في مديح دولة المواطنة , وهجاء دولة الديكتاتورية,الوطن الذي تحول الى موطن !

April 22, 2012
By

لافروق كبيرة بين بنيات الشعوب العربية , ولا فروق كبيرة بين ديكتاتورياتها , وبالتالي لافروق تذكر بين  الحلول لمشاكلها , وأقرب الدول العربية الى  بعضها البعض  هي العراق وسوريا  , حيث هناك انظمة جمهورية  (شكليا) وحيث هناك البعث  والتوريث  ,  ثم الطائفية  , والصراعات الفئوية   التي  انحدرت  من  المستوى القومي  الى المستوى المذهبي   الشخصي العائلي العشائري , كما أنه لافرق كبير بين  الوضع الدولي بالنسبة للعراق وسوريا ,  حيث العقوبات , التي  انهكت الشعب العراقي , وفي طريقها الى انهاك الشعب السوري , كل ذلك تكلل في العراق بالغزو عام 2003 ,  ولا يمكن القول  باستحالة  غزو سوريا دوليا. المستقبل  معتم وداكن السواد , وسوريا في طريقها لتصبح  خراب,  أو بالأحرى أصبحت خربة

سوريا تعاني  , كأي دولة  خاضعة للديكتاتورية المزمنة من  فقدان قيم   . وامتلاك قيما أخرى  , وما فقدته سوريا  بشكل رئيسي  هي قيم “المواطنة”  وما  كسبته  هي قيم  شوهت  وجه المجتمع السوري  وممارساته   , ما خسسرت سوريا هو  دين المواطنة المدني , وما كسبته هو  دين  الانتماءات الفئوية  الطائفية.

الدولة  ترتكز بشكل رئيسي على  المواطنة  , التي   تقوم على أساس  ائتلاف مجموعة  بشرية متعددة الأطياف  دينيا وعرقيا وقوميا ..الخ  ثم دمج كل ذلك في  كيان سياسي  وجغرافي واحد   , وبذلك تستحق تسميتها دولة  ,الدولة السورية  فقدت هذه المقومات   , وذلك لانها انحدرت من مستوى  الجامع لكل الفئات , الى مسنوى المفرق للفئات عن بعضها  البعض ,  ولم تعد هناك من طريقة لتعامل الفئات مع بعضها البعض  الا طريقة  “السيطرة” , أي ان فئة يجب أن “تسيطر” على فئة أخرى , وذلك لمنع الفئة الثانية من “السيطرة ” على ألاولى , ثم ان السلطة   جددت جددت نمطا قديما  , هو نمط  التقسيم الطائفي للمجتمع , الذي يحجر ويكلس فئاته  , ويجعل من الحروب بين هذه الفئات أي الحروب الأهلية,  أمرا لامناص منه , فالحروب الأهلية تصبح  الزاما  عندما   تتقلص خيارات المواطن  الى خيارين ..اما قاتل أو مقتول ,ولا يريد احد أن يكون  مقتولا , لذا يتحول الجميع الى قتلة  , والى القتال , وها نحن في هذه المرحلة .

لاتوجد دوافع للدفاع عن وطن   تحول الى موطن , والفرق بين الوطن والموطن , هو كالفرق بين البيت والفندق , فعلاقة الانسان  ببيته , هي غير علاقته بفندقه , وتحت ظل الديكتاتوريات يتحول الوطن الى موطن (في أحسن الأحوال) , وتصبح علاقة الانسان بالموطن  علاقة هشة  تقتصر على تبادل بعض المصالح الهامشية , لاروح بها  ولا قدسية لها  , هي علاقة محدودة  زمنيا  , لاعمق بها , ولا تشابه بها بين مصير المواطن ومصير الموطن , لكل مصيره , وهنا الفرق بين الموطن والوطن , حيث انه للمواطن والوطن مصير مشترك , وفكرة المصير المشترك هي الفكرة التي  تدمرها الديكتاتوريات أولا ,والمواطن  لايريد مصيرا مشتركا مه الديكتاتور , الذي  يختذل الوطن بشخصه أو بحزبه أو عائلته أو جماعته أو عشيرته , والغربة الأكبر بين الوطن والمواطن  تحدث  عند اختذال الوطن بالشخص , لأن الاشكال الأخرى للاختذال    بالعشيرة أو بالحزب تعتبر  اشكالا راقية بالنسبة للاختذال بالشخص , ماهو موجود عندنا في سوريا هو من أخطر  وأعتى وأضر أشكال الاختذال , ومن هنا فان  تغرب المواطن عن وطنه هو من أشده .

