من عصر الأسد الى عصر القطط

بقلم :علام أحمد

يردد نفس الكلام، مع ابتسامة ساخرة أحياناً وجادة أحياناً أخرى، هذا هو حال د. بشار الأسد الوجه الظاهر للنظام منذ عامين ونيف، لكن النظام الذي يتحدث باسمه تحت مسمى “الدولة السورية”، نظام معقد بطبيعته تتداخل فيها المصالح مع العصبوية مع الولاء الشخصي مع قليل أو كثير من حب الوطن، وليس لديه أدنى تردد في استبدال وجه بآخر أو تغييب أحد على حساب آخر ليرضي طموحاً خارجياً، بينما على الصعيد الداخلي الذي يشكل آخر اهتمامات ذك النظام، فاستمر معانداً إرادة التغيير حتى الشكلي منه لفترة تكفلت بوضع البلاد على أول طريق الهاوية، علماً بأن هذا النوع من الحلول الترقيعية أو المؤقتة لم يكن هدف المنادين بالتغيير، فاستبدال الوجوه أو تغييبها لن يغير من الواقع شيئاً لأننا أمام عقود بالجملة، وأجيال فطرت على ممارسة سياسية بعينها، وأجيال تلتها تسير على خطاها، ومن بينها معارضات جرى تفصيلها على مقاس ثوب النظام الفضفاض عربياً وقومياً، وفوق هذا يأتي سوء حظ الشعب السوري حيث بلده قلب العروبة النابض، محاصر بالمؤامرات وهدف لكل المشاريع الامبريالية الرأسمالية التوسعية، إضافة لكونه هدفاً أميركياً متجدداً كل لحظة، و”القيادة الحكيمة” للنظام تمانع، وقريباً قررت أن تقاوم، تتغير الدنيا من حولنا، تتغير أنظمة بالجملة، والقيادة الحكيمة ثابتة راسخة كالجبال.

 

يقع البعض في فخ الاتهام عند انتقاد أو مناقشة ما يصدر عن الأسد “وهو خلاصة فكر النظام” وما يحرص هو على إيصاله كرسالة تعبوية أو ترويجية للرأي العام، وسرعان ما يحولون القضية إلى شخصية أو تآمرية في سبيل تسخيف محتواها، وكما تحرقك نيران المؤيدين، تحرقك أيضاً نيران الثوريين، إن اقتربت من منطق الأسد “النظام” ولم تنتصر لموقفهم منه، سواء تمجيداً أو شتماً، من بعدما حرصت قنوات الإعلام الممانع، ونقيضها امبراطوريات الأجندات السياسية على تشجيع وتغذية هذا المنطق الأعرج وجعل القضية شخصية بحتة مرتبطة بإحالة طائفية، لتبدو كأنها غير قابلة للحل أو مرتبطة بشروط تعجيزية، وبالتالي يرفض كل طرف التنازل للآخر تحت عناوين الوطن والالتزام بقضايا شعبه، والجميع يراوغون كي لا نقول يكذبون.

 

على ما يقترب من ساعتين، تابعت حوار الأسد على قناة “الميادين” المضافة حديثاً إلى سجل الفضائيات المقاومة والممانعة، وأغلب ما جاء فيه كان إعادة إنتاج لسردية السيناريو المعروف في البلد منذ عامين على نحو ثابت، باستثناء بعض تفاصيل جديدة تخدم رواية المؤامرة التي قال في أسبابها النظام منذ اليوم الأول. وما يستوقف المتابع لمجريات الأحداث توقيت “عتب المحب” لمواقف بعض الحكومات، وفي جانب آخر الهجوم المباشر لمواقف بعض الحكومات الأخرى سياسة وشخوصاً، فهي تصدر للمرة الأولى منه تحديداً بشكلها الصريح هذا، طبعاً يظنها البعض قوة ونصراً، في حين يراها آخرون ثمارا يقطفها النظام بعد التقارب الإيراني- الأمريكي، لكن كل هذا يتبخر عند مقاربة ثوابت في سياسة المنطقة على الأقل لأعوام مقبلة، لا يمكن أن تتغير جذرياً بهذه البساطة. إذن الرسالة الأبرز في ذاك العتب مع الهجوم هي تهيئة الرأي العام السوري لبدء مرحلة جديدة تسودها الدماء أكثر مما كانت سابقاً خلاف ما يظن كثيرون للأسف، إضافة لفتح باب التصالح مع بعض قوى ودول كان لها دور سلبي وربما دموي في مراحل سابقة، وفق مبدأ أنها كانت مجبرة على تنفيذ ما طلب منها، ما يعني خسارة معنوية في رصيد الممانعين “لن ننسى”، وهم يتخلون عن شعارهم هذا مضطرين، لأن العامل المعنوي الذي ستضيفه عودة البعض له دور كبير في المرحلة القادمة وفق ما يرى النظام لاسيما في بلاد يحكمها إعلام كالذي تعرفون ويناهضه إعلام كالذي تعرفون أيضاً.

