ممدوح بيطار :
التوحيد هي مسلمة عقيدية مستولية على العقل والقيم , يتنكر التوحيد للرأي الآخر وللاختلاف , التوحيد هي أساس الديكتاتوريات التي تعتمد في نشوئها واستمرارها على وحدة النمطية والوجهة والفكر والموقف الواحد.
يرفض الفكر التوحيدي كل فكر رديف , وبذلك يؤمن التربة الخصبة لانتاج التسلط الديكتاتوري , التوحيد غربة عن الواقع الانساني المختلف وتهجين سيئ للذات, أنه انسداد وتآكل المقدرة على التصور , الثقافة العربية قتيلة التوحيد , الذي بشر الوحي به ,كل الفكر فكرة , وكل الاحتمالات احتمال وكل الحلول حل واحد , لم يكتف الوحي بالتوحيد وغلق النوافذ والأبواب بوجه التعددية , بل لفلف التوحيد بعباءة المقدس , بحيث أصبح العقل محاصرا عن طريق سد الطرق أمام التعدد , ومن جهة أخرى منع تطوير وتغيير المقدس الواحد الأحد , هل من العجب أن يجف العقل ويتيبس في هذه الحالة ؟ , وهل من العجب أن يلجأ عاطل العقل في هذه الحالة الى الارتكاسات الغريزية , التي لايسيطر العقل عليها, الى الارتجالية والانحطاطية , التي لاتعني اقل من فقدان العقل .
هل من العجب أيضا أن تجد الديكتاتورية تربة صالحة في مجتمعات التوحيد , اذ أن الديكتاتورية تحقق شروط التوحيد بأكملها , لالزوم هنا الا لاستبدال اله السماء باله أرضي آخر , ثم التنازل عن الحرية ,فما هي ضرورة الحرية الفكرية , عندما يتقزم الفكر الى فكرة وموقف واحد لابديل عنه , اذ أن ماعداه زندقة وهرطقة وكفر وخيانة , يجب لوي رقبتها بساطور الديكتاتور وسيف الله.
الحرية ضرورية, ولايمكن التنازل عنها عندما تكون هناك جدوى من ممارستها , لا جدوى او حتى لا امكانية لممارستها الا في المجتمعات الطبيعية التعددية, أي تعدد الأفكار ثم اختيار أفضلها , ففي جو الفكر الواحد الواحد التوحيدي تصبح الحرية نوعا من الكماليات والشكليات التمويهية البعيدة جدا عن جوهر الحرية الخلاق ,لا لزوم لالغاء الحرية في البيئات التوحيدية , الحرية هنا ملغية من طبيعة التوحيد .
لم يقتصر التوحيد على انتاج الديكتاتوريات , لقد ساهم اضافة الى ذلك في تغييب العقل والعقلانية , بحيث لم تتمكن مجتمعات التوحيد في معظم الحالات من حل مشاكلها سلميا لادمويا ,وذلك بالرغم من كون معظم المشاكل السياسية تحل بدون دماء , العقلانية الغائبة والمعطلة من قبل التوحيد عجزت عن ادراك أن الحل سيكون في النهاية سياسي بعد كوارث الحرب والتقتيل والتدمير , وبعد نفي وجود اي بديل للحل الواحد المنبثق عن التوحيد ,المسؤول عن تلك الكوارث كلهم , اي كل من عطل العقل والعقلانية وكل من تبنى الرؤية التوحيدية , التي ترفض اي بديل عنها , وبالتالي تصبح تعنتية قاتلة للمنطق وللتداولية , جامدة مقدسة وبالتالي غير قادرة على انتاجج اي حل , لأن كل حل بطبيعته توافقي .
لاوجود لمشكلة لايمكن حلها , والحلول المثلى هي الحلول السياسية العقلانية , الملغية والمعطلة بالجمود والتقديس في هذه المنطقة المتدينة , الجمود والتقديس حول العقل الى كسيح معاق مرحليا , العقل لايقتل انما ينشل ثم يسترد قواه وينشط بعد فترة ما , بعد فترة ما سيفرض العقل على السوريين مثلا حلا كان بامكان السوريون التوصل اليه بدون ذلك الخراب وتلك المآسي , التي خلقت مشكلة اضافية , اللاعقلانية فقاسة لتناسل وتوالد المشاكل ,لو لم تنشل العقلانية لكان بالامكان ايجاد العديد من الحلول الأفضل بدرجات من الانحلال عن طريق القتل والتخريب , لم يكن السوريون على قدر المسؤولية التاريخية التي انيطت بهم ولم يثبتوا على أنهم مجتمع ذو عمق حضاري كبير , لقد اثبتوا أنهم جماعات متبدونة عنيفة متعنتة متطرفة , لاتمارس العقلانية التحليلية الناقدة المرنة الغير متحجرة , لقد دفع السورين ثمن تعنتهم ووحدانية تفكيرهم ومواقفهم المستقطبة ثمنا لايعلوه ثمنا آخر, لم يخسروا جزءا من الوطن ,انما خسروا كامل الوطن ,خسروا وجودهم.
التوحيدية مفهوم بدائي , قضى بالسيف والعنف على التعددية , لايمثل التوحيد تنزيها للواحد الأحد, انما تعبيرا عن طغيانه ومحدوديته , التي لاتقارن بعدم محدودية الانسان , الذي يمكنه ان يعيش بالتعددية ويستفيد منها ويفيد غيره بها , الذي يمكنه ايضا ان يكون حرا ويمارس الحرية الحقيقية , الانسان أوسع افقا وأكثر مرونة وديناميكية من الواحد الأحد , الذي لايسأل عما يفعل , بينما البشر يسألون.
