نيسرين عبود:
المقال يريد تسليط الضوء على أكبر جماعة سرية نسائية ذات بنية تنظيمية مشابهة في العديد من المعالم للتنظيم الماسوني , مع التأكيد على تعاكس المضامين والأهداف بين القبيسية والماسونية ,
كشفت الحركات الثورية العربية الكثير من الجماعات السرية التي تقوم في تنظيمها على طريقة البناء الهرمي الماسوني, ولعل أكبر جماعة يقوم بناؤها بنفس هذه الطريقة هي جماعة الإخوان المسلمين التي نجحت في الوصول لحكم أكبر دولةٍ عربيةٍ العام الماضي , لكن سرعان ما نجح الشعب بمساندة الجيش في إزاحتها وزج قيادتها في السجون, لكن الإخوان المسلمين رغم أنهم أكبر جماعةٍ سرية في العالم, إلا أنها ليست الوحيدة التي ولدت ونمت في القرن الماضي ,من هذه الجماعات السرية جماعة القبيسيات , التي ولدت في سورية,ومنها انتشرت في لبنان وعدد من دول الخليج العربي, العامل الذي ساعد على نشر وانتشار القبيسيات كان بدون شك المال المتوفر بشدة لدى هذه المنظومة .
بالرغم من كون القبيسية تنظيم سري , الا أنه لايمارس تفجير الأحزمة المتفجرة , فعنف القبيسيات هو عنف آخر …عنف نفسي ..عنف جسدي …اجتماعي …مادي …الخ , ثم أن القبيسيات جماعة موالية لسبب ما للأسدية , الا أن طبيعة الولاء غير معروفة تماما فقد تكون هذه الطبيعة قسرية ,وهذا مرجح جدا .
البداية والظروف :في ظل الظروف التي سادت في سوريا أوائل الثمانينات, وعلى خلفية تفجير الأزبكية، وأحداث الإخوان عامي 1981 و 1982 تحول الوضع السوري الى بيئة خصبة لولادة جماعات سرية تهدف الى الوصول الى كرسي السلطة , المجتمع السوري بحث جاهدا عن سبل الانقاذ وعن صورةٍ جديدةٍ للدين، وبالفعل ظهرت مجموعةٌ من الحركات الدينية الاجتماعية التي وظفت الدين كقيمة أخلاقية سامية في عقول الناس في المجتمع السوري , بقدر ماتم توظيف الدين في مهام لاتهمه كالسياسة على سبيل الذكر وليس الحصر , بدأ الدين بالانحراف وبدأ تفريغه من مضامينه الأساسية .
كانت البداية في دمشق، حيث بدأت في تلك الفترة بعض المدارس الخاصة في الظهور, عليها سيطرت فكرياً منظمات كمركز المعونة المسيحي, والذي ركز على استقطاب الشباب واليافعين في فعالياتٍ اجتماعيةٍ خارج الإطار المدرسي, وأيضاً معهد السيدة رقيّة الشيعي, والذي اعتبر مرجعيىة للعديد من المدارس , ثم الحركة القبيسية التي بدأت بالمدارس ومن أجل رعاية أفضل للجيل الجديد , اضافة الى المدارس بدأت السيطرة على المرأة وتطويعها , فالمرأة تربويا هي الأهم في الأسرة وبالتالي في المجتمع.
لاشك بأن منظمة القبيسيات التي أسستها السيدة منيرة القبيسي المولودة عام 1933 والمدربة على يد الشيخ كفتارو والشيخ البوطي كانت من أنجح التنظيمات , ولم تكن السيدة منيرة وحيدة في تأسيس المنظمة , لقد ساعها وشاركها في انجاز هذه المهمة السيد أميرة جبريل أخت القائد الفلسطيني أحمد جبريل , وغيرهن من النساء المحافظات خاصة ذوي المنشأ المالي والثري من تجار دمشق .
لقد كانت هناك في ذلك الوقت خيبة أمل كبيرة من القيادات القومية والدينية ,مما فرض على الجميع السؤال التالي ..ما العمل ؟ والعمل كان بسبب حضور الفقر الفكري كان اللجوء الى الماضي ومحاولة استنساخه وتقليده , فكيف لا تزدهر حركة تمتلك العديد من معالم النجاح ..الأرض الفكرية كانت صحراء قاحلة ,أي نبتة يؤمن لها الماء والغذاء(ماديا) تنمو وتكبر , وهكذا كان حال القبيسيات في ادعائهم ايجاد الحل لكل معضلة , فالاسلام هو الحل أو واعدا بالحل ….احياء الماضي المزدهر هو الحل ,حتى ولو كان ازدهار الماضي وهما , المهم هو طريقة الدعاية وأساليبها , التي عليها اقناع الآخر .
