ممدوح بيطار ,سمير صادق :
كانت هزائم الشعوب العربية عسكريا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا نتيجة للعديد من الأسباب , منها فتح الباب على مصراعيه امام الخرافة , ولاختراق عقول الشعوب المهزومة وتخدير هذه العقول بالوهم والهلوسات والخرافات , بينما يتقلص دور الخرافة في المجتمعات المتقدمة علميا واجتماعيا وماديا , نرى ازدهار الخرافة في المناطق العربية الاسلامية , الخرافة تغطي العجز العلمي بحلوها محل العلم , لقد توفر للخرافة ارضا جديدة لتأبين العلم والعقلانية ودفنهما, ومصدرا لاستغلال بعض المشعوذون للبشر , الخرافة تساهم في تفسير الأحداث حتى الطبية, ولا تخجل الخرافة من عرض اطروحات المشعوذين, التي انتجت المال والجاه المادي لهم , انظروا على كتب الاعجاز العلمي لزغلول النجار , الذي تحول عن طريق اعجازه العلمي الى ملياردير من مستوى ال ٦ مليارات دولار .
لقد شهد القرن الأخير تطوراً هائلاً على الصعيد العلمي والتكنولوجي في العالم , ولكن في المحيط العربي العام حتى البترولي لم تكن هناك مشاركة في الثورة العلمية , انما تحديثا استهلاكيا بمنتجات الثورة العلمية , ترافق ذلك مع تأخر علمي تجلى بازدياد المظاهر الخرافية من تنجيم وتبصير وقراءة الكف وعلاقة الخرف المبكر بالذهب وطرح الحيض لسموم الذهب , ثم تحضير الأرواح الخ ,كل ذلك وغيره كان تعبيرا على حالة انفصامية لعلاقة الانسان العربي مع الثورة العلمية , يستهلكون منتجات الثورة العلمية بريع البترول , الذي لم يصنعوه وحتى لم يستخرجوه من باطن الأرض , ولا يسألون عن العقل الذي كان وراء انتاج منتجات التحديث .
في هذه الحالة يسأل عن أسباب ذلك الخمول والترهل الذي أصاب العقول , ثم عن من له مصلحة بتحويل الانسان الى مستسلم لهذيان الخرافة؟, لايمكن للجواب على هذا السؤال الا أن يوجه اصبع الاتهام للمستفيد من التجهيل والخرافة , فالمستفيد من الخرافة كانت الديكتاتوريات الدينية والديكتاتوريات السياسية, فالجهل كان من مسببات الاستكانة , الجهل لايتمرد وغير قادر على التمرد , وحياة الديكتاتورية الدينية والسياسية مع الجهل كانت حياة نعيم ,لذا الى التجهيل ونشر الخرافة !.
ماذكر باختصار شديد يؤكد الحاجة الى ثورة علمية تقضي على المخلفات الموروثة من افكار وقيم وهمجيات وعنف وايمان مطلق وتقديس , مما سيقود الى تعميق الوعي بحقيقة الأوضاع وتحديد المسؤول عن التردي ومحاولة ازالته , لذا كان على الوعي ان يتحول الى منهج التمرد والى الثورة على الانفصام المتجلي بأخذ منتجات الثورة العلمية والاستغناء عن أخذ العقلية التي انتجت ما يستهلكه العرب .
بعد حزيران ١٩٦٧ انتشرت بشدة ظاهرة تحضير الأرواح , التي استعان بها على سبيل المثال الفريق محمد فوزي واركان الحكم المصري للوصول الى قرارات عسكرية , يفترض ان تعتمد على تحليل علمي للموقف العسكري ولطبيعة الصراع والقوى المتصارعة , لم تقتصر ممارسات خرافة تحضير الأرواح على الفريق فوزي انما اانتشرت بين الأكادميين والسياسيين في اعلى المناصب,عموما قدمت هذه المجتمعات ارضا خصبة تزدهر بها الخرافة برعاية التراث الشعبي السائد على مر العصور السابقة , اضافة الى ذلك قدمت حالة لاحول لهم ولا قوة اي حالة الهزيمة مادة استثنائية لاختراق الخرافة للعقل العربي وتقديم تفسيرات خرافية للحالة المهيمنة , ثم تقديم الحلول الخرافية الواجب القيام بها , اي أن حالة العقول العربية عاكست حالة العقول الغربية, ولا تزال هذه الحالة مهيمنة حتى الآن على أوضاع العقول .
تغير في هذا العصر مفهوم الزمان والمكان , وحققت العقلانية نجاحات كبيرة على الغيبيات الدينية , التي توضعت خارج التاريخ , لكن المنطقة بين المحيط والخليج بقيت مرتعا خصبا للفكر الخرافي, مما يبرهن عن محدودية العقل العربي بالتاثير على اقامة العرب خارج التاريخ اي خارج العصر , مما يفسر اليقظة الجديدة للفكر السلفي والغيبيات واستحواذ الغيبيات على العقول , لم تترك الغيبيات مجالا للفلسفة والمنطق والعقلانية لفهم الواقع وللعمل على تطويره باتجاه التقدم , لابل كان هناك ادمان على التأخر , تأخر العقول ترجم تأخر الواقع .
الخمول والاسترخاء وغياب العناية بالحياة الأرضية ثم انتظار الموت والاستشهاد لاسعاف الانسان عن طريق ايصاله الى الجنة ,كانوا من أسباب تأخر العرب , اذ كيف لهم أن يتقدموا عندما تنتشر الأمية بين ٥٠٪ تقريبا منهم , التقدم يتطلب التعرف على الغير والتمكن من المساهمة مع الغير في صناعة حضارة بشرية متجانسة نوعا ما بين البشر ,كيف يمكن لشعوب نصفها امي , والنصف الآخر الابجدي لايقرأ أكثر من صفحتين سنويا , صفحة منهما من صفحات كتاب الله ال ٦٠٠ ,بينما يقرأ الاوروبي ٥٠ كتابا سنويا , مقارنة مع مستوى بقية العلم , يمكن القول ان شعوب هذه المنطقة لاتزال قابعة في الكهف وفي الركود , الذي يعكر العقل صفوه وخمولة وتبلده المستمر منذ ١٤٤٠ سنة , هزيمة ١٩٦٧ كانت احدى نتائج تجريد العقل من سلاح المطرقة والمعول واعتماده على السيف , الذي انتحر العرب به .
