البعث والأسد للأبد..أزمتنا أكبر من جنيف2

بقلم:علام أحمد

لست في معرض مناقشة مبادئ وأهداف حزب البعث، الآمر الناهي في سورية حتى اليوم رغم قرابة أعوام ثلاثة من (المؤامرة- الثورة)، لكن نستطيع القول أن عمر تلك المبادئ والأهداف على الصعيد العربي انتهى، إضافة لاستحالة ممارستها وتحققها في المستقبل كحالها تماماً في الماضي، لكن الكارثة أن “البعثية” تلك مازالت سارية المفعول، ومازال النظام يحمل هموم الأمة ويدافع عنها، في حين أن الأمة التي يدّعي حفظها وصونها، لفظت كل علاقة له فيها، ناهيك عن دورها السلبي في تدمير البلد تحت ستار تبني مطالب الشعب السوري ومساعدته وهي بأفعالها أطالت عمر النظام وأضرت الشعب، النظام يبادلها “الشطارة” بادعائه الاصطفاف إلى جانب الشعوب بلا الحكومات، وكأن تلك الشعوب تملك قرارها، أما داخلياً فكان الانتساب للحزب والعضوية فيه حتى 2011، بمثابة جواز سفر إلى كل غاية، ومن كان يعترض على الانتساب أو حتى النشاط الحزبي، كان يلاقي العقبات حتى لو كان في إطار حصوله على موافقة سفر للخارج، وربما لو أجرى أي باحث عملية مراجعة أو إحصاء، فسيجد أن الغالبية العظمى بعثية بالاسم فقط، والمشكلة ليست في إفراغ الحزب من المضمون فهذا شأن داخلي للبعث نفسه، بل في أن النفاق والانتهازية ونهب الثروة الوطنية تحول لشبه قناعة شعبية بسبب من هذا النظام الديكتاتوري الفاسد وأفعاله.

 “الانتفاضة المغدورة” ببساطة، كانت محاولة لاستحقاق مواطنة حقيقية، لا تحتاج فيها إلى ولاء بعثي أو تأليه حاكم أو دفع رشوة أو خوف من التعبير عن رأيك حتى لو كان في “جارك أو مختار الحارة” أو الإصابة بارتباك عند مرورك جانب فرع أمني أو حتى قول نعم والبصم بالدم وأنت مغمض العينين، لكن النظام الذي قام ويقوم على سلب المواطن ما سبق ويروج ويشرعن ما يريد بأدواته الأمنية الاقتصادية وعقله الديكتاتوري وحزبيته التي تنظر إلى الشعب من فوق بعين الرعاية والأبوة المطلقة، صنف تلك البديهيات منذ اليوم الأول بمؤامرة، حتى وصلت البلاد إلى الهاوية، ولطالما أدهشتني مقولة النظام وأنصاره و”المدافعين عن استبداده عربياً ودولياً” بأنه لبّى مطالب الشعب وكأن هذا الشعب محكوم عليه أن يحيا ويموت بأجياله المتعاقبة في ظل حكم البعث والأسد للأبد، بالمناسبة لو كان غير الأسد حاكماً، فسيكون أيضاً للأبد، القضية ليست محصورة في حكم الأسد، بل في منظومة كاملة أقرب لتركيبة “مافيا شرعية” لها تحالفاتها الخارجية كما لها مصالحها الداخلية، وآخر همومها كان ومازال البلد، بدليل حقائق تسردها قرابة ثلاث سنوات أثبتت أن جوهر الأزمة كان داخلياً بحتاً، وليبدأ حل المشكلة ينبغي الرجوع إلى جذورها، لا في أخذها بالنهايات وإعلان الحرب على الإرهاب وانتهى الأمر، كما يحاول النظام خداع نفسه والعالم، والاتجاه بالبلاد إلى مزيد من الدمار.

ممارسات النظام لخمسة عقود وإفرازاته، طبعت العقل الفردي والجمعي السوري ولوثت وعيه الوطني بقضاياه العامة والخاصة، وصار الفساد والتطرف في الرأي طريقة وأسلوب “حياة اقتصادية- اجتماعية- ثقافية” عدا عن أنها رهنت الدولة وقرارها وموقعها ودورها –كما كل الأنظمة الشمولية- في يد شخص يمتلك كل السلطات، لدرجة أصبح غياب هذا الشخص قسراً أو عند إحداث تشاركية في السلطات الممنوحة له دون توافق، قد يؤدي إلى انهيار الدولة كاملة، الدولة بمفهومها العام وكتلتها ليست وليدة عهد البعث أو حتى يعود له تأسيسها، ولذا فإن نهاية مرحلة قد نصطلح عليها بالبعثية ينبغي أن تتم بالتدريج دون أن يعني ذلك الحوار مع النظام ليبقى فوق ظهر البلد والشعب، بل التوافق للانتقال إلى مرحلة جديدة بلا دماء أكثر سواء كان في جنيف أو غيرها، فخيار القوة والعنف من قبل المعارضة المسلحة رغم الدعم والداعمين أثبت فشله، تماماً كما أثبت الحل الأمني- العسكري الذي اعتمده النظام كردة فعل على الاحتجاجات منذ اليوم الأول، وعلى ما هو مؤكد فإن “جنيف2” ليس إلا واجهة شكلية لحلحلة خلافات القوى المختلفة على الحصص في البلد، وعلى قضايا أخرى تتصل بتركيبة الشرق الجديد ككل، وليس خلاص مأساة السوريين، فالأزمة أكبر من جنيف بكل أرقامها (1- 2.. الخ).

