجع ببساطة: حينما يكون رأس النظام دخيلاً على موقعه فالمواقع والمؤسسات كلها قابلة للاستباحة ومخصصة للدخلاء وهو ما كان يحدث بدقة.
ويحدثونك عن الدولة السورية!
التعليم والقضاء، من أهم أركان الدولة، وكل السوريين يعرفون جيداً كيف كان هذان الركنان في عهد الأسد الأب وكيف تداعيا أكثر في عهد الابن، فحافظ الأسد هو أول زعيم في التاريخ يخلط بين العسكرة والتعليم وذلك عبر منح درجات إضافية في شهادة البكالوريا للحزبيين والمظليين وصلت إلى 48 درجة للمظلي أو دخول الفرع الجامعي الذي يختاره المظلي بصرف النظر عن مجموع درجاته، وفي سورية “الأسدين” كان أولاد السلطة يستطيعون النجاح في البكالوريا رغم أنف المناهج عبر استخدام سلطاتهم مع المراقبين والإداريين تماماً كما يستطيعون التخرج من الجامعة بالطريقة ذاتها وأحياناً الحصول على شهادة الماجستير والدكتوراه، وأيضاً انتزاع البعثات من مستحقيها وانتزاع المناصب.. وهذا المبدأ نفسه طبق على القضاء حيث كان بإمكان السارق أو القاتل ليس فقط الإفلات من العقاب بل بإمكانه أيضاً ألاّ يجرؤ أحد على الادعاء عليه، وفي المقابل فإن الكثيرين دفعوا حياتهم في سجون النظام ثمناً لموقف أو كلمة، وأحياناً دون موقف أو كلمة بل ثمناً لمخبر انتهازي يريد إثبات ولائه للنظام دون أن يجرأ قاضٍ على التدخل حتى وإن كان متيقناً من براءة الضحية، ويحدثونك عن الدولة السورية..
الوزارات والمؤسسات والسفارات وحتى الهيئات التعليمية ومديريات الأوقاف والمعاهد الدينية كلها كانت فروعاً أمنية أو مراقبة وخاضعة للفروع الأمنية، وللمخابرات السلطة العليا واليد الطولى على كل شيء ويحدثونك عن الدولة السورية..
كل ذلك كان واقعاً قبل الثورة، أما في زمن الثورة فقد تحول كل شبيح إلى سلطة لا سقف لها ولا حدود ومنح الصلاحيات الكاملة ليتحكم بالناس كما يريد بما في ذلك قتلهم أو تسليمهم للقتلة ويحدثونك عن الدولة السورية..
البلد مدمر، ممزق، ودم السوريين بمن فيهم الموالون يراق في الشوارع، ملايين المشردين مئات الآلاف من المعتقلين، مناطق منتزعة بالكامل من قبل مجموعات دينية أو عرقية ويحدثونك عن الدولة السورية..
الجيش المرتشي الباسل..
الدولة السورية التي فشلت في استرجاع أرضها المحتلة على مدار أربعين عاماً بفضل جيشها المرتشي والمسترخي لسنوات طويلة، الجيش الوحيد في العالم الذي ابتكر مفهوم “التفييش” واستخدم ضباطُه المجندين كعبيد في مزارعهم ما لم يلتزموا بدفع مرتبات شهرية لـ”معلميهم” لقاء عدم الالتحاق بالخدمة وعلى علم القيادة الحكيمة، الجيش العقائدي الباسل حامل الدولة السورية التي لا تقف عند حدود الدفاع عن وجودها ووحدتها الوطنية بل تنصب نفسها حامية للعروبة والقومية والأديان والأقليات والأكثريات، الدولة السورية قاهرة الاستعمار والإمبريالية تقف عاجزة عن حماية حدودها ومدنها وريفها من عصابات مسلحة فكيف لو تعرضت فعلاً لاعتداء دولة أخرى؟!
الدولة السورية التي دمرت سورية والسوريين ودمرت مستقبلهم هي المستهدفة كما تقول أبواق النظام، أفبعد كل ذلك يستوي الحديث عن “دولة سورية”؟؟!