اقترنت محاولة اعادة احياء الماضي في البدء بممارسة السلطة البعثيىة لكل أنواع الردع المتوحش تجاه الفرق الاسلامية التي مارست محاولة الوصول الى أهدافها بطرق متوحشة أيضا , لقد كان هناك تناسق بالأهداف المتعلقة باحياء الماضي بين الاسلاميين والبعثيين , وتشابه في الطرق والممارسات التي لم تنتج الا استعراضا للتوحش , التوحش أراد آنذاك فصل حماه عن سوريا واقامة دولة الخلافة اضافة الى ممارسة سلسلة من أعمال القتل والاغتيال والسلطة بدورها مارست التوحش في مجزرة راح ضحيتها عشرات الآلاف من السوريين ,وما يحدث اليوم ليس الا صورة عن حماه , وقد تكون حماه صورة عن كربلاء وكربلاء صورة عن صفين ..الخ .
هدأت البلاد بعد ذلك وتغيرت التحالفات , الاأن قبيسيات السيدة منيرة القبيسي لم يتغيروا الا في نقطة واحدة وهي نقطة التحالف مع السلطة , لقد نجحت القبيسيات في اقامة حلف مع السلطة , حيث فشل الاخوان في ذلك , لربما أدركت السيدة منيرة اهمية تقاطع مصالح البعث الاسلام السياسي بما يخص مفاهيم اعادة احياء الماضي وما يخص تاليه الحاكم وضرورة الانصياع له …على كل حال بدأ عصر التفاهم والتآزر بين الأسدية والقبيسية.
الحل الذي أرادته منيرة القبيسي كان تقديم الاسلام كحل لجزء من المشاكل الاجتماعية الدينية وليس للمشاكل السياسية , تعبدات …تحفيظ القرآن … الاذكار … أعمال خيرية … فاعليات اجتماعية …اقامة مدارس ثم التبشير المتهم بالصوفية على الطريقة الشلذلية -النقشبندية .
التبشير وفاعلية القبيسيات : للقبيسيات طرق تبشير خاصة بهم, هناك طريقة عامة وموجهة الى العموم وبها يتم استخدام الترهبيب والترغيب ثم التأثير العاطفي على الغير من النساء , الأخت المرأة جوهرة مكنونة لايجوز لها الا الاخفاء والتخفي , أزاء ذلك تشعر المرشحة بدغدغة المشاعر , أما االطريقة الثانية فتعتمد على المدارس وخاصة مدارس تحفيظ القرآن ثم الحلقات الدينية الخاصة , ثم اصطياد النفوذ عن طريق ممارسة سمسرة التزويج من أشخاص بمراكز مفصلية في السياسة والاقتصاد والمجتمع ثم تقديم المنح الدراسية وتأمين فرص العمل في الخليج , كل ذلك كان بهدف اقامة حبكة مصالح بين القبيسيات والجيل الجديد داخل وخارج سوريا .
من أشهر العائلات التي عرفت بانتمائها للقبيسيات كانت عائلات مثل الكزبري والطباع وجبريل وقويدر, والتي اشتهرت كلها بالثراء والتحكم في مجال الصرافة وسوق العملة في دمشق, و قد ازدادت القوة الاقتصادية لجماعة القبيسيات أثناء الحصار الاقتصادي على سورية في الثمانينات,حيث قامت الحكومة خلاله باعتقال وتصفية رجال المال المعروفين بحجج أمنية ….مال رجال المال والأعمال آل بشكل كبير الى صندوق السيدة منيرة ….الى صندوق القبيسيات بشكل عام .
رسميا ازداد نفوذ القبيسيات بعدعام2006 وتم رفع الحظر الأمني عنهم , جزئيا خوفا منهم بسبب زيادة نفوذهم اقتصاديا وسياسيا بشكل غير مباشر عن طريق الأصهار , لقد كان من شروط رفع الحظر عنهن نقل حلقات التدريس والاجتماعات من بيوت الآنسات إلى المساجد العامة لكن ذلك لم يغير الكثير فالعمل أصبح أكثر سرية , وحتى انه كان من الممكن اعتبار المساجد أماكن سرية , لقد سيطرت القبيسيات حتى على المساجد .
