الوطنية والمواطنة والخيانة

May 31, 2012
By

تاريخيا يمكن القول  غلى أن مفهوم الوطنية  أوروبي المنشأ  ,  فقد نشأ هذا التعبير في أواخر القرن الثامن عشر    مرافقا  لنشوء الفكر  القومي , لذا يتم أحيانا المزج  بين  الوطنية والقومية  ,وكأنهما  قيمة واحدة ;الوطنية فرضت نفسها   كاطارلتلاحم  الفرد مع  مكون  جغرافي  وشعبي واجتماعي  , اسمه الوطن  ..أي  أن نشوء مايسمى الدولة القومية أو الوطن جاء بالوطنية الضرورية لصيانة وحماية الوطن  , مفردة “الوطنية ” جديدة جدا في العالم العربي , وقد لايتجاوز عمرها مئة عام .

بهذه المناسبة  يجب التنويه الى حالة اساسية في التاريخ العربي , وهي حالة الاحتلال التركي للمنطقة  ومقاومة هذا الاحتلال  , اذ ان المنطلق الرئيسي للمقاومة لم يكن الدفاع عن الأوطان  , وانما  النزاع  على  الخلافة  ,  التي  اغتصبها الأتراك  , والتي  هي  من  حق   احفاد النبي,  ولم تكن الوطنية  الكلاسيكية  هي المحرك للحراك ضد الترك , فأكثر الأمر كان  مايشبه صراع داخلي  على الخلافة في  بلاد  الاسلام  , ولم تكن  النظرة الى الأتراك  كمستعمرين خارجيين واضحة , كما كانت النظرة الى الفرنسيين والانكليز على سبيل المثال

على الرغم من  أن منشأ  قيمة “الوطنية” ليس عربي  ولا شرقي , الا أن تداول هذه القيمة  هو على أشده في البلاد العربية  , ففي أوروبا مثلا  نادرا مايتكلم  أحد عن الوطنية  أو القومية  , ومن يتحدث عن الوطنية  بالشكل العربي يجعل من نفسه مضحكة ,  ذلك لأن  الكلام عن  وطنية فلان مقرون  دائما  بالكلام  عن عدم وطنية الآخر  ,والمبالغة في   استخدام مفردة “الوطنية ” هو ملازم للمبالغة   في استخدام مفردة “الخيانة” ,  وقد يحدث  خلال عقود من الزمن  أن يطلق في أوروبا  على انسان كلمة خائن , أما في بلادنا  فتستعمل هذه الكلمة مئات  الألوف من المرات يوميا ,  من له رأي آخر  فهو خائن ..هكذا بكل بساطة وتلقائية , لقد شذ  المعنى العملي لهذه الكلمة عن المعنى الحقيقي , لقد أصبح , في سياق افلاس  القيم بشكل عام  ,عبارة عن  مفردة  لكيل المديح , والأصح أصبحت بوابة  تدخل منها مفردة أخرى هي مفردة “الخيانة” , التي  أفلست أيضا   ولم تعد تستعمل الا  للشتم  والقدح والذم ,وبهذه المناسبة أريد  التنويه , على أن قرأة  مقال ميشيل كيلو , والمنشور في هذا الموقع ,والذي  يتحدث عن وطنيتين  , وطنية النظام والوطنية الجديد , كان الدافع لي  لمحاولة  التطرق الى موضوع الوطنيات وتعددها وأشكالها .

مضامين ومعايير الوطنية   تختلف من  دولة عربية لأخرى  وفي الدولة نفسها من فئة لأخرى يختلف  معنى هذه المفردة   على مستوى الوعي الفردي والجماعي , والتباين على أشده بين  الديموقراطيات والديكتاتوريات  , وبين المشيخات  والجمهوريات… الخ   , ففي المشيخة  مثلا  يتقزم هذا التعبير   ليأخذ شكلا فقهيا  , لايتجذر به مفهوم الوطنية  بشكله الحديث  المعروف أوروبيا ,  فهناك الأمة الاسلامية , وعن الوطن  فالحديث قليل جدا أو معدوم  ,وذلك على الرغم من  ان الجماعات الاسلامية  تعيش في أوطان  محددة جغرافيا   وشعبيا  ومعترف بها عالميا , هؤلاء يشعرون بانتمائهم الى  “أمة”  أكثر من انتمائهم الى “وطن”  , بالتأكيد هناك أسباب شبه فقهية لهذه النظرة   ,  التي لامجال لبحثها تفصيليا في سياق هذا الموضوع  .

