جدلية الحضارة مع انكسار أو انتصار السيف……
عثمانلي , سمير صادق :
تتراوح المواقف بخصوص الفتوحات بين تمجيدها وبين رفضها , حتى عصبة الأمم المتحدة كان لها بعد الحرب العالمية الأولى موقفا مستنكرا ومانعا لاستخدام مفهوم الفتح في العلاقات الدولية , ذلك لأن الفتح كان شكلا أسوء من اشكال الاستعمار الأخرى , لم يكن احتلالا استيطانيا فقط , انما تملكيا بشكل دائم فوق كل ذلك , يسمح الاحتلال التملكي لممارسيه بالاعتداء على كل شيئ في البلدان المحتلة , مثلا تغيير لغة البلاد وتغيير دين أهل البلاد , ثم ارغامهم على دفع الجزية , والسكوت على سبي نسائهم وبناتهم , انه استعمار مطلق, لم تعرف البشرية مثيلا له .
الهدف من المقال هو التنوير والتوضح والحض على بذل الجهود للتخلص من عواقب هذه الفتوحات , التي لاتزال جزئيا متواجدة بشكل تراث , او حتى تحكم احفاد الغزاة الفاتحين بالسلطة والتسلط على البشر الى هذا اليوم وفي هذه المنطقة .
هناك من يستشيط غضبا وينفجر عاطفيا , عندما تذكره بموقف الشعوب المفتوحة الرافض للفتوحات والرافض لمفهوم “التحرير” , الذي يلصق بالفتوحات , والذي يراد به التمويه على العمل الاحتلالي التملكي الشرير البربري المتوحش والمناقض للحد الأدنى من المنطق والأخلاق ومن حقوق الانسان ؟.
من يغضب وينفجر ليسوا احفاد قريش المباشرين , انما عملاء القريشية من سكان البلدان المفتوحة , انهم سوريين اسما وشكلا ومساكنة , ولكنهم يريدون حقيقة ان يكونوا استمرارا للفتح , الذي ضمن للفاتحين كل الحقوق , ومن أهمها حق التسلط والاستغلال والهيمنة , هؤلاء ليسوا سوى استعمار داخلي باسم استعمار خارجي, نجح في القرن الماضي في استلاب السلطة بوسائل وأكاذيب انطوت على الغير , الا أنها توضحت وتتوضح أكثر وأكثر كل يوم .
بغض النظر عن الكثير من الخلل ومن الأخطاء في فرضية التحرير وفي فرضية نشر الحضارة وتلبية نداء السماء في ضرورة نشر الرسالة , يبقى الاحتلال او الفتح اعتداءا وسرقة , هذا اضافة الى التناقض بين ادعاء التحرير وواقع الاستبداد وتذبيح الناس الذين ” تحرروا ” على يد جيوش خالد ابن الوليد وغيره , لقد سقط ادعاء “التحرير” بسبب استمرار تواجد الغزاة الفاتحين المحتلين كسلطة , مثلت الشكل الأقبح من الديكتاتورية ومن الوحشية ومن اخصاء الشعوب التي تم تحريرها أي استعبادها , فالشعب السوري الذي انجز كما هائلا من الحضارة والابداع منذ بداية التاريخ , توقف بعد الفتح قبل ١٤٠٠ سنةعن الابداع , ولا يزال متوقفا , باستثناء استمراره بممارسة العنف المتوحش , الذي زرعه وجذره الغزاة , ان كانوا قريشيين او عثمانيين , في نفوس السوريين ,من ينظر الى سوريا يكتشف بسهولة نتائج ذلك الاخصاء الحضاري المريع , الذي مارسه الغزاة , الذين لم يتركوا من آثار سوى الخراب وسوء الأخلاق والتبدون , الذي تمثل باستمرار العشائرية -القبلية , وهيمنتها على كيان الانسان السوري النفسي والمسلكي , التاريخ لايعرف أروع من الحضارة السورية ماقبل ١٤٠٠ سنة , ولا يعرف أبشع من البدوية الجزيرية والعثمانية التي هيمنت طوال ١٤٠٠ سنة , عن سوريا قبل كتب أحد المؤرخين ” لكل بشري وطنان , وطنه الذي يعيش به , ثم سوريا وطن الانسانية السلمية ” , التي ابدعت قبل قدوم الغزاة , كانت وطن الانسانية , حولوها الى زريبة للحيوانية , وأفقدوها صفة الوطن .
