كيف تصنع مذبحة ناجحة

May 16, 2012
By

الأمر ليس سهلا لأن المذبحة الناجحة تحتاج الى دراسة وخبرة وعمل منظم. المذبحة أشبه بعملية جراحية يتوقف نجاحها على مهارة الجراح ودقة تشخيصه وقدرته على استعمال أصابعه بطريقة صحيحة وفعالة. الخطوات التالية ضرورية لصناعة مذبحة ناجحة:

أولا: افهم معنى المذبحة

ما الفرق بين السيطرة على المظاهرات وارتكاب مذبحة؟ في الحالة الأولى أنت تدفع بقواتك للسيطرة على المتظاهرين، وتفعل ذلك بوضوح أمام الناس جميعا، أما المذبحة فهي عمل خاص واستثنائي. رسالة محددة موجهة لطائفة من الناس دون غيرهم.. المذبحة تستهدف مجموعة معينة مثل مشجعي الكرة أو الاسلاميين أو الاشتراكيين. مجموعة مستهدفة بالذات، سوف تتعرض للمذبحة، بعيدا عن بقية الناس، ويجب أن يتم التخطيط بحيث لا يتعاطف الرأي العام مع ضحايا المذبحة. يجب أن ينقسم الناس أمام المذبحة الى نوعين: بعضهم يشكك في حدوثها أساسا، والبعض الآخر يعترف بأن هناك بعض التجاوزات قد حدثت، لكن الضحايا هم المسؤولون عما حدث لهم. المذبحة الناجحة تشبه الموقف التالي:
عندما تقابل خصمك في مكان مزدحم بالناس فتبتسم في وجهه كأنه صديق قديم ثم تقترب منه وتهمس في أذنه بسباب فاحش لا يسمعه سواه.. عندئذ سينتفض خصمك ويحاول الاعتداء عليك ردا على الاهانة التي لم يسمعها أحد، وسوف يتدخل الحاضرون جميعا للدفاع عنك، لأنك في رأيهم لم ترتكب خطأ يبرر اعتداءه عليك.

ثانيا: حدد هدفك بدقة

الهدف من أي مذبحة يتلخص في كلمتين: كسر الارادة.. يجب ترويع المتمردين بحيث يدركون أن تمردهم ثمنه باهظ فيذعنون ويتحولون الى الطاعة. في لحظات معينة يصبح تدبير المذابح ضروريا.. عندما تندلع ثورة يشترك فيها الشعب كله لا يمكن أن تقمع ملايين الناس.. عندئذ يجب أن تقسم المتمردين الى مجموعات، ثم تصنع مذبحة لكل مجموعة على حدة، بحيث يؤدي ذلك في النهاية الى كسر ارادة الشعب كله. مثال آخر.. قبل تزوير الانتخابات من المفيد أن تصنع مذبحة ضد العناصر السياسية النشطة.. هؤلاء الذين سينزلون الى الشوارع يتظاهرون ويعتصمون احتجاجا على نتائج الانتخابات المزورة.. يجب أن يتم ترويعهم وسحلهم وقتلهم مبكرا. بعد ذلك، اذا زورت الانتخابات لن تجد من يعترض على ارادتك. سوف تندهش من النتيجة، لأن المذبحة الناجحة لها تأثير سحري.. ان أكثر المتمردين صلابة وشجاعة اذا تعرض الى التنكيل والاذلال، اذا رأى زملاءه يقتلون أمام عينيه، قد يفقد شجاعته ويتحول الى مواطن مستسلم مذعور.

ثالثا: اعتن بالتنفيذ

لا يجب أن ينفذ جنودك المذبحة وهم يرتدون زيهم الرسمي. سيجلب ذلك عليك المشاكل. ليس هناك ما هو أسوأ من صورة جندي بزيه الرسمي وهو يقتل مواطنيه أو يضربهم.. افعل ما تشاء بغير أن يظهر وجهك في الصورة.. يجب أن يكون منفذو المذبحة مرتدين ملابس مدنية.. سواء كانوا من جنودك أو من المرتزقة، النتيجة واحدة.. سيكون هناك المئات من الأشخاص المجهولين الذين يهاجمون المتظاهرين ليضربوهم ويسحلوهم ويقتلوهم ويهتكوا أعراض البنات… من الذي يجرؤ بعد ذلك على اتهامك بتدبير المذبحة؟ سيبدو الأمر كأنه اشتباك بين مجموعات من المجهولين. الأفضل أن يتظاهر جنودك أمام الكاميرات كأنهم يحاولون فض الاشتباك وانقاذ الضحايا..

