الوطنية السوريةوالمواطنة والخيانة

تاريخيا يمكن القول  على  أن مفهوم الوطنية  أوروبي المنشأ  ,  فقد نشأ هذا التعبير في أواخر القرن الثامن عشر    مرادفا  لنشوء الفكر  القومي , لذا يتم أحيانا المزج  بين  الوطنية والقومية  ,وكأنهما  قيمة واحدة  فرضت   الوطنية فرضت نفسها   في  العالم  العربي   في  المئة  سنة  الأخيرة العالم   كاطار   لتلاحم  الفرد مع  مكون  جغرافي  وشعبي واجتماعي  , اسمه الوطن  ..أي  أن نشوء مايسمى الدولة القومية أو الوطن جاء بالوطنية الضرورية لصيانة وحماية الوطن,

على الرغم من  أن منشأ  قيمة “الوطنية” ليس عربي  ولا شرقي , الا أن التداول   اللفظي   لهذه القيمة على أشده في البلاد العربية  ,  الأمر كأمر   الديموقراطية   التي   أبرع   العرب  في   التحدث  عنها  وعن  ضروراتها   ,من  ناحية   أخرى ابرعوا    في  تجنب  تطبيقها ومحاربتها  عمليا   , ففي أوروبا مثلا  نادرا مايتكلم  أحد عن الوطنية  أو القومية  , ومن يتحدث عن الوطنية  بالشكل العربي يجعل من نفسه مضحكة ,  ذلك لأن  الكلام عن  وطنية فلان مقرون  دائما  بالكلام  عن عدم وطنية الآخر , وفي   أوروبا  لاوجود  لمن  هو  ليس  وطني  ,المبالغة في   استخدام مفردة “الوطنية ” هو ملازم للمبالغة   في استخدام مفردة “الخيانة”  ,بينما   لاتعرف   المجتمعات  الأخرى   ذلك   الاستخدم  المكثف  لمفوم  الخيانة , أما في بلادنا  فتستعمل هذه الكلمة مئات  الألوف من المرات يوميا ,  من له رأي آخر  فهو خائن ..هكذا بكل بساطة وتلقائية , لقد شذ  المعنى العملي لهذه الكلمة عن المعنى الحقيقي , لقد أصبح , في سياق افلاس  القيم بشكل عام  ,عبارة عن  مفردة  لكيل المديح , والأصح أصبحت بوابة  تدخل منها مفردة أخرى هي مفردة “الخيانة” , التي  أفلست أيضا   ولم تعد تستعمل   سوى  للشتم  والقدح والذم  والافتراء ,.

مضامين ومعايير الوطنية   تختلف من  دولة عربية لأخرى  وفي الدولة نفسها من فئة لأخرى يختلف  معنى هذه المفردة   على مستوى الوعي الفردي والجماعي , والتباين على أشده بين  الديموقراطيات والديكتاتوريات  , وبين المشيخات  والجمهوريات… الخ   , ففي المشيخة  مثلا  يتقزم هذا التعبير   ليأخذ شكلا فقهيا  , لايتجذر به مفهوم الوطنية  بشكله الحديث  المعروف أوروبيا ,  فهناك الأمة الاسلامية , وعن الوطن  فالحديث قليل جدا أو معدوم  ,وذلك على الرغم من  ان الجماعات الاسلامية  تعيش في أوطان  محددة جغرافيا   وشعبيا  ومعترف بها عالميا , هؤلاء يشعرون بانتمائهم الى  “أمة”  أكثر من انتمائهم الى “وطن”  , بالتأكيد هناك أسباب   فقهية لهذه النظرة   ,  التي لامجال لبحثها تفصيليا في سياق هذا الموضوع  .

يتعلق مفهوم الوطنية في الغرب الديموقراطي  , أولا  بموضوع الأرض وما  عليها , اذ ان الهدف من الممارسة الوطنية هو  رخاء وازدهار وتقدم الجماعة ,  أما في الشرق  الفردي الديكتاتوري(الفرد   الشرقي ديكتاتور  كالديكتاتور   الذي  يحكمه )  فقد كان من الضروري    تحوير مفهوم “الوطنية ” لكي يتناسب  مع “الشخص”   المتسلط وأهدافه ونزواته , الديكتاتور –  الشخص  ألغى  ملكية الأرض  لمن عليها   , وأصبح هو المالك  للأرض وما  عليها  وما  فيها  أيضا  , لذا تتمحور كل  “مصلحة” حول ذاته وذواته  ونزواته , وبالتالي كان لقيمة الوطنية أن” تتأدب  وتتدرب”   على  الوضع الجديد  وتتناسب معه .