الى جانب ادعاء التحرير , الذي تنكص او تقمص بشكل استعمار مريع , كان هناك ادعاء آخر بخصوص السماء واله السماء , الذي أمرهم بنشر الرسالة الجديدة بالسيف , ولكنه اسقط وحيا بالعكس من ذلك , اذ قال لا اكراه في الدين , الذي تحول الى لا اكراه سوى بالدين , اما أن تعتنق الدين او تدفع الجزية عن يد أوتتم محاربتك , وحتى اعتناق الدين ودفع الجزية لم يكن واقيا من التحارب , وهذا ماعبر عنه الوالي ابو المهاجر دينار في شمال أفريقيا , الذي أكد للخليفة بأن الأمازيغ تقبلوا الرسالة ولا لزوم بعد ذلك لتعسفية الجزية , هنا صححه الخليفة ونبهه الى ضرورة الغنائم قبل ضرورة نشر الرسالة , ثم طرده بعد ذلك وعين عقبة بن نافع بديلا عنه, بديلا اهتم بالغنائم , التي كانت هدف الخليفة يزيد .
حتى في السياق التاريخي قبل أكثر من ١٤٠٠ , لم يكن نشر الرسالات السماوية بالسيف مألوفا , فالمسيح قال لأحد تلاميذه “دع سيفك في غمده , فمن يأخذ بالسيف , بالسيف يؤخذ ” فعلا لقد أخذ الخلفاء بالسيف وأخذوا بالسيف ايضا , ومعظمهم تم اغنياله ,فالرسالة السماوية حجة لاتحتاج أصلا للسيف والعنف , لابل يمثل عنف السيف نكسة للرقي كما عبر عن ذلك المؤرخ حتي بقوله تزدهر الحضارة بانكسار السيف وتموت بانتصار السيف , عموما لايمثل اعتناق شخص لدين معين بالضرورة انقاذا له , ولا يمثل انقاذا للدين , أي دين كان.
لقد أخطأ الفاتحون بحق غيرهم وبحق أنفسهم بالدرجة الأولى , لم يستفيدوا من مجتمعات الحضارات التي غزوها , لم يقتبسوا من المجتمعات المتحضرة مافيه فائدة لهم , اكتفوا بأوهام تحضيرهم لمن هم متقدمون عليهم حضاريا بدرجات , لابل جلبوا التأخر لتلك المجتمعات المستقرة , جاؤا بالعشائرية والقبلية والأخلاق البدوية , ثم مفهوم الحق البدوي , ومفهوم العنف , ثم مفهوم الافتخار والثأر والفساد المتمثل بغنائم الحرب , الذي لايزال مستمرا لحد الآن بشكل تعفيش, ناهيكم عن ممارسة الغاء العلم وحرق المكتبات والكتب مثل كتب ابن رشد , انه من المنطقي أن يحرق الأمي الكتب , ومن الطبيعي أن يحتقر الجاهل العلم والعلماء , الذين اتوا من الحضارة الفارسية بشكل رئيسي, لقد قضوا على معظم المتنورين او حتى عليهم جميعا , ووجدوا بابن تيمية والغزالي هدفهم ومبتغاهم !.
لم يستفيدوا ! , لابل أفسدوا , ولحد الآن تعاني الشعوب التي بقيت تحت سلطتهم وسلطانهم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى , من تخلص من المجاهدين الفاتحين قبل ذلك , ترقى وتقدم كاسبانيا ودول شرق اوروبا والهند وغيرهم , الهدف من تشريح وتفكيك الفتوحات هو تشجيع الناس على الابتعاد عن تراث العسكرة والاحتلال , ثم القيام بعملية المصالحة مع التاريخ , التي تتضمن الاعتذار من الشعوب التي عانت من هذه الفتوحات.
Post Views: 735