النظام لم ولن يترك، أي تطور حتى لو كان في أبعد قرية صينية يفلت من ترهاته، فهو وإعلامه الخشبي ومن ورائه بعض فضائيات “محور المقاومة والممانعة”، يرون أن كل ما يجري في العالم، إنما يجري على هذه الصورة بسبب من صمود سورية، -طبعاً سورية هذه لا علاقة لها بالنظام وإعلامه، فهي شي، وهما شي آخر، كما أن الدولة التي مسخها النظام شي، وهو شيء آخر، يرى جمع المقاومين والممانعين ساسة وإعلاماً بمن فيهم فطاحل النظام أن صموده غيّر العالم تحالفاً وسياسة، في حين كل التغيير الطارئ على العالم المذكور لم يغير في عقلية هذا النظام أو سلوكه، وهذه كارثة مستحيلة العلاج، تؤكد أن النظام لن يتقبل التغيير إلا بالأمر السياسي الصادر عن “ميزان قوى يتحكم بمسار الأزمة”.

ادعاءات النظام بالإصلاح بعد إدخال “رتوش” من بعض معارضة الداخل (المرضي عنها من قبله) لم تكن ممكنة منذ البداية، ولن تكون ممكنة مستقبلاً، لكنه كابر ولم يزل يكابر، ولو قام بإجراء أي تغيير على خطابه لجهة الاعتراف بالوقائع والتعامل معها، والمبادرة إلى جراحة في العمق مهما كان المريض “ذا رأس كبير”، فسيصاب كامل النظام في زلزال قد يودي فيه، للأسباب التي ذكرناها سابقاً، ولو حدث –وقد حدث- أن يغادر صاحب قرار من هيكل النظام فإنه لا يتأثر، لأنه يقوم في بنيته الداخلية على المافيوزية بشتى أنواعها، ويغلف وجهه الخارجي بستار المؤسسة العسكرية، هذا لا يعني إدانة للجيش بقدر ما يؤكد أنه كان ومازال ضحية للنظام، علماً أن الجيش ارتكب أخطاء كنتاج طبيعي لحالة حرب، لكن هناك أخطاء كثيرة ارتكبت باسمه وسكت عنها، جعلته فاقد الشرعية في نظر فئات من الشعب، ورغم ذلك يظل “ما تبقى منه” صاحب الشرعية في حمل السلاح مادام على أرضه، والجندي لا يتعامل مع من يرفع السلاح في وجهه في المعركة حتى لو كان أخاه إلا كعدو. (حمل السلاح من قبل مدنيين سوريين في وجه الجيش تمثل حرباً عليه خطط لها النظام ونجح فيها، لكن ينبغي احتواء الكارثة وإيجاد حل لها أمام حتمية بقاء البلد أو خرابه الكلي، ليس هناك خيار آخر إلا استمرار الموت والدمار).

لو قمنا بجمع أجزاء الصورة عسكرياً فسنجد فيها (الجيش السوري صاحب الأرض-فاقد الأرض لاحقاً في بعض المناطق، قوات دفاع تشكلت بقرار من النظام وبعضها مختص بالسرقة لا الدفاع، فصائل ومجموعات مسلحة سورية مشتتة تسمى الجيش الحر تزول تدريجياً، حزب الله، كتائب عراقية، القاعدة ومشتقاتها الإرهابية كجبهة النصرة وداعش، تنظيمات أصولية أخرى فوق أن تحصى، مجموعات مستقلة تتبع السلطة وتضرب بعصاها الفاسدة في سبيل الوطن)، كل أؤلئك تجمعهم معركة واحدة وأرض واحدة، ولكي تستطيع الحكم على نوع المعركة وخلاصاتها، عليك التجرد من كل عاطفة أولها الدينية، لترى بعقلك حجم المصيبة وفداحتها، ولو قمنا بتنقية الصورة السابقة من كل المتداخلات فيها نجد بأن “ما تبقى من الجيش” مع حاملي السلاح -تضامناً معه أو ضده من السوريين- على الأرض هم أهل البلد، ومشكلتهم قابلة للحل مهما طال الزمن وفق إطار وطني قانوني يعتمد لاحقاً، وكل ما عداهم من أطراف أخرى غرباء وبعضهم إرهابيون مجرمون، يتوجب عليهم الخروج من سورية طوعاً أو قسراً، بموجب قرار دولي يعترف بحقيقة ما يجري ليصبح الشروع في حل الأزمة ممكناً، وإلا فالمعركة الدائرة في سورية عبث في عبث، مثلما “الاستحقاق الشكلي” المنتظر في جنيف أو غيرها لاحقاً، عبث في عبث أيضاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published.