التأديب والتدريب يعني الكثير من التحوير , وأهم تحوير هوتحول  فاعلية  مفهوم الوطنية في الوعي  الفاعل للشعب  (البدائي) ,  ليغدو مفهوما فاعلا للتفرقة الوطنية وقاتلا للوحدة الوطنية بشكل غير مباشر  ,ذلك  لأن  تكاثر  استخدام هذه المفردة في تعريف  حالة  مواطن ما , مقرون  بتكاثر استخدام مفردة  الخيانة في  تعريف حالة مواطن آخر  , ومن هنا يأتي “محصول” التفرقة  الوطنية لهذا الاستعمال , وبقدر مايتحدث الانسان عن وطنيين , يجب أن يتحدث عن خونة ,وهذه هي الكارثة  التي تقضي على الثقة بين  فئات المجتمع , وتقضي أيضا على  المساواة  , وتكرس  وترسخ  الديكتاتورية  ,انها  ضرورة من ضروات الديكتاتورية , التي تعتمد على الاقصاء والاستقطاب  والفردية , لا يمكن للديكتاتورية أن تبرر وجودها  , الا عن طريق تأكيد خيانة فئة  ومواطنية فئة أخرى , والفئة “الوطنية” التي يمثلها الديكتاتور هي الفئة  التي  تحتكر الحكم  لأنها وطنية , أما الفئة الأخرى  فهي فئة الخيانة , التي  ينعم عليها الديكتاتور  , في أحسن الحالات, بالسجن الملطف  والتعذيب المخفف .. أي أنه يحاول تأديبها  وتدريبها  لكي تصبح “وطنية ” وتنضم الى قطيعه ..

مع كل مشكلة تواجهها  الدولة  ومع كل فشل للسلطة في ادارة شؤون البلاد   يتكرر الحديث عن المؤامرة ، التي تصنف الشعب الى صنفين  , الصنف الوطني والصنف الخائن  المتآمر , تصنيف يلغي امكانية  الحوار  وامكانية الكلام  بين الأصناف , وهذا الالغاء   هو هدف أساسي لأي سلطة ديكتاتورية , فالسلطة الديكتاتورية لاتحب الكلام  وتبادل الأفكار , لأنه لافكر عندها , وما تمكلكه  تستخدمه , انه  السوط  والساطور  , الذي ينهال على رقاب البشر  تحت أنغام الأهازيج  والأناشيد والشعارات  , التي تمجد القائد   وتتغنى بالوطن , ثم يأتي دور رجال المخابرات   لتوزيع شهادات الوطنية    على البشر , ومن هو  ليس وطني   حسب  تقييم المخابرات  يؤول الى الاعتقال  والتعذيب ,   حيث  تدور بعد ذلك مكنة التواسط  ودفع البراطيل لاطلاق سبيل المنكوب, كل ذلك  باسم وبرسم الوطنية  وباسم وبرسم رديفها , الذي هو الخيانة ,  وكل ذلك  هو من مصلحة الديكتاتورية , التي  تفرق لتسد ..تفرق طائفيا , وتفرق عرقيا  وانتماء ,   وتقسم البشر الى وطني وخائن ..فزيادة التشديد على الوطنية يتناسب طردا مع زيادة الحاجة الى الدجل  عند حدوث المشاكل , التي لاتقوى الديكتاتوريات على حلها , هنا  يصل انتاج الشعارات الى أوجه , اما العمل بهذه الشعارات  فيبلغ أدناه ,   يتكاثر منظروا الوطنية   وتتكاثر دروسهم  ومواعظهم بما يخص  معالم الوطنية  كالتسامح  وتذكير    الآخرين   بأنه   لولا  لطفنا   وتسامحنا   لكنتم  بين   الأموات   قتلا ,   لقد  كان من  واجبنا    تقتيلكم   ,  ولكوننا  “أوادم”  لم  نقم  بذلك  !!!!,

كبير اللصوص  يتحدث عن الأمانة  وكبير الطائفيين يتحدث عن مضار الطائفية   وكبير الفاسدين   يروج للاصلاح  ,   تلفيق  وخداع   لاحدود  له

الحل الأمني   هو مطلب جماهيري  , وفرض من فروض الوطنية  , هكذا يقول وزير الخارجية  وهذا ماتروجه أجهزة الاعلام الرسمية , ولا يمكن تطبيقف الحل الأمني  , الذي يجيز قتل المعارض  واهاق دمه, دون  تصنيف المعارض  في مصنف الخيانة  , وتصنيف الذات في مصنف الوطنية , وهذا التصنيف يأسر  , ويدخل  من يستخدمه في نفق  اللاعودة  , وهذا مانراه في سياق الحل الأمني  الخاطئ , حيث من الصعب على مهندس   هذا الحل أن يتراجع عن الخطأ , وذلك لتمركزه في خنق  التخوين  والمواطنية الصالحة  التي يحتكرها المهندس , مما قد يكلف الوطن كامل وجوده  ويقود الى فنائه بشرا وحجرا .

