يدور السجال بين النور والظلمة اي بين من يسمم العقل وبين من يعالج التسمم حول عدة اشكاليات منها القداسة, التي تمكنت في ظروف معرفية تاريخية من التحول الى جلابية اصولية فضفاضة , تمكنت من خنق التطور والتقدم على الرغم من مقاومتها من قبل فكر نقدي , لم يتمكن من الانتصار على وعي اسطوري صحراوي توهمي مثل اسطورة الريادة والهداية , التي كانت الكفن , الذي لفت به جثة خير امة , الانكسار كان ايضا أمام اقطاع الروح البدوية العصبية الدينية , التي خنقت حتى ابن خلدون وابن رشد وغيرهم, الخنق تم بحبل المشنقة وحبل الايمان والغيب والتقديس والتكفير واعتزال التفكير اي الجهل !.
بالرغم من وجود عقول خلقت مع الانسان , تعجب ابن رشد وقال” لايمكن لله ان يعطينا عقولا ثم يأمرنا بأن نغلقها “, البعض يعتبر مقولة ابن رشد وكأنها من انتاج الدين ,انطلاقا من اعتبار الدين منطقي وخلوق !, وهل كان اسلام ابن عبد الله منسجما مع مقولة ابن رشد ؟ فاسلام ابن عبد الله كان بدون عقل لأنه منع “السؤال….لاتسألوا ” وفرض الطاعة ….أطيعوني , ! وقدم النقل على العقل واعتبر الجديد بدعة وكل بدعة زندقة وضلالة , ولكم أن تسألوا عن عقوبة الزندقة!, فالجواب سيكون قاتلا لطارح السؤال .
الاقرار بالتردي المتزايد الى حد فقدان حتى الأمن الغذائي عند المؤمنين الغير بتروليين يرغم على الاعتراف بالمسؤولية الذاتية عن التردي وعن انتصار عقلية الغزالي وابن تيمية وأشباههم , هنا نعترف بالقصور والتقصير وبالكسل والتكاسل , الذي سمح للوحش البشري أن يحتل عقول الناس وبالتالي اعطاب هذه العقول , والتسبب في الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ,ثم قصور البحث العلمي والفكر النقدي والادمان على الطاعة والانصياع ثم الاسترزاق بالتملق والولاء لولي الأمر المعين من قبل الله صاحب الأمر النهائي المطلق .
بالرغم من تشويه وتزوير التاريخ كان من الممكن نظريا وبمساعدة البعض من امثال ابن خلدون من التعرف على حجم المقبرة التي اسستها الفتوحات وكانت بحجم الأوطان , اعتمدت البدوية الفاتحة على اقتصاد المغازي وابتعدت عن ثنائية الانتاج -العيش, بالنتيجة الاعتماد على الجزية والسلب والنهب لتغطية تكاليف الحياة , لقد كان ذلك واضحا بعد القرن الخامس هجري, اي بعد توقف الفتوحات وبعد احكام قبضة البدوية على شعوب المستعمرات , حتى السؤال البسيط عن مصدر اموال بيوت المال لم يطرح ومن المتوقع ان لايطرح , فمن آمن بكون غنائم الحرب حلالا زلالا لايطرح اسئلة من هذا النوع , ومن اعتقد بصواب مقولة “جعل رزقي في ظل رمحي ” لايطرح تلك الاسئلة , ومن افتخر بتهديد هارون الرشيد للغيوم بأنها لاتستطيع الهروب منه , فاينما أمطرت سيعود ريعها له , لايطرح اي سؤال عن مصدر الثروات التي كدست في بيوت المال , حتى في هذا العصر لم يكن هناك اي صدى تنفيذي للعقوبات المنتظرة بحق الفساد والفاسدين واللصوص , قانون من اين لك هذا ؟, بقي حبرا على ورق .
المعاوضة الوحيدة لتناقص محتويات بيوت المال كانت ضراوة التحصيل من سكان البلدان المفتوحة , الذين عانوا من تزايد الفقر بسبب انقراض الانتاج الزراعي , فسكان بلاد الشام وسكان وادي النيل عملوا وابدعوا وانتجوا تحت الحكم الروماني , الذي اهتم بالزراعة وحفر قنوات الري مثل اطول قناة ري في العالم مثل قناة جدارة او نفق الديكابولس المائي بين جنوب سوريا وشمال الاردن , والتي بلغ طولها ١٧٠ كم ومشاريع الري في منطقة درعا المسمات مشروع ري المزيريب وشبكات الأشعري وعيون العبد والكثير غيرهم , ثم شق الطرقات واقام الجسور على الأنهار , ومن اشهرها ما أقيم على نهر الخابور , والذي لايزال قيد الاستعمال حتى اليوم , لاعلاقة لكل مابني في ال ٧٠٠ سنة رومانية بالفتوحات والفاتحين , والأمر لم يتغير في السنين العثمانية ال ٤٠٠ , التي عرفت ضراوة التحصيل وضعف حتى انعدام الانتاج الزراعي !.
اهمال الانتاج الزراعي ثم تزايد ضراوة الجباية قاد الى افقار الشعوب والى ارتفاع مستوى القمع والتسلط, وللمحافظة على المستعمرات كان لابد من استعمال الخصائص البدوية أو القيم البربرية للعقول البدوية مثل الولع بالقتل وممارسة العنف والسرقة والثأر الخ , مما يفسر غياب الثورات في تلك القرون العشرة , التي امتلأت بالحروب بين الأشخاص وباستخدام الازلام كوقود لتك الحروب , التي لم تتوقف لحد الآن , لم يسقط التأخر من السماء انما ولد على الارض المفتوحة على يد الفاتحين !.