رابعا: مهد الرأي العام لتقبل المذبحة

هذه خطوة مهمة. يجب تهيئة الناس باصطناع أزمات تسبق المذبحة.. انفلات أمني كامل ونقص في الوقود والمواد الغذائية وارتفاع أسعار رهيب يجعل حياة الناس مستحيلة.. المواطن المنهك الخائف سيتقبل المذبحة أفضل من المواطن المطمئن الذي يتقصى حقيقة الأحداث.. جنودك في تهيئة الرأي العام هم عشرات الصحفيين والاعلاميين من عملاء الأمن. هؤلاء مقابل الأموال والمناصب التي يحصلون عليها منك، لا يتورعون عن عمل أي شيء من أجل ارضائك. لديهم وسائل متنوعة كلها فعالة بدءا من مداخلات المشاهدين ورسائل القراء المصطنعة الى نشر أخبار كاذبة واختلاق وقائع الى الاستعانة بخبراء استراتيجيين يرددون الأكاذيب بوقار كامل. سيكون باستطاعة هؤلاء الاعلاميين اختلاق أغرب الأكاذيب وأبعدها عن الواقع لكنهم سيظلون يرددونها على الناس حتى يصدقوها في النهاية..

خامسا: استعمل الغطاء الأخلاقي

لا يمكن للاعلام أن يساعدك على اخفاء المذبحة الا اذا استعملت غطاء أخلاقيا لها.. يجب استدراج المتظاهرين الى منطقة تمثل الدولة على نحو ما.. وزارة من الوزارات مثل وزارة الداخلية مثلا. الطريقة السهلة أن تدس عناصرك بين المتظاهرين ليشجعوهم على التوجه نحو مبنى الوزارة.. في نفس الوقت فان قواتك يجب أن تفتح الطريق حتى يقترب المتظاهرون من المبنى بقدر الإمكان. اياك أن تؤمن المبنى بالطريقة المعتادة. أنت تعرف بالطبع أن أي مبنى في العالم يمكن تأمينه ضد المتظاهرين السلميين بطريقة بسيطة للغاية: جداران سميكان مرتفعان من الأسلاك الشائكة تفصلهما مسافة 300 متر.. عندئذ يعجز أي متظاهر عن اقتحام المبنى أو الاقتراب منه.. اياك أن تؤمن المبنى بهذه الطريقة.. بالعكس افتح الطريق للمتظاهرين وشجعهم على الاقتراب ولو استعملت سلكا شائكا يجب أن يكون منخفضا ومهترئا بحيث يستطيع أي طفل اختراقه بسهولة. في نفس الوقت ابدأ حربك الاعلامية في الصحف والقنوات التلفزيونية.. يجب أن يتحدث الجميع عن هيبة الدولة التي تتمثل في مبنى الوزارة الذي يريد المتظاهرون اقتحامه. يجب أن يسمع الناس ويقرأوا أن هناك مؤامرة لاسقاط الدولة ينفذها هؤلاء المتظاهرون الخونة أصحاب الاجندات الاجنبية الممولون من الخارج من أجل اقتحام وزارة الداخلية. ستؤدي هذه الحملة الى حالة من السخط على المتظاهرين، يجب أن تستغلها فتذيع بيانا عاجلا تؤكد فيه أن المنشآت العامة هي ملك الشعب ولا يجوز أن يهاجمها أحد الا إذا كان خائنا لبلاده وعميلا لجهات أجنبية.. اختم البيان مناشدا المتظاهرين المحافظة على ممتلكات الشعب والعودة من حيث أتوا وحذرهم من اقتحام المنشآت العامة لأنك لن تسمح بذلك أبدا. يجب أن يحمل البيان نبرة الأب الحنون الصبور على أخطاء أولاده الذي قد يضطر في لحظة ما لأن يأخذهم بالشدة.. كل ذلك سيحشد الرأي العام في صفك..

سادسا: اختر ساعة الصفر

اياك أن تبدأ بضرب المتظاهرين. هذا خطأ بالغ.. ادفع بعملائك الى الناحية الأخرى ليندسوا بين المتظاهرين ثم يبدأوا في الاقتراب من الوزارة واعط الأمر لقواتك بالانسحاب أمامهم.. من الأفضل أن يتم تصوير عملائك وهم يلقون بزجاجات حارقة في اتجاه مبنى الوزارة.. هذه الصورة يجب أن تتصدر الصفحات الأولى في الصحف وفي نشرات الأخبار يجب أن يكون الخبر الأول كالتالي: «قام بعض المتظاهرين هذا الصباح بالقاء زجاجات حارقة على وزارة الداخلية»… في اللحظة المناسبة اعط اشارة البدء. عندئذ يندفع رجالك بالملابس المدنية للاجهاز على المتظاهرين بينما يقوم أفراد من قواتك باغلاق كل منافذ الهرب عليهم.. رجالك يجب أن يكونوا مسلحين بالأسلحة البيضاء والنارية معا. لتكن تعليماتك واضحة. يجب الاجهاز على المتظاهرين بلا رحمة.. اشحن رجالك بكلمات مؤثرة: «هؤلاء المتظاهرون عملاء.. يقبضون أموالا من أعدائنا من أجل تخريب بلادنا.. اثبتوا أنكم رجال. اضربوهم.. اقتلوهم.. افعلوا بهم ما شئتم». أما البنات فيجب أن يخضعن لاعتداءات جنسية. هذه أنجح طريقة لكسر ارادتهن.. مهما ضرب رجالك الفتاة فربما تزداد عنادا وتحس أنها بطلة أما اذا جردوها من ملابسها ووقفت عارية تماما أمام رجال يسخرون منها ويعبثون في كل جزء بجسدها فان البنت ستنكسر حتما. ستفقد احترامها لنفسها. ستشعر بأنها فقدت كرامتها الى الأبد. لن تستطيع بعد ذلك أن ترفع رأسها وبالتأكيد لن تشترك في أي مظاهرة أو احتجاج.. المعتقلون يجب أن يكونوا عبرة.. يجب أن يقفوا عارين تماما وأن يستمر ضربهم بعنف. يجب الضغط عليهم باستعمال الكهرباء وهتك أعراضهم بادخال عصى في مؤخراتهم أمام زملائهم. .يجب أن يفقدوا كرامتهم مرة واحدة والى الأبد ولن يستطيعوا بعد ذلك أن يعارضوك. أثناء المذبحة سيردد الاعلام أن مجهولين يشتبكون مع المتظاهرين وأن الطرفين مسلحان وأن قواتك تحاول فض الاشتباك وحماية منشآت الدولة.. هذه النبرة في الاعلام ستدفع الناس الى تقبل أي عدد يسقط من الضحايا.. سيقول مواطنون كثيرون: القتلى والمصابون هم المسؤولون عما جرى لهم.. سيتساءلون لماذا أراد المتظاهرون اقتحام وزارة الداخلية ولماذا ذهبوا الى هناك أساسا؟ سيقولون، هؤلاء الفتيات اللاتي يشتكين من هتك أعراضهن لماذا نزلن الى المظاهرة بينما كان من الأفضل أن يجلسن محترمات في بيوتهن؟

سابعا: اصنع كارثة اضافية

هذه طريقة مجربة ومضمونة. أثناء المذبحة يذهب بعض رجالك ويحرقون متحفا قريبا أو أي مبنى أثري. عندئذ سوف تصور وسائل الاعلام صورة المبنى الأثري والنيران تلتهمه (سيتم منع سيارات الاطفاء من الوصول اليه بالطبع) هنا سوف يولول الاعلاميون ويصرخون ويستغيثون ويلطمون خدودهم حزنا على التراث العظيم الذي يتم احراقه الآن.. سيحس الناس بالحزن الشديد لتدمير معالم بلادهم وسرعان ما يتحول هذا الحزن الى غضب بالغ على المتظاهرين الذين تسببوا في كل هذا الخراب، وسوف تنهمر على وسائل الاعلام رسائل من مواطنين شرفاء يناشدونك الضرب بيد من حديد على أيدي العملاء المخربين.
الآن وقد صنعت المذبحة وتمكنت من كسر ارادة المعترضين عليك.. يجب أن تتمالك نفسك فلا يبدو عليك أبدا ما فعلته.. اعقد مؤتمرا صحافيا لتعلن فيه أسفك العميق على سقوط الضحايا لأنهم جميعا أبناء الوطن ودماؤهم عزيزة عليك. اعلن أنك ستفتح تحقيقات موسعة حول الحادث الأليم وناشد كل من يملك معلومات أن يتقدم بها الى جهات التحقيق فورا لاتخاذ الاجراءات اللازمة.. في النهاية من الأفضل أن تقول بضع كلمات مؤثرة عن هيبة الدولة وحماية المنشآت العامة، ثم تناشد أبناء الوطن المخلصين ألا يسمحوا للمندسين بينهم بتخريب وطننا الغالي، ثم تطالبهم بالامتناع عن التظاهر في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الوطن حتى يتفرغوا لدفع عجلة الانتاج وتحقيق الاستقرار..

Tags:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • مرحلة المقاومة والممانعة الجولانية

    بقلم:نيسرين عبود: عن المقاومة والممانعة ومراحلها  كتب  ناهض الحتر  مقالا  حاول به دفع  محور المقاومة والممانعة  لتخليصنا  الفوري والنهائي من اسرائيل ,  وأول  ما أثار شيئا من التعجب  كان العنوان  […]

  • الدولة أنا , وأنا الدولة!

    نيسرين عبود: في لقاء مع  منار حسن نصر الله  صرح الأسد “اذا أردنا أن نواجه اسرائيل فعلينا أولا  أن نواجه  أدواتها  داخل سوريا ” القصد من الأدوات  كل معارض  للأسد […]

  • الجمهورية السورية الأولى

    بالرغم من كون سورية مهدا كبيرا للحضارات , فانه لم توجد لحد الآن  مملكة أو جمهورية سورية تستحق الذكر …ولا أريد الحديث عن الحضارات والأبجديات , فان مافات مات , […]

  • بين الثورة والفتنة!

     فاتح بيطار,نبيهة حنا: يبدو الانزعاج واضحا عند الاسلاميين عندما يحاول البعض تفكيك الماضي وتحليله , يسمون هذه العملية “نبش القبور” ! , والاسلاميون لايريدون نبش القبور عندما يتعلق الأمر بالسفالات […]

  • ليسوا نملا.. إنهم بشر!

    أفقت صباح أحد الأيام الماضية على بكاء زوجتي. كانت تنظر إلى الـ«آي باد» وتبكي. سألت عن السبب فوضعت الجهاز أمام عيني، فإذا برجل يدفن حيا لأنه يرفض أن يقول: «بشار […]