يعرف عن المجتمعات العربية محاولة اعادة بناء نفسها وصنع مستقبلها على النمط الغربي بأبعاده الليبيرالية والتنويرية,الا أن هذه المحاولة فشلت للعديد من الأسباب, منها تراجع المفاهيم القومية واليسارية وفشل الحداثة , التي التبست مع التحديث , الفرق بين الحداثة والتحديث في اطار الاستهلاك كبير جدا , منها أيضا تطور الايمان والمؤمن , الذي لايتعامل مع هويته الدينية شخصيا ويتصرف كمواطن يعيش في دولة وليس في كيان اسلامي , هناك ذلك النموذج “الاسلامي”, الذي يتصرف بهويته الشخصية الدينية وكأنها منظومة جماعية لها مشروعا جماعيا شموليا , يسعى الى احتلال السلطة وتطبيق الشريعة في اطار دولة اسلامية لاتستقيم مع الدولة المدنية ,وبالتالي تحارب هذه الدولة وتسعى الى افشالها .
لافرق أساسي بين مذهب اسلامي ومذهب اسلامي آخر , وليس بالامكان تطبيق الاسلام الاصولي الا بنموذج داعش وأشباهها كنموذج الوالي الفقيه ,كلهم يريدون اقامة الدولة الاسلامية , اما بشكل داعش او شكل ولاية الفقيه , أسس هذه الدولة معروفة وبينة , وداعش اوضحت تلك الأسس وشرحتها ,هذه الأسس تتضمن الغاء الآخر, اما بتصفيته أو وضعه في مستوى ادنى , ثم احتقار الحياة لصالح الآخرة , واحتقار الحياة الدنيا يتضمن تدمير الذات والتخصص في صناعة الموت , ويستقيم مع تخريب معالم هذه الحياة من عمران وحضارة مادية , ثم هناك مفهوم التوحيد الذي خص السماء مبدئيا , ولكنه سقط على الأرض ويطبق عليها ,التوحيد هو الرحم الذي تولد منه الشموليات , وهو اساس التفرقة والشرذمة والتفتت , التوحيد كان كل شيئ باستثناء نجاحة في اقامة الوحدة , لاتعرف المجتمعات التوحيدية سوى الصراعات حول الرموز والنصوص والأشخاص والممارسات ,التوحيديون لايتقبلون حتى بعضهم البعض , وان اتحدوا شكليا لا يتقبلون غيرهم , جوهر وحدتهم أو توحدهم تعصبي وموجه الى الخارج , وفي رفضه للتنوير غبي, يقود التنوير الى الجديد الذي يرفضه التوحيد ,لم ينجح تنوير عصر النهضة وبالتالي فشلت النهضة ,متحدون في السعي لتحقيق كل معالم الدونية , ومتفرقون في السعي لتحقيق ادنى التقدم والحرية .
بشكل عام يمكن اعتبار الاسلاميين صنفان , داعية يكفر ويهدد , وجهادي يحاكم ويقتل تطبيقا لارشادات الداعية , وقد يجتمع الصنفان في شخص واحد, لذلك فانه من الصعب فصل الداعية عن الجهادي , اذ سرعان مايتحول الأول الى الثاني ,هناك صنف ثالث هو الوسطية , الا أنه من الصعب جدا تعريف الوسطية الهلامية ,الوسطية ليست أكثر من اسم مستعار يطلقه البعض على أنفسهم , لا وجود لملتزم دينيا وهو معتدل في فهمه للحقيقة , اذ لا اعتدال في فهم الحقيقة المطلقة , مثل حقيقة الخالق .. , لا اعتدال في الخرافات وكل قواعد وأحكام الدين بما يخص الحياة الدنيا والآخرة ,
الوسطية عليلة وعلة ,ومن الصعب تعريفها وبالتالي التعرف عليها عند أرباب الوسطية كالقرضاوي , فما هوالوسطي عند القرضاوي ؟ الذي يتذبذب بين داعية وبين جهادي, ظاهرة الوسطية افتراضية ,اسم بدون مضمون ثابت , اسم مستعار للداعية وللجهادي في آن واحد وحسب الظروف التي تمليها ضرورات التنافق,
تعود عدم امكانية انتاج وسطية أو اعتدال الى عوامل عدة ,منها ايمان المؤمن بأن عقيدته هي العظمى وأن دينه هوالدين العظيم, انه الدين الذي نطق بالحقيقة الأولى والأخيرة, , ثم ان الشريعة تقدم الحلول لكل المعضلات ..الاسلام هو الحل!!!, القرآن يحتضن العلم حول كل شيئ, انه الاعجاز والسطو على نتائج العلم والادعاء بكونها متواجدة في القرآن, الذي سبق نيوتن في اختراع الكهرباء , ثم اعتقاد المؤمن بأنتمائه الى خير أمة, مما يزوده بقدر مميت من الغرور والفوقية , الايمان بوجود الأحكام والقواعد الصالحة لكل زمان ومكان ,وبذلك التبس على الاسلاميين الدواء مع الداء , فما كان في سياق تاريخي دواء تحول الى داء في سياق تاريخي آخر ومغاير .
يتطلب مفهوم الوسطية الكثير من التعديل , ليس في النصوص وانما في الممارسات , لم تغير أوروبا الانجيل وانما أسست لما يسمى المسيحية الاسمية , وعلى هذا النسق يمكن التحدث عن اسلام اسمي (اسلام لايت light), اسلام يمارسه عمدة لندن وعمدة أمستردام والعديد من المسلمين في أوروبا وفي المشرق وفي كل انحاء العالم ,اسلام يحول العلاقة بين الدين والشخص الى علاقة اسمية يقتصر مضمونها على الحد الأدنى من الدين والحد الأقصى من القناعات الشخصية , , فالدين الذي لايتقبل ممارسة شكلية في هذا العصر سيتحول الى اشكالية العصر, لايمكن للدين أن يتحول الى شكلية الا بنظام علماني يمكن عن طريقه حل اشكالية الدين واشكاليات الحياة الأخرى ,وبالتالي تمكن الدين من الاستمرار في الوجود كدين اسمي والحياة كحياة حقيقية !!