الناصرية ومعيارية الفشل والنجاح …
ممدوج بيطار :
هناك معايير لتقييم كل شيئ وكل حدث وكل سياسة ,ولتجربة الناصرية وعبد الناصر معايير لتقييمها , هناك المعيار الديموقراطي الذي بواسطته يمكن اعتبار الناصرية وعبد الناصر بمثابة سقوط شاقولي لأي فكر وممارسة ديموقراطية , لابل مثلت التجربة الناصرية ترديا ديموقراطيا , الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي)والشخص الواحد والنزوات الشخصية ,كانوا بمثابة تمنيع ضد أي تطور ديموقراطي .
لقد كان عبد الناصر ذو شعبية واسعة جدا , وكان باستطاعته القيام بأي شيئ يخص الديموقراطية , دون أن يشكل ذلك تهديدا لحكمه , الا أنه لم يفعل لأن عقلية البكباشية كانت مسيطرة عليه , يبدو وكأن سادية ونرجسية الديكتاتورية ملذة للديكتاتور , لقد كان بامكانه فتح بابا واسعا للعلمانية والحرية والديموقراطية , وكان له من الامكانيات أكثر بكثير من امكانيات أتاتورك , الذي تسلم جثمان آل عثمان , وسار بالعلمانية بخطى ثابتة وجريئة وموفقة أيضا , البكباشي لم يفهم ولم يدرك ولم يستوعب كل ذلك .
كان عبد النصر حقيقة اخونجي , ولكن الاخوان اعتبروه من أكبر الضالين , علاقته مع الاخوان كانت شخصية مع سيد قطب المتفوق عليه ثقافيا بدرجات , من هنا يمكن القول بأن علاقة الناصرية بالاخوان كانت علاقة مريضة ومشخصنة ومؤسسة على الشخص ومخاوفه, وليس على العنصر السياسي , دوافع تقتيل الاخوان كانت شخصية, وجزئيا للتمويه على اخونجية عبد الناصر ,
عبد الناصر اعلن الاشتراكية , وحزبه كان حزب الاتحاد الاشتراكي , الذي لم يعمر طويلا بعد وفاته , ومن خلال علاقات مصر وصداقاتها مع الاتحاد السوفييتي ثم تصريحاته بخصوص العمال والفلاحين والاصلاح الزراعي , الذي دمر الانتاج الزراعي المصري , شعر البعض بأن مصر قد تحولت الى الشيوعية (الشيخ الشعراوي ) , الا أن الشيوعية الكلاسيكية لم تكن سعيدة بعبد الناصر المروج للفكر القومي العربي العنصري , والمتنكر للفكر الأممي ولمفهوم صراع الطبقات , هنا فشلت الناصرية باعلانها للاشتراكية وممارستها للرأسمالية البدائية , لم يفهم عبد الناصر الاشتراكية , ولم يفهم الوضع المصري , الممثل لمرحلة ماقبل الزراعية , وأنه لمنظومة الاشتراكية أو الشيوعية شروط , اذ لايمكن القفز من مجتم ماقبل الزراعة الى مجتمع اشتراكية الصناعة ,
اشتراكية عبد الناصر كانت اشتراكية خطابية شكلية أمية هدفها توزيع الموجود لارضاء البعض ,كما كان الحال مع الاصلاح الزراعي , دون الاهتمام بعنصر الانتاج وامكانية الانتاج ,فالشعب يعيش من الانتاج وليس من توزيع الثروة الضئيلة الموروثة , كما فعلت الاشتراكية المراهقة في سوريا بخصوص التأميم والشركة الخماسية وأمثالها ….كل ذلك كانت خطوات رعناء غير مدروسة , وكل ذلك كان من أجل الشخص او الحزب , وليس من أجل البلاد ككل ومن أجل تقدم البلاد.
ماذكرت كان بعض الأمثلة عن تخبط الناصرية الذي قاد الى الفشل , لايعرف الفشل مصدرا ومسببا واحدا , وانما العديد من المسببات والمصادر , كل أومعظم ممارسات عبد الناصر كانت غريبة وغير مفهومة …مثل حل الأحزاب السياسية عام 1958 في القطر الشمالي وسياسة الاستعمار التي مارسها داعية الوحدة العربية والقومية العربية في سوريا ,والتي قلبت خلال ثلاثة سنوات معظم السوريين من مؤيدين للوحدة الى المستغيثين بالانفصال !
لقد عبر البعض عن مواقف غريبة عن مفهوم الأوطان , فالأصل الولادي لمصر هو الناصرية ,أي أن البنية الطبيعية لمصر كانت الناصرية , وبذلك تحول الهدف من العمل السياسي الى بناء وتطوير مصر ناصريا , هذه هي أحد امهات المشاكل ,أي مشكلة التباس الوسيلة مع الهدف , الهدف الصحيح كان مصر المستقرة المتقدمة الانسانية الحرة الديموقراطية , الهدف الخاطئ والمدمر كان ناصرية مصر , وناصرية مصر تعني أي شكل من الأشكال التي يمكن نسبها الى الناصرية , مصر الديكتاتورية جيدة لأنها ناصرية ..مصر الفقر جيدة لأنها ناصرية ..مصر الهزيمة نصر لأن الهزيمة ناصرية , في كل هذه الأمور أصبحت الناصرية هدفا , لم يدرك البكباشي فقير الخبرة السياسية عبد الناصر طوال حياته السياسية مخاطر هذا النهج , الذي قاد الى الفشل الذريع للناصرية سياسيا واقتصاديا وعسكريا واجتماعيا …
Post Views: 896