يتعلق مفهوم الوطنية في الغرب الديموقراطي  , أولا  بموضوع الأرض وما  عليها , اذ ان الهدف من الممارسة الوطنية هو  رخاء وازدهار وتقدم الجماعة ,  أما في الشرق  الفردي الديكتاتوري  فقد كان من الضروري    تحوير مفهوم “الوطنية ” لكي يتناسب  مع “الشخص”   المتسلط وأهدافه ونزواته , حيث   ألغي  الشخص  ملكية الأرض  لمن عليها   , وأصبح هو المالك  للأرض وما  عليها أيضا  , لذا تتمحور كل  “مصلحة” حول ذاته وذواته  ونزواته , وبالتالي كان لقيمة الوطنية أن” تتأدب  وتتدرب”   على  الوضع الجديد  وتتناسب معه .

التأديب والتدريب يعني الكثير من التحوير , وأهم تحوير هوتحول  فاعلية  مفهوم الوطنية في الوعي  الفاعل للشعب  (البدائي) ,  ليغدو مفهوما فاعلا للتفرقة الوطنية وقاتلا للوحدة الوطنية بشكل غير مباشر  ,ذلك  لأن  تكاثر  استخدام هذه المفردة في تعريف  حالة  مواطن ما , مقرون  بتكاثر استخدام مفردة  الخيانة في  تعريف حالة مواطن آخر  , ومن هنا يأتي “محصول” التفرقة  الوطنية لهذا الاستعمال , وبقدر مايتحدث الانسان عن وطنيين , يجب أن يتحدث عن خونة ,وهذه هي الكارثة  التي تقضي على الثقة بين  فئات المجتمع , وتقضي أيضا على  المساواة  , وتشجعغ الديكتاتورية  , بل هي ضرورة من ضروات الديكتاتورية , التي تعتمد على الاقصاء والاستقطاب  والفردية , ولا يمكن للديكتاتورية أن تبرر وجودها  منطقيا , الا عن طريق تأكيد خيانة فئة  ومواطنية فئة أخرى , والفئة “الوطنية” التي يمثلها الديكتاتور هي الفئة  التي  تحتكر الحكم  لأنها وطنية , أما الفئة الأخرى  فهي فئة الخيانة , التي  ينعم عليها الديكتاتور  , في أحسن الحالات, بالسجن الملطف  والتعذيب المخفف .. أي أنه يحاول تأديبها  وتدريبها  لكي تصبح “وطنية ” وتنضم الى قطيعه ..

مع كل مشكلة تواجهها  الدولة  ومع كل فشل للسلطة في ادارة شؤون البلاد   يتكرر الحديث عن المؤامرة ، التي تصنف الشعب الى صنفين  , الصنف الوطني والصنف الخائن  المتآمر , تصنيف يلغي امكانية  الحوار  وامكانية الكلام  بين الأصناف , وهذا الالغاء   هو هدف أساسي لأي سلطة ديكتاتورية , فالسلطة الديكتاتورية لاتحب الكلام  وتبادل الأفكار , لأنه لافكر عندها , وما تمكلكه  تستخدمه , انه  السوط  والساطور  , الذي ينهال على رقاب البشر  تحت أنغام الأهازيج  والأناشيد والشعارات  , التي تمجد القائد   وتتغنى بالوطن , ثم يأتي دور رجال المخابرات   لتوزيع شهادات الوطنية    على البشر , ومن هو  ليس وطني   حسب  تقييم المخابرات  يؤول الى الاعتقال  والتعذيب ,   حيث  تدور بعد ذلك مكنة التواسط  ودفع البراطيل لاطلاق سبيل المنكوب, كل ذلك  باسم وبرسم الوطنية  وباسم وبرسم رديفها , الذي هو الخيانة ,  وكل ذلك  هو من مصلحة الديكتاتورية , التي  تفرق لتسد ..تفرق طائفيا , وتفرق عرقيا  وانتماء ,   وتقسم البشر الى وطني وخائن ..فزيادة التشديد على الوطنية يتناسب طردا مع زيادة الحاجة الى الدجل  عند حدوث المشاكل , التي لاتقوى الديكتاتوريات على حلها , حيث يصل انتاج الشعارات الى أوجه , اما العمل بهذه الشعارات  فيبلغ أدناه , وحيث  يتكاثر منظروا الوطنية   وتتكاثر دروسهم  ومواعظهم بما يخص  معالم الوطنية كالأمانة والاستقامة  وغير ذلك , كبير اللصوص  يتحدث عن الأمانة  وكبير الطائفيين يتحدث عن مضار الطائفية   وكبير الفاسدين   يروج للاصلاح  , مع العلم على أن وجود هذا الفاسد مرهون  بالجو الذي يسمح ويشجع على الفساد , والاصلاح يعني نهاية هذا الفاسد .

