في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970 ,قام حافظ الاسد بالحركة التصحيحية الشهيرة والتي قضى من خلالها على تيار كامل في سوريا بقيادة صلاح جديد في صراع على السلطة لينهي حقبة طويلة من التقلبات والانقلابات ويكرس مفهوم الاستقرار الذي يبني الدولة بوجهة نظره .. !
ولست هنا بمقام تحليل الحركة التصحيحية وايجابياتها وسلبياتها لان موقفي معروف منها فكل ما يأتي ويكرس مبدأ الطغيان وحكم الفرد الواحد والحزب الشمولي يعد بالنسبة لي مشروع ساقط اخلاقيا ولا ينتج عنه الا التخلف والدمار وكنت دائما اسميها الحركة التصحيحية الاسدية .. لكن لنأخذ فكرة الحركة التصحيحية كمبدأ إعادة البوصلة لمكانها الصحيح فقط .. فهل نحن بحاجة حركة تصحيحية تعيد الامور لنصابها !؟
من الواضح للقاصي والداني أننا في سوريا حاليا نعيش فوضى عارمة شبهتها سابقا كمن يعيش على فوهة بركان وينتظر متى سيفجر حممه ويحرق بها الجميع .. واضح أن المسار الذي كان واضحا عقب سقوط الاسد وتحرير سوريا عبر وعود كثيرة وجميلة وبراقة لم يعد هو المسار الذي يريده أغلب السوريين الذين باتوا يرون هذه الوعود مجرد سراب في صحراء يتوهون بها يوميا ..!
جلّ مشاكل سوريا عند التحرير كانت اقتصادية لكن هذه المشاكل تفاقمت لحد أصبحت فيه مشاكل من كل صوب وحدب ولون .. مشاكل اقتصادية واجتماعية وامنية ولوجستية وسياسية وجغرافية وادارية واقليمية ودينية ايضا .. سوء الادارة والاستئثار وعدم التشاركية وتعطيل أي نشاط ديمقراطي والاصرار على نفس النهج بالتعيينات ونفس الفكر بالادارة وعدم التوجه لتوسيع رقعة المشاركة والاستعانة بالكفاءات الحقيقية وفتح البلد لجميع التيارات الفكرية للمشاركة في البناء والقيادة .. جعل الوضع يتدحرج من سيء لاسوأ ولم يعد المواطن يرى هذا الضوء في نهاية النفق رغم بعض الالماعات هنا وهناك لكنها غير قادرة على انارة هذا الظلام الذي يعيشه المواطن والخوف الدائم من الحاضر والغد !
بعد نحو عامين من التحرير كنا نتأمل ان نتقدم في شتى القطاعات .. لكن ما نراه على ارض الواقع أننا غرقنا في الفساد والمحسوبيات وحالة اللا قانون .. ولم تعد نشوة الانتصار على الاسد قادرة على ان تذهب بعقل المواطن السوري الذي بات يبحث عن لقمة عيشه بغض النظر عن من يحكمه .. يبحث عن طريقة ليسدد بها فاتورة كهربائه ومائه ويسأل نفسه كيف السبيل لليتر مازوت يدفئه وعائلته وليتر بنزين يسير به بسيارته والاهم ان يكون غير فاسد فيعطل تلك السيارة ويجعله يدفع ما فوقه وتحته لاصلاحها .. يبحث عن أمان وأمن وأن لا يأتي عنصر أمن يدعي أنه من الدراسات او الانشاءات او أو أو .. ويرميه خارج منزله ويستبيح ملكه بحجة أنه كان من الفلول او سبق له ان عمل لدى قطاع من قطاعات الاسد .. أو قرار يحرمه من ملك سبق حرمه منه ال الاسد لعقود طويلة وانتظر كل هذا العمر لتأتي لحظة التحرير والخلاص ليعيد له ملكه .. لكنه يفاجئ بالعكس !
كل يوم انتهاكات داخلية لا تتوقف .. كل يوم مخالفات للدستور .. كل يوم ترند للسادة المسؤولين المنفصلين عن الواقع المعيشي السوري .. كل يوم اخطاء ادارية وقرارات عبثية .. كل يوم مناشدات من المواطنين ببدء الاعمار او على الاقل ان يتركوهم ليعيدوا بناء منازلهم .. كل يوم قرارات تكرس البيروقراطية .. كل يوم نشهد تراجع في كل القطاعات ..!
