نيسرين عبود:
أشعر بأنه من واجبي التوضيح لمن لم يستوعب جوهر مقاالة الانحسار والاندثار , لايتعلق الجوهر بالمسيحيين والمسيحية ولا باليهود واليهودية بالدرجة الأولى , وانما بالبحث عن آليات اندثار مكون من مكونات الشعب , وقد تم تقديم اليهودية كمندثرة والمسيحية كمتواجدة في طريقها الى الاندثار كحالات توضيحية , هل لهذا الأمر علاقة بالأنظمة السياسية أو بالثقافة الشعبية ؟؟؟,لقد استنتجت بأن اأمر الانحسار والاندثار ذو علاقة مع ثقافة الناس ومرتكزاتهم الفكرية وخلفيتهم العقائدية بالدرجة الأولى ,مفاهيم النبذ والاستعلاء بخصائص سماوية على الأرض كمفهوم خير امة ومفاهيم الولاء والبراء ثم دار الاسلام ودار الحرب, ناهيكم عن التكفير والدعاء عليهم بالتشتت ثم الانتصار عليهم وكأنهم اعداء في الوطن, فما هي ضرورة انتصار المسلم على المشرك في وطن واحد , هذه الضرورة تفترض وجود حرب بينهم ,والحرب كما نعرف هي وسيلة لسحق العدو واخضاعه واملاء الشروط عليه , في الحرب هناك مجابهة تنتهي حسب فلسفة الحروب باخضاع طرف قبل الطرف الآخر, كيف النتهت الحرب على بني قريظة , وكم كان عدد مذابيح خالد ابن الوليد في العراق وسوريا وكم كان عدد العذارى الذين شحنهم أو شحطهم موسى بن نصير كهدية لأمير المؤمنين , وماذا فعل عمر ابن العاص في مصر ثم صلاح الدين الأيوبي في مصر …القائمة طويلة جدا جدا وهي معروفة عند الجميع ولا لزوم لذكر كل التفاصيل .
بعض التوضيح ضروري بخصوص الطائفة والطوائف , هناك الطائفة العلوية بمشاريعها وأولها الهيمنة القسرية بحد السيف خوفا من تكرار المأساة مع السلطان سليم , هناك الدروز وجغرافية الجبل وهناك الطائفة السنية ..الخ , الا انه لاتوجد “طائفة” مسيحية , الانتماء الى دين معين لايعني الانتماء الى طائفة ولا يعني ممارسة الطائفية , لأن تكوين الطائفة يعتمد على وجود “مشروع” لهذه الطائفة (كما قال أدونيس بحق) , والمشروع يقود الى “التراص” بين أفراد مذهب معين وبالتالي الى تكوين طائفة , والمثل الموضح لهذا الأمر هو تشكيل طائفة علوية من بعض العلويين أو معظمهم , ومشروعها واضح وجلي , انها تريد الهيمنة كطائفة تتصارع مع طائفة سنية مؤلفة من بعض السنة وماذا تريد طائفة “الغلبة” السنية؟ ,وما هو الفرق بين طائفة الغلبة وطائفة المغلوبين ؟؟؟ لافرق بين طائفي وآخر ولا بين طائفة وأخرى. الطائفية لاتستقيم مع جوهر الوطن, ففي الوطن توجد مذاهب دينية , ولكن الوطن ليس مذاهب دينية .
االمسيحي هو ذلك البعثي أو الشيوعي أو السوري القومي أو الناصري …الخ , أنه لايستظل بظل طائفة لاوجود لها , فالطائفة تعني التراص بين أفراد مذهب معين, ثم تقوقع وانغلاق ,ولهؤلاء مشروع خاص بالطائفة التي شكلوها, بالنسبة لمن ينتمي في سويا للمذهب المسيحي لايوجد “مشروع” مسيحي تتبناه المسيحية ولا وجود لمسيحية سياسية لها أهداف خاصة بها كالاخوان السنة أو الاخوان العلويين -الشيعة , وبالتالي يمكن القول بأنه لاوجود لطائفة مسيحية وانما هناك وجود لميسحية وأفراد ينتمون لها , وهؤلاء الأفراد يختلفون عن منظومة الطائفة العلوية والسنية اختلافا جذريا , انهم ذوي انتماء سيلسي بالدرجة الأولى , بينما أفراد الطائفة العلوية هم علويون أولا والسنة سنيون أولا ثم يأتي ادراك “السورية ” في المرتبة الثانية وما فوق !
