العبرة في الخواتيم

 خالد عمران:

من يستطيع قراءة الحروب وخاصة التي حدثت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي يستطيع أن يتوقع كيف ستنتهي الحرب السورية !.
بعد عام 2012 تبدد كل الطموح السوري في تغيير المستقبل السوري ، وتشعبت القضية وأصبحت دولية وثم عالمية ، وظهرت داعش كانعكاس لثقافتنا وتراثنا الإسلامي ومولت دوليا لتضعنا أمام امتحان كبير في التاريخ والحاضر وكيف سنكون في المستقبل ، وبدأ الصراع في سوريا على التخيير بين داعش وحزب الله ، بين النظام والفصائل ، بين أمريكا وروسيا ، بين اسرائيل وشرعنة القضية الكردية !.
وربما تطورات الأحداث الأخيرة وخاصة ما يحدث في الغوطة وعفرين من إجرام بحق المدنيين ، وإسقاط الطائرة الإسرائيلية ، تدل على أن هناك محاولة أخيرة في صد المشروع الأمريكي وسياسته في المنطقة ، فأمريكا تريد إنهاء حزب الله كضرورة متلازمة مع إنهاء داعش وتدمير الأسس الفكرية الإرهابية التي يتشاركان بها في العقلية الإسلامية ، وفي نفس الوقت ، تريد أمريكا أن تحسم الجدل في القضية الإسرائيلية بشرعنة القضية الكردية وإعطاء دور للأكراد في المنطقة لكونهم أكثر مقدرة فكريا على التعاطي مع مفهوم المواطنة وإنشاء مشروع دولة مستقرة داخليا وضابطة للايقاع خارجيا كما كان دور اسرائيل في المنطقة ، فالنظام بعد أن كان له هذا الدور في حقبة الأسد الأب ، خسره في حقبة الابن لكون بشار الأسد تخندق في الخندق الشيعي الايراني ، ولذلك كل خطابات الممانعة والمقاومة وتصريخ القط سهيل الحسن عن قاسيون هي فقاعات هوائية ، فما يحاول النظام التسويق له بأن بقاء الحلف الثلاثي بين ايران والنظام وحزب الله هو في الحقيقة يحتضر ، والتغيير لدور سوريا في المنطقة قادم ، وستتحول لمركز استثمار اقتصادي خارج كل الصراعات العسكرية ، فالجبهة القادمة هي في العراق وكردستان ضد كل من ايران وتركيا لإضعاف الدور الإقليمي لهم في المنطقة ، ولبنان وسوريا سيكونون مناطق خفض صراع وستنعم اسرائيل بأمان تستحقه لمدى الأربعين سنة القادمة بعد أن نعمت به في الأربعين سنة السابقة !.
إذا العبرة هي ببساطة إن إضاعة الفرص لكون مواجهة النفس والذات أمر غير مستحب في الثقافة الإسلامية ، ومواجهة معوقات النهوض يكتنزه نوع من الترهيب والتخويف ، فالأتاسي (كصديق عزيز سوري) و كشخصية مشاكسة وجنون مستعصي وخرف متأصل في الذاكرة ، هو هامشي ، ولكنه يمكن أن يكون الممثل الأمثل للواجهة السورية بكامل حاضرها الكارثي !.
لم نستطع كسوريين أن نستحق شرف تطوير الصورة الذاتية للإنسان السوري بافتعال ثورة وإنجاحها ، وتغيير حقبة تاريخية طويلة لا تقتصر على النظام الأسدي الذي تصدر المشهد في النصف قرن الأخير ، ولم نستطع التأكيد على مفهوم المواطنة لكوننا بكل بساطة مبتلعين من قبل الدين الإسلامي الذي يتعاطى مع الآخر دائما بتعالي وبنوع من الرغبة في الهداية ، فحتى يومنا هذا ورغم مشاعية واباحية المعلومة في العالم الافتراضي ، مازال يتم الاندهاش بأن المسيحيين ليسوا حنبلين ولا شافعيين ولا جعفريين ، ومازال يتم التعاطي مع المسيحية كحالة اجتماعية خارج المفههوم الديني من وجهة نظر إسلامية تحتقر أي ثقافة غير وحدانية ، والآن يتم تسوية الوضع المتشرزم والمنقسم في المجتمع السوري ، وتغيير النظام سيتم مع وصاية وستكون هناك فرصة أخيرة كيف سنقدم أنفسنا في الفترة القادمة وكيف سننقلب على كل ممثلي الشعب السوري من النخب الثقافية العقيمة والنخب المعارضة العاجزة ، ونحترم الدور الاقتصادي الاستثماري الذي سيوكل إلينا ، والعمل بشكل كسيح على استرداد بعض ما نهب من العصابة الأسدية من دون الدخول في صراع مسلح !.
والعبرة الأخيرة أن استحقاق الشعوب في تقرير مصيرها ينطلق أولا وأخيرا من قدرة هذه الشعوب وأهليتها على التعاطي مع نفسها ونظرتها لذاتها وللعالم وللآخر المختلف ، والوصاية هي نوع من التوازنات والتفاهمات الدولية وجزء من النظام العالمي ، والخروج من الوصاية لا يتم بالدخول والانخراط في مشاريع ضد الأوصياء ، فسوريا لم تدمر إلا عندما خرجت من الوصايا الفرنسية والبريطانية ، لكون الأرعن بشار اصطدم مع جاك شيراك وتنكر لبريطانيا ، فلقب الحداثة في الشرق الأوسط الذي منحته اياه الملكة اليزابيت سقط عنه في الثلاث سنوات الأولى عندما بدأ بارسال المجاهدين الإسلاميين للعراق ، ومعظم التعديلات في السياسة السورية كانت من دون رغبة حقيقية ، فربيع دمشق كشف زيف تقليص دور الحزب الواحد كشعار ، وتقليص دور المؤسسات الأمنية في ممارستها الرقابة ، وكشف أيضاً التأزم العقلي والنفسي للقيادة السورية ورأسها بشار ، وتكررت تجربة أخرى عربية في حب الانقياد الأعمى ، فصدام أخذ العراق للجحيم ، وبشار أخذ سوريا للدمار !!.
من المفارقات السياسية المرة ، أن تدمير الغوطة يتناسب مع بقاء عفرين ، وتدمير عفرين يتناسب مع بقاء الغوطة واستمرار الصراع في العمق السوري ، هكذا مرارة السياسة وقذارتها ، إننا في امتحان الأختيار بين مكونين من السوريين ، ونحن من وضع أنفسنا في هذا الموضع المؤلم ، لعدم احترامنا لأنفسنا وبالتالي عدم احترامنا للآخرين ، هذا الفشل لا يعني شيء إلا في استكمال التغيير بأيادي الأوصياء ، فالحقيقة الأزلية بأن لا يستطيع أحد إلغاء الآخر تظهر في عودة فكرة الوصاية على سوريا ، ولكن كيفية تقديم أنفسنا في الفترة القادمة هو ما سيحدد خارطة الطريق والواجهة الجديدة لسوريا ، فمن المعيب أن نقول أن الذكي من يتعلم من أخطاء الآخرين ، ووفي الوقت نفسه هو غير قادر على التعلم من أخطائه!.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *