عمدت حركة الاخوان منذ ولادتها في أواخر عشرينات القرن الماضي , وبعد انهيار الخلافة العثمانية على رسم صورة مثالية تخيلية تعظيمية لهذه الخلافة , وبذلك برر الاخوان مطلب اعادة الحياة الى الخلافة المنقرضة على الأقل بشكلها العثماني الأخير , مثلت هذه الخلافة العثمانية في طروحاتهم وأدبياتهم ذلك الأب الوفي للدين , آل عثمان ركن قوي من اركان الدين !, مارسوا الفنوحات ,واقاموا مركزية سلطانية مع تطبيق دقيق متطرف لنماذج الحكم الخلافي بكل معالمه ومهماته .
في اطار ذلك الوعي التعظيمي للخلافة العثمانية تقبل المكون العربي صيغة اليتيم , الذي وجد في الابوية العثمانية حاضنا وملجأ له , خاصة بعد تطبيق نظام الملل , الذي أمن للغلبة الغالبة مركزا مهيمنا مقارنة ببقية الطوائف , التي كان عليها الارتضاء والقبول بمراكز أدنى , وبذلك قسم العثمانيون المجتمع شاقوليا الى طوائف , وأفقيا الى فئات متمايزة بدرجات متباينة على مستوى الحقوق والواجبات , الغلبة كانت للغلبة الغالبة , التي هيمنت على المغلوبين من الطوائف الأخرى , وبذلك تحققت في نظر الغلبة مفاهيم الانصاف الطائفي , وكأن مفهوم الغلبة الغالبة شكلا من أشكال الديموقراطية .
العبرة والمشكلة كانت في انتقال مفاهيم الانصاف الطائفي بغلبة الغلبة الغالبة , شاقوليا وأفقيا الى الحاضر , واعتبار خروج السلطة من يدها خيانة للديموقراطية وعبثا بها , وذلك بالرغم من كون “الديموقراطية ” مفهوم لاعلاقة له بمجتمع الطوائف , وانما بالمجتمع السياسي , الذي يتحمل احتراما لحرية الاعتقاد صيغة طوائف المجتمع كانتماء أدنى من الانتماء الوطني السياسي , الذي يتمثل بالمجموعات والأحزاب السياسية .
عام 1923 الغى أتاتورك الخلافة واستلهم من الغرب نظم الادارة , وبدأت تركيا في بناء الدولة الحديثة , التي فصلت الدين عن الدولة وألغت نظام الملل وبالتالي حققت المساواة بين المواطنين , وضع أتاتورك الدين ورجاله في الصوامع وأقفل الباب عليهم , بذلك انهى أتاتورك قرونا من نظام الملة ونظام السلطنة العثماني , وحول الانتماء الديني الى انتماء ثانوي على مستوى الدولة , وبذلك تعافت تركيا من العديد الأمراض التي اضعفتها وأنهكتها .
بالمقابل أصيبت المجتمعات والشعوب العربية بالمرض العثماني , وفتح الباب على مصراعيه أمام الدين ورجاله وطبقت مبادئ الملل العثماني , التي تجلت دستوريا في العديد من المواد مثل دين رئيس الدولة ودين الدولة ثم قوانين الأحوال الشخصية والدساتير المشتقة من الشريعة ..الخ , هنا بدأ التنخر والتفتيت المتوقع يلم بالمجتمعات نتيجة لنظام الملل , وتحت اشراف التيارات القومية بالشراكة مع التيارات الدينية تحت شعار التوحيد , ثم التأخر تحت شعار التقدم , والماضوية تحت شعار الحداثة ,الى أن تحولت الدول التي قدمها الحلفاء لهذه الشعوب مثلا سوريا سايكس-بيكو الى شراذم وأطلال , من يقارن بين تركيا في منتصف وأواخر القرن العشرين وبين مجموع الدول العربية , يجد تعافى المريض التركي من المرض العثماني , وتقهقر او موت المريض العربي على المرض العثماني .
تميز الشكل الحديث لدولة أتاتورك العلمانية بمرجعية الدولة للمجتمع , وبالابتعاد عن مرجعية المجتمع للدولة أو السلطة أو الشخص, وبذلك تحققت شروط التغيير الحداثي في تركيا الأتاتوركية , بالمقابل اصطدم مفهوم مرجعية الدولة للمجتمع في البلاد العربية بعائق حركات الاخوان , التي عملت من أجل نظام الخلافة , الذي عظمته قبل ذلك وحولته الى قدوة ومثالية , تبرأت تركيا بشكل عام من العثمانية , بالمقابل ازداد تمسك الاخوان العرب بالعثمانية خوفا على امتيازاتهم المهددة من قبل ممارسات سياسية شبيهة بممارسات أتاتورك , لقد ارادو تكريس نوعا من تراثية العلاقات الاجتماعية الوطنية , حيث لاتشكل المواطنة جوهر وعيها , انما النفعية عن طريق مركزيتها المهيمنة على الهوامش أي الأقليات .
اراد الاخوان “تديين” السياسة و“تسييس” الدين , وبذلك لم يمثلوا حركة تطوير وتغيير اجتماعي الى الأفضل, وهذا ينفي عنهم صفة الثوار وعن حركتهم صفة الثورة , توسلوا المذهب وتطفلوا على السياسة بهدف اقامة “دولة السلطة” , وعرقلة اقامة “سلطة الدولة” , دولة السلطة كفيلة بالقضاء على المواطنة والسياسة والدولة بآن واحد , دولة السلطة ديكتاتورية بطبعها وطبيعتها , وبذلك مثلت الدولة المعاقة أو الدولة المتقهقرة التي ستنتهي حتما الى الاندثار.