لما كان الشعب السوري قد أصبح تجمع طوائف وملل ,لذلك تحول الميسحي الى غريب في هذه البلاد …لا تمثيل له في الديباجة الطائفية الشعبية , غريب في بلاد تحتلها وتكونها الطوائف … ليس له طائفة تمثله , انه بذلك قد تحول الى هامش وهامشي لا حصة له في حبكة المحاصصة , فالحصة هي للطائفة التي لاوجود مسيحي لها ,اانسان فاقد الأهمية لأن الأهمية هي للطوائف والأهمية هي للمحارب , زيادة حدة الوضع الطائفي لايعني عدم وجوده سابقا ومنذ قرون , عصريا تتصدر المذهبيات السياسية المشهد والأهمية …علوية- شيعية سياسية مقابل سنية سياسية .. لقد أصبحت المذهبية السياسية أكثر صراحة ووضوحا , لايتورع البعض عن المطالبة بأحقية حكم الغلبة , ولا يتردد البعض الآخر عن تكريس غلبة البندقية , ولا رادع عند الجميع من أجل الهيمنة واحتكاء ريع الفساد ولا مانع عند العديد من ابناء هذا الشعب من الاصطفاف بشكل مطلق في صف طائفة معينة , فبنظر بعض السنة يتحمل العلويين كل المسؤولية عن كل شر , وبنظر بعض العلويين يتحمل السنة المسؤولية عن أي شر , فالدولة تحولت الى دولة طوائف , ولا عجب في اندثارها وحتى اندثار بعض الطوائف او بعض فئات الشعب ….عباد الله …انها الحرب والجهاد في سبيل الله , والله ينصر المؤمنين , وكل المحاربين مؤمنين , فمن سينصره الله ولماذا سينصره الله على غيره؟؟
لقد ساعدت ماتسمى “جغرافيا الطائفة” على ازديدا بلورة الحالة الطائفية , هناك أفراد من مذهب معين بدون “جغرافيا”, ليس للمسيحيين جغرافيا الطائفة الدرزية المتوضعة في الجبل ,وليس لهم جغرافيا الطائفة العلوية المتوضعة في الجبال وليس لهم جغرافيا الطائفة السنية وليس لهم جغرافيا الأكراد, فمن منطلق “جغرافي”يمكن التفكيرفي حالة معينة بدولة علوية أو درزية أو حتى كردية أوسنية , أين هي جغرافية المسيحيين ؟؟ بغض النظر عن توزعهم العشوائي بين مختلف التيارات السياسية لا وجود لجغرافية مسيحية ولا أظن بوجود من يهدد باقامة دولة مسيحية في باب توما, وحتى باب توما لم يعد حيا معظم سكانه من المسيحيين …. في سياق الانحسار والاندثار هناك مشاريع لبيع الحي بكامله , والمشتري هم ملالي ايران .
ليس لهم جغرافيا تسمح لهم بالتقوقع ,وليس هم مشرع سياسي يشجعهم على تكوين “طائفة” ولا نعرف عنهم السعي الى الهيمنة كطائفة لذلك هم شواذ في البيئة التي يعيشون بها , ومن الطبيعي أن تلفظ البيئة مايشذ عنها , لذلك انحسروا وسيندثروا , التلاشي كان نتيجة عدم مقدرتهم على التأقلم مع البيئة , اضافة الى عوامل اضافية مشجعة على اندثارهم في سوريا منها السهولة النسبية في ايجاد أوطان بديلة وجديدة خاصة في الغرب .
لا أعتبر هذا التطور بشكل عام شيئ غريب وغير مألوف تاريخيا ,فالتاريخ يعرف نتائج عدم الانسجام والتاريخ يعرف مسببات عديدة لتلاشي العديد من الفئات وقيام فئات جديدة , انها ديناميكية التاريخ التي تفرض واقعا معينا, وواقع اندثار المسيحية في سوريا وغيرها من الدول العربية مفرح لجميع الأطراف, لقد وجد معظمهم أوطانتا أخرى ولا أظن بأن وضعهم سيئ خاصة على المدى المتوسط والبعيد … لاشك في سعادة الجو الطائفي الذي نبذهم , بامكان هذا الجو البدء بعملية جديدة , فلولا مقدرة الأكراد العسكرية لاندثروا , ولولا مقدرة العلويين العسكرية لاندثروا , ولولا مقدرة الآشوريين والسريان على التوطن في السويد لاندثروا للمرة الثانية بعد اندثارهم الجزئي على يد العثمانيين , على أي حال هناك يقين علوي ويقين كردي بوجود خطر الاندثار وبناء عليه تسلحوا وهم على استعداد للحرب التي ستقود الى اندثار الوطن بعد هزيمة مايجمع وانتصار مايفرق .
