السؤال : هل من الممكن اقامة علاقات منتجة تعاونية داخليا وخارجيا في ظل مفهوم الولاء والبراء ؟ , مع العلم بأنه لامناص من اقامة العلاقات مع الغير في العصر الحالي , وكيف يمكن لمفهوم الولاء والبراء أن يفعل في ظل مفهوم الدولة الذي يعتمد على جغرافية اعتباطية وعلى شعب اعتباطي التكوين , فالجغرافيا تتبدل وتتغير طبقا لظروف قسرية أو خيارية , وللغير علاقة اساسية مع هذه الجغرافيا وشكلها وحجمها , فسوريا جغرافيا هي من صنع الغير وسوريا شعبا واجتماعيا هي من الغير … حقيقة كلنا غرباء بما يخص الاصل والمنشأ , والمجتمع السوري هو مجتمع غرباء ,عليه أن لايميز بين الأصل الفينيقي لمواطن من أصل مواطن آخر تجنس قبل يومين , لاعلاقة للأصل والفصل في تركيبة المجتمع بشريا , فعلى هذه الأرض يعيش البشر تحت اسم سوري , وبانتماء اخلاقي ووجداني لهذه البلاد التي تحولت بالنسبة لهم الى وطن وتحولوا بالنسبة لهذا الوطن الى مواطنين . يحول مفهوم الولاء والبراء مجتمع التراضي والتوافق الى مجتمع الرفض والتنافر , اذ لمفهوم الولاء والبراء تفسير أو مضمون اقصائي , وتفسير ومضمون احتوائي ,والواقع لايعرف سوى طغيان الدلالة والتفسير الاقصائي , المتسم بالسلبية تجاه الغير , وحتى الدلالة والتفسير الاحتوائي لايشمل الغير , لذلك فالولاء والبراء اقصائي بطبيعته ومجمله ,يمثل الولاء والبراء دعوة للانشقاق والتمييز وتحويل المواطنة الى مساكنة تسيطر عليها ترقيعات مختلفة مثل ترقيعة التعايش أو التحمل أو التسامح …. ترقيعات قسرية مصطنعة , لأن الوضع لايسمح سوى بترقيعة التسامح أو التحمل لحين تكبر الأنياب وتطول الأظافر , عندها يتم الانقضاض , حياة التسامح والتحمل والتعايش هي حياة الظرف الاستثنائي الذي يتربص بالجميع , انها اتفاقية هدنة أو سلام مؤقت , الكل يدعي احترامه لها , والكل يعمل على الغدر بها , بتسديد الضربة القاضية للآخر , حيث تكتمل بعدها حالة الولاء والبراء عمليا , ولاء لطائفتي مهما كانت ومهما فعلت ,وبراء من الطائفة الأخرى مهما كانت ومهما فعلت , وهذه بالواقع حالة لاتستقيم على الاطلاق مع بدعة الوطن والمواطن الجديدة , حتى أنها بالكاد تستقيم مع المساكنة المتربصة , مساكنة يختلف قلبها عن قالبها …انفصامية كاذبة ضدية في ذاتها , وعلى أساسها لايمكن بناء أكثر من “وهم” الأوطان .من المنتظر أن يعترض البعض على التفاكر بخصوص الولاء والبراء , وستكون حجتهم بأن الأغلبية العظمى من الناس لم يسمعوا بتعبير الولاء والبراء وليس لهم علما بمدلولاته وعواقبه واختلاطاته , بالرغم من ذلك نجد لهذا المفهوم تطبيقات عملية دون وعي نظري , فالسوري الذي يرى بالباكستاني أكثر قربا له من الصيدناوي , هو الممارس لمفهوم الولاء العابر والمحتقر والمخترق لحدود الوطن , والذي يرفض الترحم على مي سكاف هو الممارس لمفهوم البراء عمليا دون ادراك نظري به , المشكلة في المفهوم هي انعدام امكانية شطره الى ولاء مستقل عن البراء , كلاهما وحدة واحدة , فمن يمارس الولاء عليه بممارسة البراء ومن يمارس البراء عليه بممارسة الولاء , وقد لخص ابن تيمية الحالة بشكل واضح جلي ومفهوم “الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض”،.لايحتاج بناء الأوطان الى الولاء وانما الى الانتماء , الولاء قاتل للنقد ,ولا صحة لقول الشاعر “وطني وإن جار علي عزيزٌ…. وأهلي إن ضنوا عليَ كرامُ”فالوطن ليس عزيزا ان جار والأهل ان ضنوا علي ليسوا كرام , بناء الوطن التعددي بطبيعته لايستقيم مع البراء الذي يتمثل بحفر الخنادق تحت أساسه , اذ سرعان ما ينهار بحكم الولاء والبراء أي بحكم التعصب المؤسس للانشقاق , أحد مشاكلنا الأساسية تكمن في منظومة الولاء تحت مستوى الوطن , أي الولاء للشخص او الطائفة أو جزء من الشعب , ثم البراء من الآخر على مستوى الوطن , لاحل لاشكالية بناء الوطن الا بتحقسق االعديد من الشروط , منها حذف الولاء والبراء وابن تيمية معهم من النصوص ومن الوجدان والثقافة الجمعية .