 

دهشة بن جدو.. يا ساتر

 

استوقفني في الحوار أمران آخران، الأول دهشة واستغراب مدير قناة الميادين غسان بن جدو عند تلقيه بعض أجوبة الأسد، في حركة يظن فيها بن جدو أنه يضفي على الحوار بعداً تفاعلياً يكشف عن مستور الأزمة، ويفوز بالسبق  الفريد، ولذا بدا حريصاً على الحصول منه على إجابات محددة، لكن الأسد المطلع سابقاً على الأسئلة الموضوعة بمعية المكتب الإعلامي في القصر الجمهوري، لعب دور المجيب الذكي ليترك للممجدين بحنكته مساحة للحديث عن حرصه على تقديم الإجابات كما ينبغي أن تكون. طبعاً كان يستطيع بن جدو أن يكون صاحب سبق صحيح يتناول تطورات الأزمة في وقتها الحالي، بكشفه خلال اللقاء عن خفايا صفقة تبادل الأسرى بفضل قطر وطائراتها الخاصة، كما كان يستطيع تحقيق سبق لدى سؤال عن مصير آلاف المعتقلين السلميين، وما رد النظام على اتهامات تلاحقه بتحمل المسؤولية عن اختفاء د.عبد العزيز الخير وزميليه، وكيف قطع وعوده لروسيا والصين بتأمين الحماية للمعارضين ولم يستطع الوفاء بها، -طبعاً بن جدو لن يقول اعتقلوه مع رفيقيه كي لا يصبح متقاعداً عن العمل-، كما كان بن جدو يستطيع تحقيق سبق بجرأته في السؤال عن سبب إطلاق بعض المعتقلين على ذمة قضايا إرهاب خلال الأزمة، وما مدى صحة الأخبار القائلة بذلك، كما كان يستطيع سؤاله: لو لم تظهر القاعدة وتفرعاتها “جبهة النصرة وداعش” فأين كانت وصلت مسيرة الإصلاح، التي لم تنطلق إلا بعد انطلاق التظاهرات مقبوضة الثمن على حد تعبير الأسد. طبعاً هناك أسئلة كثيرة لكن نقتصر على هذه عسانا نبرر دهشة واستغراب بن جدو الذي بلغ ذروته في كلمة ( يا ساتر) عند الحديث عن جرائم الإخوان المسلمين لدرجة ظننته إخوانياً.

 

 الجيش الحر.. إرهابيين وشهداء

 

الأمر الثاني يرد في إطار الاقتباس من أحد أجوبة الأسد على “كيف تطورت الأمور من وجهة نظركم؟” وبعد أن يتحدث عن المرحلتين الأولى والثانية، يقول: (حتى نهاية العام 2012 وبعد توجيه ضربات قاسية من القوات المسلحة للإرهابيين أو الذين سموا الجيش الحر، وهي مجموعة من عصابات مختلفة….الخ)، وجواباً على سؤال آخر (هل /الجيش الحر/ أو العناصر التي انشقت من الجيش السوري، هل أنتم مستعدون لمعاودة احتضانهم من جديد)؟ يقول الأسد: ….. منهم من فر بسبب الخوف، ومنهم من فر تحت التهديد المباشر له أو لعائلته، ومنهم من فر عن قناعة، لا أريد أن أبالغ لكن جزءا لا بأس به قرر العودة، البعض منهم عاد إلى عمله…. البعض من هؤلاء الذين تتحدث عنهم يقاتل مع الجيش وسقط منهم شهداء خلال الأشهر الأخيرة، … عناصر، مجندون، متطوعون، ضباط، البعض منهم طبعا يتعاون مع الجيش، لا يجرؤ على العودة خوفا من انتقام المجموعات الإرهابية ولكن يتعامل بشكل ممتاز”. انتهى الاقتباس، ولمن يريد معرفة كامل الجواب ليراجع المقبلة كي لا يتهمني بالقص واللصق.