الانظمة الشمولية والديتاتورية القائمة  على اكتاف الحزب الواحد أو الشخص الواحد  والتي تختصر البلاد بأكملها  تاريخيا وقانونيا  وسياسيا  بتاريخ وقانون وسياسة الشخص , هي انتهاك لقضية المواطنة , انتهاك يحول الوطن في أحسن الأحوال الى موطن ..الى فندق ,  ذلك لأنه لايمكن اختصار  الوطن بكامله   ثقافيا واجتماعيا وسياسيا بالشخص ,  الفلسفة والتاريخ والسياسة لها منبع واحد  هو أقوال الرئيس , وحتى  نوبات  الضحك التي تنتاب الرئاسة  في معظم الحالات  هي نوع من الابداع   الرئاسي , الذي  يطلق  العنان لنوبات التصفيق , كلما ضحك صفق القطيع , وهل يمكن  اعتماد هوية للمواطنة عندما يتحول أمر الوطن  الى مهزلة  تهريجية من هذا النوع , والضحك المضحك ليس بالكارثة الأكبر ,  فكارثة  اغتيال الحريات  واغتيال الحقوق الاساسية للمواطن  واشاعة التمييز  القومي والديني  في المجتمع وما يتبعه من  تعصب وعنصرية   وما يتلوه من  صراعات وكراهية   وزعزعة للسلم الأهلي  , وما  يعقبه من تعريض البلاد الى مخاطر الحروب الأهلية , هو المهم , والأكثر أهمية , لقد ضحك التاريخ منا في سوريا , وأصبحنا شراذم تتقاتل  ببربرية لامثيل لها , وصلنا الى  حضيض  الانحطاط .

لقد كان من الممكن تجنب كل ذلك , وكان من الممكن بناء دولة مدنية ديموقراطية حرة  تحت سقف من العدالة الاجتماعية  والشرعية  الداخلية والخارجية , وكان من الممكن ان تصبح هوية السوري “مفخرة” في العالم  وقدوة لشعوب الأرض , الا أن البعث وقياداته والرئاسات  والعائلات لم تدرك ذلك على مدى نصف قرن من الزمن , ولم يكن بمقدورها التعلم  ولا تحليال الأحداث  واستنباط الخبرات الايجابية منها , فهمها الوحيد كان  الاثراء المادي  التافه , فكل شيئ يدور في الموطن حول المليارات  وحول الطرق التي تسمح لهذا أو ذاك باقتناصها ,  والنتيجة هي  كما يرى من فقد البصر  كارثة  فقدنا كل شيئ  حتى الكرامة  وتحول وطننا الى موطن , يا للعار

Tags: , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • تحولات مهمة!

    مقالة جعلت عنوانها «نظم عاجزة ومجتمعات ضعيفة». واليوم لا يخطر ببالي عنوان لمقالتي هذه أكثر تعبيرا عن واقعنا الراهن من «نظم متوحشة ومجتمعات مدنية»، أو «نظم ضعيفة ومجتمعات قوية». أثبت […]

  • طرق الخيار في السياسة

    بقلم:مادلين بوزيوس لايمكن التكلم عن طرق الخيار السياسية في سوريا , لأنه وللأسف لايمكن للمواطن السوري أن يختار  , ونظرا  لاخصاء المواطن السوري سياسيا على مدى نصف قرن  من الزمن  […]

  • أرفض الغاء المادة الثامنة “رفضا قاطعا”..عمار الساعاتي في حوار مع حسين الزعبي

    اختتم منذ أيام اللقاء التشاوري, كيف تنظرون كاتحاد طلبة الى هذه التوصيات ؟؟ لي ملاحظات كثيرة على اللقاء التشاوري، فهو يفتقد التكريس الحقيقي للديمقراطية، وملاحظاتي تبدأ من الهيئة التي شكلت […]

  • صناعة القتل الأسدية ودور المثقّفين

    بقلم:ياسين الحاج صالح كانت أسوأ التقديرات عن عدد ضحايا الاعتقال والتعذيب في سجون النظام السوري تتكلم على نحو 3000 ضحية. حتى أواخر شهر آب 2013، كان «مركز توثيق الانتهاكات» الذي […]

  • سوريا: المعادلات المستحيلة

    تبنـّت سوريا، وعلى مدى عقود طويلة سياسة خارجية صلبة وعنيدة في مقارعة وإحباط محاولات الهيمنة الغربية على دول المنطقة، واتخذت والحق يقال، خياراً مستقلاً، سيادياً، وطنياً، مقاوماً، وممانعاً جعلها في […]