الحل الأمني   هو مطلب جماهيري  , وفرض من فروض الوطنية  , هكذا يقول وزير الخارجية  وهذا ماتروجه أجهزة الاعلام الرسمية , ولا يمكن تطبيقف الحل الأمني  , الذي يجيز قتل المعارض  واهاق دمه, دون  تصنيف المعارض  في مصنف الخيانة  , وتصنيف الذات في مصنف الوطنية , وهذا التصنيف يأسر  , ويدخل  من يستخدمه في نفق  اللاعودة  , وهذا مانراه في سياق الحل الأمني  الخاطئ , حيث من الصعب على مهندس   هذا الحل أن يتراجع عن الخطأ , وذلك لتمركزه في خنق  التخوين  والمواطنية الصالحة  التي يحتكرها المهندس , مما قد يكلف الوطن كامل وجوده  ويقود الى فنائه بشرا وحجرا .

الوطنية قناعة وادراك , والمواطنة هي ممارسة , وعندما تتباين  الممارسة عن القناعة والادراك  يحدث الخلل , الذي قد يقضي على الوطن , أو في أحسن الحالات تحويل الوطن الى موطن , أي ألى مايشبه الفندق , والخلل السوري الذي قاد الى تحول الوطن الى موطن  نجم عن  التباين بين  صحة  الوطنية نسبيا  ونظريا  وبين أخطاء المواطنة , خاصة من قبل السلطة , التي علمت البشر  الرياء ,  علمتهم  فنون التشدق الكاذب  وتزييف المواطنة , وعلمتهم  التدني  الأسطوري في المستوى  الأخلاقي للممارسة ..الوطني الأول  هو المواطن الأول في سرقة الوطن , الوطني الأول  في حماية القانون  هو أول مواطن يخرق القانون ,الوطني الأول في  الاستقامة وعدم الفساد , هو أول مواطن يمارس الفساد , ولو حصرنا نظريا  كل جوانب  المواطنة  بجانب واحد  , هو الأمانة والاستقامة , وسألنا أنفسنا عن نسبة  الأمناء المستقيمين في  الرتل الأول أو الثاني من السلطة , هل يوجد بينهم  أمين أو مستقيم واحد ؟؟؟لا أظن , مليارات الرتل الأول والثاني  وملايين الرتل الثالث والرابع هم البرهان القطعي على تدهور  الوطن بنيويا وأخلاقيا , وطن متدهور  لايستطيع  أن يحافظ على الوحدة الوطنيبة   , ولا يستطيع استرداد الأرض المحتلة ولا مقاومة الاستعمار , هو وطن عاجز ومعاق  ومعرض الى حروب أهلية تناحرية  ستقضي عليه نهائيا

Tags:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • نصر الله والداء الأسدي !

    بقلم : أحمد عمران *** طوال سنين  وحتى  الضربة الاسرائيلية ماقبل الأخيرة  لم يكف نظام الأسد   عن ترديد  اسطوانة الرد المناسب بالشكل  والوقت المناسب لحظة ,  بعد الضربة ماقبل […]

  • الممانعة ظاهرة صوتية !

    بقلم :جورج بنا بالرغم من قدم  شعار “الممانعة”  , أعترف على أني لم أفهم مضامينه  بشكل كاف لحد الآن  , فالرئيس بشاار الاسد يعتبر نفسه ممانعا  , ويعتبر  الرئيس اللبناني  […]

  • حتى أمام القاعدة ,انهزمت الأسدية اخلاقيا

    الخبر التالي نشره موقع الحقيقة,  وملخص ما اراد الموقع المذهبي قوله , هوأن   شعبية القاعدة ساحقة  في ادلب, ثم هناك بعض المعتنوهين  من أمثال  ياسين الحاج صالح ورياض الترك […]

  • معنى أن تفاوض إيران عن بشار الأسد .. ومعنى أن يخرّب بشار مسعاها

    زهير سالم: على خطورة الدلالات السيادية والسياسية أن تقوم إيران جهارا نهارا بالتفاوض عن بشار الأسد حول ما يجري على الأرض السورية الداخلية ، في الزبداني وفي كفريا والفوعة ، […]

  • الأزمة السورية ..تقرير مجموعة الأزمات الدولية

    مجموعة الأزمات الدولية هي  عبارة عن مجمورة من الخبراء  الذين يعملون بدون ريع  , وهذه المجموعة تعتني بتقييم  وتحليل الكثير من مشكلات  العالم , وقد كتبت تقريرا بخصوص سوريا  سأنشر […]