ممدوح بيطار :
هل يمكن ” العيش معا متفقين ولكن مختلفين “؟ سؤال مهم بالنسبة للمجتمعات التي لم تعرف بعد الديموقراطية والمساواة , ولمجتمعات المساواة والديموقراطية , التي حققت امكانية العيش معا متفقين ومختلفين بآن واحد , والعيش معا بتلك الصيغة , قاد الاتفاق في الاختلاف الى التقدم والارتقاء , بينما تأخرت الشعوب التي لاتعرف الاتفاق في الاختلاف , لاتخلو حياة اي مجتمع من اشكاليات ومشاكل , حلت مجتعات الاتفاق مع الاختلاف مشاكلها بالوسائل السلمية , بينما غرقت مجتمعات التناحر بسبب الاختلاف بالمشاكل التي أوصلت هذه المجتمعات الى حافة الاندثار والانتحار .
لاتزال مجتمعات وشعوب هذه المنطقة قاصرة بخصوص استيعاب مفهوم “الوحدة في الاختلاق والتعددية ” ومصرة على فرض التجانس من منطلق التوحيد المريض ,ولا تزال عاجزة عن الشفاء من مرض التوحيد والتجانس القسري , فلكي يتمكن الكردي او الأمازيغي من العيش مع العربي , عليه ان يتحول الى عربي , واذا لم يتمكن او يريد فسيرغمه السيف لكي يريد , تقول التيولوجيا المحلية بضرورة تجانس الأمة , أي تجنيس الجميع بجنسية واحدة ,كتعريبهم على سبيل المثال.
فرض التجانس عصاب وغباء وجهل , نظرة الى قاموس المعاني تظهر ان التجانس يعني شيئا لاتعرفه الشعوب, فتجانس شخصان يعني اتحاد شخصان في الجنس والصفات الأخرى , وكيف يمكن للفئات أن تتحد في الجنس والصفات الأخرى ؟ , حتى التوائم عجزت عن ذلك ,للاختصار والتوضيح اورد ماجاء في كتاب علم الاجتماع للمرحلة الاعدادية :”نحن نحيا في مجتمع يتميز باختلاف أفراده ومجموعاته , فنجد الاختلاف على خلفيات دينية , قومية , جنسية , تربوية وغيرها , ولكل من هذه المجموعات توجد ميزات وخلفيات وتطلعات متباينة , ولكي نستطيع العيش في بيئة آمنة صحيا وتربويا , يتحتم علينا أن نستوعب الآخر بالرغم من جميع اختلافاته , أن نرى المميز به , وأن نسعى لايجاد القاسم المشترك بيننا , ليشكل ذلك أساسا للعيش التوافقي , ولبناء قاعدة متينة للمستقبل , مع تقبل الآخر نحافظ على بيئة تلائم جميع الأفراد , وتلبي الحد الأدنى لطموحاتهم واحتياجاتهم , هنا يتم خلق التوازن الداخلي وخلق انتماء مشترك لدى الجميع , هكذا فقط نعزز الشعور بالانتماء وشرعية الوجود لدى كل فرد ,كل ذلك يخلق لديه الرغبة باستثمار امكانياته لخدمة مجتمعه” هذا هو علم الاجتماع في المرحلة الاعدادية , الذي ينفي ويرفض الادعاء بأن الشعب متجانس او عليه ان يكون متجانس , الادعاء يمثل قمة الضحالة الفكرية , وكأن هؤلاء لم يزوروا المدرسة , لقد زارها وتلقنوا كل ذلك دون ان يفهموه , هنا تكمن المشكلة الأكبر , اي التلقين دون فهم .
تعبر نزعة التجانس , التي تطورت حتى الى فرض التجانس بالقوة , عن الشعور الدفين المبهم بوجود نوعا من التفكك الطارئ في الحياة العربية , لقد صورت العروبية مجتمعات هذه المنطقة بأنها كانت واحدة متجانسة , بينما تاريخيا لم تكن واحدة ولم تكن متجانسة , فقبل اقامة الأمبراطورية العربية , اي الخلافة , كانت هناك وحدات بشرية كوحدة وادي النيل او وحدة بلاد الشام او وحدة الجزيرة العربية, ولم تكن هناك وحدة طبيعية وطوعية بين مصر والعراق على سبيل المثال , لكن مصر والعراق والمغرب وغيرهم تحولوا بعد الفتوحات الى اجزاء من تلك الأمبراطورية , التي ضمت ايضا الهند واسبانيا وغيرهم , اقامة هده الأمبراطورية عن طريق الاحتلال العسكري مثل رغبة وارادة ومصالح المحتل , ولم يكن تعبيرا عن رغبة وارادة شعوب المستعمرات .
يعود الشعور بالتفكك الى افتراض وجود توحد طبيعي تلقائي طوعي بين شعوب ومناطق تحولت بدءا من قبل مايقارب ال ١٤٠٠ الى وحدة ادارية في اطار الأمبراطورية , ارتبطت هذه الوحدة الادارية بمركز الخلافة كما ارتبطت الهند بمركز الأمبراطورية البريطانية , دون ان يعني ذلك ان الهند وبريطانيا شكلوا وحدة بشرية او جغرافية او ثقافية , الكومنولث ليس اتحاد او وحدة , انما منظومة تتواجد بها دولا مختلفة كأعضاء وليس كأجزاء من بريطانيا ,
افتراض ضرورة اعادة التجانس لم يكن العامل الوحيد الذي دفع العروبين الى بذل كل تلك الجهود من أجل الوحدة وتحقيق التجانس من جديد , لقد كان لديهم يقين بأن عمر تاريخ هذه المناطق والشعوب كان ١٤٠٠ سنة فقط , اي أن ماقبل ذلك لايمثل تاريخا , أنه لاغي !, ويجب الغائه بكل وسيلة ممكنة ,من هذه الوسائل كانت المدرسة والتعليم , وهكذا لم تعلم المدرسة تلاميذها سوى تاريخ تلك القرون الأربع عشر , والأمر لم يقتصر على التعليم , لقد تعداه حتى الى محو اثار ماقبل تلك القرون الأربع عشر , محو الأثار كان بتدميرها وازالتها من الوجود , كما فعل الاستعمار العثماني وكما فعلت داعش بالآثار في تدمر وخارج تدمر.
تحولت الوحدة العربية الى مفهوم خلاصي شكلي , الى دولة شكلية بدون شعب , والى شعب شكلي بدون دولة , فكلما ارتفع منسوب الالحاح على الوحدة العربية , ارتفع بنفس النسبة تقريبا حجم التفتت واالتجزئة ومحاولات الانفصال , لايتطابق المفهوم الأمبراطوري الخلافي مع المفهوم التاريخي الممتد الى أعمق من ال ١٤٠٠ سنة الماضية , برهنت التطورات في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين عن قدرة مفهوم الوحدة العربية على تحقيق العكس مما ارادت , مما أكد اصابة هذا التفكير “بعلة” , وصفها انطون سعادة بالمرض النفسي ,الأصل ليس الوضع الأمبراطوري الحجازي الطارئ , والذي عمر ١٠٠٠ سنة ,اوالعثماني الطارئ الذي عمر ٤٠٠ سنة, أو الروماني الطارئ والذي عمر ٧٠٠ سنة , انما الحالة التاريخية الممتدة للعديد من آلاف السنين في عمق التاريخ .. للبحث تتمة