تاريخيا يمكن القول  على  أن مفهوم الوطنية  أوروبي المنشأ  ,  فقد نشأ هذا التعبير في أواخر القرن الثامن عشر    مرادفا  لنشوء الفكر  القومي , لذلك  يتم أحيانا المزج  بين  الوطنية والقومية  ,وكأنهما  قيمة واحدة ;الوطنية فرضت نفسها   كاطارلتلاحم  الفرد مع  مكون  جغرافي  وشعبي واجتماعي  , اسمه الوطن  ..أي  أن نشوء مايسمى الدولة القومية أو الوطن جاء بالوطنية الضرورية لصيانة وحماية الوطن  , مفردة “الوطنية ” جديدة جدا في العالم العربي , وقد لايتجاوز عمرها مئة عام.الوطنية قناعة وادراك , والمواطنة ممارسة , وعندما تتباين  الممارسة عن القناعة والادراك  يحدث الخلل , الذي قد يقضي على الوطن , أو في أحسن الحالات تحويل الوطن الى موطن , أي ألى مايشبه الفندق , والخلل السوري الذي قاد الى تحول الوطن الى موطن  نجم عن  التباين بين  صحة  الوطنية نسبيا  ونظريا  وبين أخطاء المواطنة , خاصة من قبل السلطة , التي علمت البشر  الرياء ,  علمتهم  فنون التشدق الكاذب  وتزييف المواطنة , وعلمتهم  التدني  الأسطوري في المستوى  الأخلاقي للممارسة ..الوطني الأول  هو المواطن الأول في سرقة الوطن , الوطني الأول  في حماية القانون  هو أول مواطن يخرق القانون ,الوطني الأول في  الاستقامة وعدم الفساد , هو أول مواطن يمارس الفساد , ولو حصرنا نظريا  كل جوانب  المواطنة  بجانب واحد هو الأمانة والاستقامة , وسألنا أنفسنا عن نسبة  الأمناء المستقيمين في  الرتل الأول أو الثاني من السلطة , هل يوجد بينهم  أمين أو مستقيم واحد ؟؟؟لا أظن , مليارات الرتل الأول والثاني  وملايين الرتل الثالث والرابع هم البرهان القطعي على تدهور  الوطن بنيويا وأخلاقيا , وطن متدهور  لايستطيع  أن يحافظ على الوحدة الوطنيبة   , ولا يستطيع استرداد الأرض المحتلة ولا مقاومة الاستعمار , هو وطن عاجز ومعاق  ومعرض الى حروب أهلية تناحرية  ستقضي عليه نهائيانحول   مفهوم الوطنية في الوعي  الفاعل للشعب  (البدائي) ,  ليغدو مفهوما فاعلا للتفرقة الوطنية وقاتلا للوحدة الوطنية بشكل غير مباشر  ,ذلك  لأن  كثرة   استخدام هذه المفردة في تعريف  حالة  مواطن ما , مقرون  بتكاثر استخدام مفردة  الخيانة في  تعريف حالة مواطن آخر  , ومن هنا يأتي “محصول” التفرقة  الوطنية لهذا الاستعمال , وبقدر مايتحدث الانسان عن وطنيين , يجب أن يتحدث عن خونة ,وهذه هي الكارثة  التي تقضي على الثقة بين  فئات المجتمع , وتقضي أيضا على  المساواة  , وتشجع الديكتاتورية  , بل هي ضرورة من ضرورات الديكتاتورية , التي تعتمد على الاقصاء والاستقطاب  والفردية , ولا يمكن للديكتاتورية أن تبرر وجودها  منطقيا , الا عن طريق تأكيد خيانة فئة  ومواطنية فئة أخرى , والفئة “الوطنية” التي يمثلها الديكتاتور هي الفئة  التي  تحتكر الحكم  لأنها وطنية , أما الفئة الأخرى  فهي فئة الخيانة , التي  ينعم عليها الديكتاتور  , في أحسن الحالات, بالسجن الملطف  والتعذيب المخفف .. أي أنه يحاول تأديبها  وتدريبها  لكي تصبح “وطنية ” وتنضم الى قطيعه ..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *