ممدوح بيطار :
لاضرورة للتذكير بكوننا نعيش في مجتمع قاصر حضاريا ومقصر بحق نفسه , نعيش في الفوضى واختلال المعاني والعناوين وتشويهها والشعارات وتلفيقها , نحارب من أجل المزيد من التشويه , وبالتالي نحارب أنفسنا وبالنتيجة ننتحر !
لأعمق مشاكل هذه البلاد علاقة بتيه المعاني وضلال الشعارات, الذي يكمن في تعريف القيم والمفاهيم , بما لا يعبر عنها, فالديمقراطية ممارسة لفظية تكرارية بدون مضمون عملي ,نتحدث ليلا نهارا عن حبنا للديموقراطية وشغفنا بها , ونعمل ليلا نهارا على تقويضها وتشويهها وممارسة عكسها , أما الدين فقد تحول الى عقيدة بدون ممارسة لجوهره ….مجرد عقيدة …صنم !!, نخدمه ولا ننتظر خدمته لنا , أما العلمانية فقد تم ادراكها بأنها مساوية للإلحاد ,التعليم هو مجرد الحصول على شهادة للبروظة وليس للارتقاء الاجتماعى أو العلمي أو الأخلاقي !!, الحرية هي حريتي في استعباد الآخر , والحق حقي فقط في سلب الآخر حقوقه … وهكذا … .
هناك فوضى عارمة والتباس فى فهم وادراك المعاني المجردة والمفاهيم , وهناك انتقال هذه الفوضى الى الفعل لتفسده , النتيجة هي تخبط جارف لا يحمل المنطق عنوانا ,… يتطاحن الناس حول تعريفات وشعارات تحمل عكس مايراد منها , كل ذلك يحدث باستمرارية جاهلة غبية لاتمارس الشك ولا تمارس النقد, ولا تقوم بالمراجعة الضامنة عقلانيا لتصويب التعريف والتنكر للضلال , نمضي قدما في تزاوج الضلالات لننتج المزيد منه , وكأن التعريف او الشعار أمر محسوم ثابت وحتى مقدس , الفضيلة تكمن في الاستمرارية والتثبت على الخطأ الثابت , التغيير والتطوير والتقويم والتصحيح هو تلون ممجوج …زندقة , والاعتراف بالخطأ مذلة ,والانسداد انفتاح على الجهل , والقيمة العليا للموقف تكمن في تصلبه وتكلسه ..انها البدوية بكامل تجهيزاتها وجهوزيتها القاتلة للتحضر , وبالتالي للانسان المنحدر الى القاع , وبالتالي الميت ,لايموت الانسان الذي يرتقي ويتطور .
حتى الآن لانزال نمارس خلط وجمع الضديات مع بعضها البعض , فالاسلام السياسي يمثل مخلوطة ضدية غريبة عجيبة , اذ لايمكن للاسلام الصالح لكل زمان ومكان أن يكون سياسة لاتصلح لكل زمان ومكان , والسياسة التي لايمكنها الا أن تكون ديناميكية , وتموت عند تحولها دوغماتيكية, أي الى دين ,لايمكن للدين ان يتحول الى سياسة ولا يمكن للسياسة ان تتحول الى دين .
قبل مئات السنين توصلت البشرية الى تعريف للوطن والى اقامة الأوطان الارضية , وعلى الأرض لاوجود الآن سوى للأوطان , ولكن بعضنا يجد وطنه في السماء وفي الدين , الاسلام هو الوطن , وذلك بتجاهل كامل للحدود الجغرافية ,اذ لاوجود لوطن بدون حدود جغرافية , والوطن بدون تعريف جغرافي ليس سوى وحش كاسر يميل الى التهام الأرض بحجة البشر* , وبالتالي الى تضارب في المفاهيم المتعاكسة والمناقضة لبعضها البعض , الوطن هو الحاضن للبشر والمعرف بهم ومكان تواجدهم ,وليس هو البشر حصرا , وليس للبشر اعطاء الأرض صيغتها , فالبشر متغير بينما الجغرافيا ثابتة , لاحدود لتكاثر أو تناقص البشر , بينما لاتعرف حدود الوطن المعترف به خاصة التزايد أو التناقص, طبعا باستثناء اسرائيل وتركيا .
