سمير صادق :
الطائفة كوطن , والوطن كطائفة …لم يكن للطائفة أن تكون مثقلة بدلالات سياسية , الا أن التطور المعيب والمزمن اتسم في انحسار مفهوم وطن المجتمع لصالح وطن الطائفة , الذي يتميز بالاحتماء بالطائفة كوطن وبتنافس هذا الوطن مع وطن المجتمع ويعاديه ويحرقه اذا تطلب الأمر ذلك , كم تغنينا بفسيفساء الشعب ؟ ,وكم ترافقت هذه الفسيفساء مع تأسيس البنية التحتية للهيمنة والتسلط , تحولت النعمة الى نقمة ..!!, تسلط طائفة على أخرى أو حتى على الجميع , هيمنة من المهد الى اللحد , كذلك يريدها الاخونجية أبدية , يشعرون بأنهم الغلبة الغالبة , وهكذا على الغير تقبل هيمنتهم وشرائعهم وهو صاغر الى الأبد !.
لماذا لم تنجح الحركات القومية في ترجيح كفة الوطن الاجتماعي؟, لأن الحركات القومية تقزمت الى الشخص , الى شخص عبد الناصر وأشباه عبد الناصر مثلا , أي الشخص القومي , لم تكن هناك حركات قومية بالمعنى الأوروبي للكلمة , فالفكر القومي الأوروبي اقام دولا وطورها الى الأفضل , أما في هذه المنطقة فقد كان الشخص القومي كالخليفة , الذي حول الخلافة الى شخص الخليفة, ممارسات الزعماء كانت كممارسات الخلفاء , فمن جلس منهم على الكرسي التصق بها كالخليفة حتى الممات قتلا , ومن النادر طبيعيا , لايعرف العرب رئيسا الا وكان ملكا أكثر من الملوك وخليفة أكثر من الخلفاء ..
الحركات التي سميت قومية كالقومية العربية لم تكن قومية الا بالقشرة وبدون جوهر ,القلب كان غيبي غبي , والحاكم أو الشخص القومي كان نبيا أو حتى الها , لذلك لايمكن القول أن الحركات القومية فشلت في تدعيم أسس الوطن الاجتماعي , لأنه حقيقة لم تكن هناك حركة قومية حقيقية , لذلك لم يبدأ حتى التأسيس الى وطن المجتمع , لايمكن الاستعاضة عن غياب الحركة القومية بحضور الشخص القومي , الذي ارتمى في شرك البديل الديني الطائفي , مما قاد الى وطن الطوائف , هنا كان الرئيس الورع أوالتقي النقي أوالرئيس المؤمن , ولا لزوم للحديث عن الملوك وحماية الحرمين الشريفيين ثم عن السلالات …الخ , لا عجب والحالة كذلك من تعمق تجذر مفهوم الانتماء الديني كبديل عن الانتماء الوطني , وترسيخ مفهوم الطائفة كوطن , الوطن الاجتماعي تقزم وتحول الى وطن شكلي , الوطن الديني الطائفي هو وطن شكلي بامتياز .
لاعجب في تميز الدول العربية والمجتمعات العربية بخاصة العنف, العنف كان دائما من معالم دولة الطوائف الدينية , الدين يمجد العنف ويمارس العنف ولا يشعر بتأنيب الضمير عند ممارسة العنف , فالجهاد فرض , وبالتالي تتميز الدولة الدينية بالعنف خاصة بأسوء اشكاله اي العنف المقدس , الذي تمتد جذوره في هذه المنطقة الى الماضي السحيق , العنف الذي فتت البنية الشعبية الاجتماعية ثم البنية الجغرافية بشكل غير مسبوق , كان استمرارا لممارسة العنف , الذي تربى الانسان عليه في هذه المنطقة , على يد الفاتحين من بدو الجزيرة وعلى يد السلاطين من آل عثمان طوال ١٤٠٠ سنة .
الدين عقيدة كغيره من آلاف العقائد التي عرفتها البشرية , عقيدة تأتي ثم تذهب , وبهذا تختلف العقيدة عن الوطن , الذي يمثل جوهرا ماديا ملموسا ببعد شبه أزلي , يحتضن الوطن العديد من العقائد , ولكن العقيدة لاتحتضن العديد من الأوطان ,لاتعرف الأوطان تطبيقا لمفهوم “من يبتغي غير الاسلام دينا فلن يقبل منه “, فالوطن مؤسس على التعددية , التي تقبل بأي توجه عقائدي للمواطن ,,يموت الوطن بتمزيقه , بينما تولد الطوائف بتمزيق الدين , التيار الذي يستبدل الوطن بالدين ليس تيارا وطنيا , انما تيارا دينيا , تقتصر المواطنة في أبسط صورها على الجنسية , ممنوع على الوطن تجريد اي مواطن من الجنسية , ولا علاقة مطلقة بين الجنسية ومكان الولادة , فالجنسية من ناحية المبدأ حالة مكتسبة , بعكس الجنسية الدينية الطائفية , التي لاتكتسب أنما تولد مع الوليد الجديد , لايسمح الدين للفرد بتعدد الجنسيات الدينية , بينما يحق للمواطن في هذه البلاد أن يحمل عدة جنسيات أخرى , لايمكن أن يتحول الدين الى وطن لأنه ليس بامكان الدين ان يقوم بمهمات الوطن المعقدة, ولا وجود للدين كوطن الا في عدد قليل جدا من الكيانات , التي لاتمثل أصلا اوطانا ولا تمثل دولا ,
