سمير صادق :
منذ سنوات لابل منذ قرون والحالة السورية تزداد سوءا , وحتى بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب الساخنة ومن الدمار والهجرة والهروب واللجوء والنزوح والقتل والترمل والتثكل والجوع والفقر , لاتلوح في الأفق أي بادرة لحل سوري على يد سورية او على يد اجنبية , لقد أصبح لزاما على السوريين قبول مايفرض عليهم من حلول حتى الوصاية تحولت الى ضرورة حياتية, أكاد أجزم بأن معظم السوريون الآن يتحسرون على رحيل فرنسا , ومعظم السوريون يقبلون بدون الكثير من النقاش والأخذ والرد أي حالة تؤمن حاجات المعدة , لم يعد للحرية السياسية أو للديموقراطية الكثير من الأهمية , الجوع الغى العديد من الاهتمامات , وأرغم الناس على تقبل حياة المعلف والزريبة .
تحليلا يمكن الحديث عن كم هائل من مسببات الكارثة , ولنذكر للمرة المئة على الأقل انتشار الفساد كوباء وغياب الحريات وانعدام الديموقراطية وتغيب سيادة القانون واغتيال المواطنية وانعدام المستقبل ثم احتكار القرار وغربة النظام عن الشعب , ثم الحلول الأمنية التي حققت كل سلبية وأول السلبيات انعدام الأمن الفيزيائي والاقتصادي والفكري والغذائي حتى الأمن الاعتقادي , ثم تطور الأحدث , التي ايقظت الفصائل المسلحة, التي ضاعفت المشاكل السورية وقضت نهائيا على محاولة ازاحة النظام , اذ انه ليس من العقلاني ترحيل الأسد واستقبال الجولاني وغيرهم .
الفصائل وهبت الأسدية الحياة , لذلك هناك الآن قناعة بأن الهم الأول هو القضاء على النشاط العسكري لهذه الفصائل ثم الالتفات الى الأسدية , هذا اذا كان ذلك ممكن , وقد يكون ممكنا بظروف مناسبة .
لقد أوصلتنا الفصائل الاخونجية المقاتلة الى حالة لم يكن من الممكن قبل سنوات تصورها , فمنذ ولادة الأسدية وهي تموت تدريجيا, وتسارع موتها بعد عام ٢٠٠٠ , وعندما اندلعت الثورة منتصف آذار ٢٠١١ توقع كل الناس تقريبا سقوط الأسدية , الا أن نهاية الأسدية تحولت بنهاية عام ٢٠١١ الى بداية جديدة , وذلك بعد تمكن الفصائل بشكل متزايد من اختصار الخيارات الى خيارين , الكتائب الأسدية او الفصائل الجهادية ,وما لم تتوقعه الفصائل كان تحول الأسدية في الخيار المخنوق بثنائية الفصائل والكتائب الى الخيار الأول داخليا وخارجيا, لقد كانت هناك بالتأكيد خيارات أخرى , لكنها لم تتمكن من طرح نفسها على الساحة العسكرية المهيمنة , الخيارات الأخرى لم تكن حربية , لذلك لم يكن لها وجود على ساحات القتال ,وسوف لن يكون لها وجود قبل تنظيف الساحات من الحروب والمحاربين والمجرمين , عندها تعود السياسة الى الممارسة وستكون لها عندئذ الكلمة الأولى والأخيرة .
السؤال كيف يمكن تنظيف الساحات من الحرب ومن العنف ؟
من غير الممكن ان يتم ذلك على يد داخلية , لا بد في هذه الحالة من تدخل خارجي قوي ينزع السلاح العشوائي ويضع السلطة بيد مدنية يتكفل بحمايتها لفترة محدودة كافية لتأسيس دولة المؤسسات ودولة السياسة المدنية .
مهما اختلفت تسميات هذه القوة الخارجية , ومهما اختلفت مصادرها , تبقى قوة مصنفة في مصنف الاستعمار , والاستعمار مفهوم ينطوي على قيم انسانية رائعة , لطالما كان مضمونه اعمار البلاد او المساعدة في الاعمار واسعاد البشر من خلال مبدأ التعاون بين الشعوب , تبقى الشعوب المتخلفة والمنتجة للاشكاليات , التي لاتتمكن من السيطرة عليها , من حيث القيمة الانسانية الوجودية جزءا حيا من امم العالم , ومن الطبيعي ان لاتكون كل امم العالم متوازية في تقدمها او تأخرها ونوعية مشاكلها , وفي اكتشافها لمعاني الحياة وطرق العيش .
بهذا المعنى وقف المثقف العضوي غرامشي الى جانب الاستعمار التعميري وليس ضده , وبهذا المعنى وقف المفكر الجزائري مالك بن نبي , الذي تحدث عن مفهوم التخلف والقابلية للاستعمار , الذي يعني بالنتيجة ضرورة استدعاء الاستعمار التعميري , الذي يمكنه المساعدة على تجاوز مفهوم التبعية المعبر عن ازمة نفسية .
من يريد التأكد من وجود استعمار تعميري , عليه القاء نظرة على سوريا او على بلاد الشام عموما , هنا يبدو واضحا كم عمر الاستعمار الروماني , وكم هدم الاستعمار القريشي العثماني في القرون الأربع عشر الأخيرة , نظرة الى الخارج مثلا باتجاه المانيا او اتجاه اليابان او جنوب كوريا تؤكد حقيقة كون الاستعمار احيانا معمر واحيانا اخرى مخرب , هنا لايجوز القول ان الاستعمار مخرب دائما او أن الاستعمار معمر دائما .
بالنسبة لسوريا لامناص من الاعتماد على قوة خارجية من اجل تنظيم البلاد سياسيا واقتصاديا وعمرانيا , رفض هذه القوة يوازي قبول اندثار سوريا كدولة , أصلا تتواجد سوريا الآن تحت العديد من الوصايات الكولونيالية المختلفة والمتصارعة , التي تخرب ولا تبني , تهدم ولا تعمر , تكمن المسألة جوهريا في استدعاء استعمارا يعمر ولا يهدم , يبني ولا يخرب , واذا شملت وظيفة هذا المستعمر اعادة البناء المدني ولو جزئيا, فليقل لنا جهابذة الوطنية من اين ستأتي مئات المليارات الضرورية من اجل اعادة بناء البنية التحتية فقط , ناهيكم عن مئات الاشكاليات الأخرى , التي لاتقتدر سوريا على حلها , ولا توجد عن المحتلين الحاليين النية او المقدرة على حلها .