لانزال نقارن الوطن بالدين ولا نزال مصرون على تلبيس الوطن جلابية الدين , ولكن لم تعد مقارنة الدين بالوطن ممكنة , لأن الدين والوطن مفهومان متوازيان لايلتقيان ولايمكن مقارنتهما مع بعضهما البعض , لأنه لاعلاقة بين بعضهم البعض, فالدين ليس شرطا من شروط المواطنة , يمكن للدين وأي دين أن يسكن في وطن وأي وطن , ولكن لايمكن لجوهر الوطن المحدد جغرافيا أن يسكن في الدين الغير محدد جغرافيا …. الدين ذو جوهر أممي بعكس الوطن , الذي لايمكن أن يكون له جوهرا أمميا , وبالرغم من ذلك , لايزال هناك من يقارن الوطن بالدين , ايهما أهم ؟ويتساءل أيهما يأتي أولاً؟ الدين أو الوطن؟ وكأنما يتم اعتبار الدين في في حالة منافسة مع الوطن , وكأنه يمكن للحياة أن تستقيم في هذا العالم بمنظومة الدين كوطن …أين هو وطن الملحدين ؟؟ لحد الآن لم يسمح الجهل والضلال لنا بالتيقن من أن الأديان واللاأديان تسكن الأوطان , وليس الأوطان تسكن الأديان ….كيف لنا اقامة الأوطان عندما لاندرك لحد الآن ماهيتها , ولم نفهم أساسها وهدفها ومفهومها …. ضلال الأوطان هو جزء من ضلال الانسان , وضلال الانسان عندنا هو جوء من ضلال الأديان .
لايمكن للأوطان أن تستمر وتزدهر الا بشروط , من المنطقي مثلا أن يعتبر الانسان , الذي له أن يختار دينا من الأديان , أن يكون خياره أفضل الخيارات في المجال الشخصي وفي اطار الخيار الشخصي , الا أن اعلاء دين على آخر في المجال الاجتماعي له سم قاتل للوطن , مثل مفهوم خير أمة , الذي يحمل بين طياته خطابا مفرقا ونابذا للآخر , انه دستور التعالي وتحويل المجتمع الى طبقات , لايمكنها العيش مع بعضها البعض سوى بالهيمنة , أي اللامساواة , التي لاتسمح سوى بالتحارب البارد أو الساخن الملتهب , والذي يرغم فئة للاستنجاد بالخارج , وبالتالي التدخل بالداخل , تدخل الخارج لايمثل خيانة من أراد هذا التدخل, وانما خيانة من تسبب بضرورة التدخل …كمفهوم خير أمة أو مفهوم الولاء والبراء أو الغلبة الغالبة أو حتى مفهوم المظلومية الاستجدائية للتعاطف مع أهداف سياسية معينة , …مفهوم القرب من الأخ الأفغاني مقارنة مع البعد عن الأخر السوري , وحتى استخدام مفاهيم مثل مفهوم الكفرة والمشركين , لهو اعلان للحرب عليهم , مع قسرية وقف التنفيذ بسبب عدم التمكن .
هنا يتم التوسل لدى الخالق ليأخذهم أخذ عزيز مقتدر, كل يوم جمعة , وذلك ختاما لممارسة الصلاة كركن من أهم أركان الدين , التوسل لدى الخالق ليس الا ضرورة عند فقدان المقدرة , فلو تمكنت الجموع من أخذ الغير , والمقصود هنا اليهود والنصارى وغيرهم من غير المسلمين , لما كانت هناك ضرورة لذلك التوسل لدى الخالق بالشكل الذي تم ويتم به لحد الآن … لكان السيف وزج الرقاب … لا هكذا تبنى الأوطان !!!!.
دين فوق دين آخر مفرق ونابذ وتعبير عن قانون أو عرف أو دستور اللامساواة الخاص بالغابة , انه تحطيم للمواطنة , التي تساوي بين الناس بغض النظر عن انتمائهم الديني , انه تحويل أرض الوطن الى ساحة حرب , وتحويل العلاقة بين الدين والوطن الى عكسها , فبدلا من أن يخدم الدين الوطن , يتحول الوطن الى خادم للدين , وبنظر البعض يتحول الوطن الذي لايخدم الدين الى لاوطن , وبذلك نعود الى نقطة البداية ..هل يسكن الدين في الوطن ؟ أو يسكن الوطن في الدين ؟؟؟
فقط عندما يتم تحويل ماذكر الى عكسه , ثم تحويل هذا المتحول …. هذا العكس الى بديهية , يمكن بناء ” وطن” ,ضلال الأوطان من ضلال المفاهيم والقيم , وضلال الاوطان لايعني , أكثر من الحالة التي نحن بها …قبيلة ..عشيرة ..بدوية ..طائفية ..الخ
*: لاحدود لاسرائيل ولا حدود لتركيا العثمانية , ولايريد اردوغان ان يبقى سجينا ومحشورا ب٨٧٠٠٠٠ كم٢,
Post Views: 486