 

في الشق الأول نلاحظ أن الجيش الحر إرهابيين وعصابات، وفي الشق الثاني يبدو أن قسماً من الجيش الحر تائبون وشهداء وبعضهم مستمر في الإرهاب خوفاً من انتقام المجموعات الإرهابية، قد يظن البعض أن المقصد هنا يدعو للتمييز بين من غرر فيهم وبين من تعمدوا الجرم والإرهاب، وقد يظن البعض أن هذا إشارة ضمنية لتأليب “جبهة النصرة وداعش” ضد الجيش الحر ليقوموا بالقضاء عليه، في حين أن ما تحدث عنه الأسد صحيح لناحية العفو والصفح ما دام يؤمن استمرار النظام، ( لا أود الدخول في تفاصيل، لكن 80 في المئة ممن حمل السلاح وانتظم فيما يسمى الجيش الحر كان بسبب من أفعال النظام ورواياته، وبعدما وقع المحظور وقتل الأخ أخاه، يأتي النظام ليكون الخصم والحكم وكأن شيئاً لم يكن، هذه العقلية هي التي أوصلت سورية لما هي عليه، متى يتعلم النظام قول الصدق، متى يعترف أنه غير مؤهل وغير قابل للإصلاح، متى يقتنع أن ما دمره نفسياً وخربه مادياً لا يصلحه إلا جيل جديد وعقلية أخرى؟)، يعمل الأسد إذن على تأهيل الرأي العام لفتح باب المسامحة والمصالحة بين الطيف الذي لم يمثل فيه العنصر العسكري (التائب والمستشهد لاحقاً) إلا قليل بينما يمثل المدنيون غالبيته الساحقة، وبين بقية الشرائح التي ترفضه وتخونه بل تحاربه وتقتله، ويبقى في ساحة المعركة شبح الحرب على القاعدة والإرهاب بشقها الخارجي مع بعض “بهارات إرهاب داخلي”، ولتمضي الأمور على هذه الشكل، حتى يحدث جديد، ومع إني من أنصار السلام والتصالح، لكنني لا أتوقع أن هذا قد ينفع لأن ما لا يقل عن مليون سوري كحد أدنى لديه استعداد لحمل السلاح والقتال إلى جانب حتى الشياطين لحسم المعركة بذرائع مختلفة فوق أن تحصى، والأسباب معروفة للجميع. “ملحوظة: أنا لا أدافع عن الجيش الحر فيما سبق من تعقيب، بل أناقش كلام الأسد وأبعاده.”

 

قريباً من المكان الذي كان فيه حوار بن جدو مع الأسد، كالغوطة والمعضمية وقبله مخيم اليرموك، وفي مكان أبعد قبل ذلك في حمص، وربما في أماكن أخرى، فإن فتاوى تناول لحم القطط والكلاب والحمير من قبل مواطنين سوريين، مختلفي الولاءات والتنظيمات، وبعضهم لا ناقة له ولا جمل فيما يحصل، صارت أسباباً جوهرية لاستمرار الحياة، وحتى في حال كان الأمر من باب التضخيم للاستهلاك الإعلامي فإن التاريخ سيكتب هذا، وستعيشه الأجيال الحالية لترويه لمن يليها مثلما كتبت وستكتب لاحقاً أحداثاً كثيرة تم تزويرها، سواء لجهة بطولات النظام السياسي الورقية أو لجهة “مظلومية” المعارضة المسلحة وأنصارها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.