لم تمارس القبيسيات الحياد السياسي كما كان مقررا , فمنظومة القبيسيات وقفت بكل وضوح الى جانب السلطة , وهذا الوضوح تأكد عام 2012 بعد لقاء الأسد مع القبيسيات . لا نعرف بالتحديد ماتم الاتفاق عليه , من المتوقع أن تجنب الاستفزاز المتبادل كان نقطة من نقاط المباحثات , موضوع المدارس وسهولة الحصول على الترخيص لربما كان أيضا نقطة أخرى , على أي حال فقد ازداد التكاتف بين السلطة والقبيسيات بعد هذا الاجتماع بشكل ملحوظ .
بالرغم من أن الإسلام يغدق في وصف النعيم الذي سينعم به الذكور في الجنة، إلا أنه أغفل نسبيا أي نوع من النعيم للأنثى بها , وهذا كان أحد الأسباب التي جعلت السيطرة على النساء في التنظيم يعتمد على التخويف من عذاب جهنم، وتصويره بأبشع الصور وأكثرها رُعباً وزرع هذا الخوف في الفتاة منذ الصغر، وربط خلاصها برضا الآنسة وطاعتها وحبها لها.
تسمح البنية الهرمية للفبيسيات بوجود طبقات منهم ,ومن الضروري تبعا لذلك ابتكار وسيلة تنميزهم عن الغير وعن بعضهم البعض , وهذه الوسيلة كانت الملابس ولون الحجاب ,فالحجاب الأبيض هو دلالة للمنتسبة الجديدة , للأزرق والرمادي والكحلي الغامق أيضا دلالة على مرتبة القبيسية , هذه الطريقة للتمييز لم تعد مهمة في الفترة الأخيرة الا أنها كانت تطبق بشكل صارم في البدايات
الهجرة وانتشار القبيسيات : بالنسة لأمر انتشارالقبيسيات فقد استفاد تنظيمهم من الأزمات الاقتصادية في سورية حيث كانت الهجرة إحدى وسائل انتشار هذا التنظيم، الذي انتقل من كونه تنظيماً محليّاً سرّياً في دمشق فقط,ليكون تنظيماً عالمياً متواجداً في الكثير من الدول مثل لبنان والأردن والكويت والنمسا وأمريكا وألمانيا، وحديثاً السويد وسويسرا.
اطلاق اسم القبيسيات على المنظومة السورية كان تيمنا بمؤسستها منيرة القبيسي , هذه المنهجية وجدت تطبيقا لها في الأردن , حيث تسمى الحركة هناك الطباعيات نسبة الى مؤسستها فاديا طباع ,وفي لبنان سميت المنظمة باسم مؤسستها , هذا لايعني وجود شيئ من التشرذم فالعمل بين مختلف الحركات في مختلف البلدان سار بدون أي عراقيل , السيدة منيرة القبيسي هي الرأس وتبقى على الرأس . يقال أيضا بوجود تقسيم للقبيسيات حسب العمر , هناك النوادر بعمر بين 14 الى 18 عام , وهناك البشاير بين 18 الى 24 عام , وهناك البيادرمن عمر 24 عام وما فوق ,يقال أيضا بضرورة تقديم المنتسبة الجديدة تقريرا مفصلا عنها وعن اسرتها , ومدى صحة هذه الاشاعة غير معروف , المعروف فقط هو امتناع القبيسيات عن التوثيق الكتابي ,الأمور بين القبيسيات تسير شفهيا .
جات ليس من المهم مايطلق من اشاعات وانما الأهم من مايمكن الحصول عليه من استنتاجات , يمكن استنتاج وقوع القبيسيات في مطب تعذيب الذات المازوخي, الذي يقصد من التكفير عن الخطايا , يمكن أيضا استنتاج هيمنة الآنسة الكبيرة على كامل أسرة وليس فقط على المنتسبة الجدية ,موضوع تحفيظ القرآن في سن مبكرة هو أمر مؤكد , السؤال الأخير هو التالي :هل من موجبات أو ضرورة للقبيسيات ؟ الجواب لاضرورة لهم , الا أن المجتمع المريض لاينتج الا المرض !