كل ذلك بكفة .. واسرائيل واطماعها التي باتت معلنة بكفة اخرى .. اسرائيل التي باتت على بعد كيلو مترات من دمشق وما يحول بينها وبين العاصمة التاريخية مجرد قرار يتم اقناع ترامب به .. الاسرائيليون اتموا الاستعداد فيما يبدو لعملية في الجنوب السوري لا احد يعلم عن ماذا ستسفر .. ونحن كشعب غارقون بالفوضى الطائفية والاقتتال والشخصنة والانانية .. أما الحكومة .. حدث ولا حرج .. فهي غارقة بالمواكب والمظاهر والبهرجة ومظاهر الترف والتشريفات والسجاد الاحمر وسب المواطن والانفصال عن الواقع وتحصيل ما يمكن تحصيله ولا علم لديهم بأن الشارع يغلي وسينفجر قريبا !
والطامة الكبرى تمثلت بالتراجع في السياسة الخارجية فلم نعد نشهد تلك الحركة السياسية النشطة ولم يعد يأتينا أحد ولم نعد نزور أحد وكأننا في عزلة وحتى الاخوة العرب توقفوا عن مساعدتنا .. وكأن المجتمع العربي والدولي يوجه لنا انذار او تحذير بأنه يرى الوضع الداخلي وأنه غير راض عنه ويريد تصحيح المسار ليعيد تقديم ما هو مطلوب منه واكثر ..!
يا سيادة الرئيس ..
أقولها وبكل محبة وحزن على ما وصلنا إليه .. ربما نحن اليوم بالذات بحاجة حركة تصحيحية نعيد بها المسار ونحدد فيها البوصلة .. وهذه الحركة لن تسير بها وحدك .. ولن تسير بها بجيشك وقواك الامنية واعضاء حزبك كما فعل حافظ الاسد .. لا .. أضمن لك ان هذه الحركة إن بدأت بها واطلقتها سيكون خلفك شعب كامل أحبك و تواق لأن يرى بلده ينهض من جديد وليس لديه أي مشكلة في أن يصبر معك سنين البناء لكن بشرط .. ان تكف عنه حماقات من يتولون المناصب وقلة علمهم وجهلهم ومظاهر ترفهم واستعلاءهم عليه .. يا سيادة الرئيس إن هذا الشعب متعب ويريد أن يهنأ بأقل فسحة من الراحة والامان وهو في سبيل ذلك مستعد أن يسير معك في أي طريق يحقق له ذلك الامان والاستقرار !
نحن بحاجة ملحة وسريعة لحركة تصحيح المسار تشمل ..
تغيير شامل للحكومة وتعيين حكومة من الكفاءات الكبيرة وان يكون التعيين بدون النظر لملة وعقيدة صاحب المنصب فنحن بحاجة كفاءته وان يكون ولاءه لسوريا فقط !
أن ننهي حالة الفصائلية التي نعيشها وان ندخل عقلية الدولة .. فممنوع أن يسمى مسؤول سياسي او حكومي او امني بأبو فلان وأبو علتان .. والشيخ والامير .. عقلية الفصائل انتهت عند التحرير وبدأنا بعقلية الدولة التي اشرتم لها مرارا سيادة الرئيس فأجعلوها أمرا على الجميع !
أن يصان حق المواطن في التملك فلا يعتدى على ملكه ويتم تجريده منه بأي طريقة أو اسلوب وتحت أي طائل وان يعاد النظر في كل قضايا الاستملاك وحقوق الناس المسلوبة !
أن يصار الى انتخاب مجلس شعب يمثل الشعب ويكون صوته الحر ويتمتع بصلاحيات السلطة التشريعية الكاملة في المحاسبة وحجب الثقة والاستجواب وسن القوانين وتعديلها.
أن يعاد للسلطة القضائية مركزيتها واستقلالها وان يعاد رسم مسارها وتشكيلاتها بأشراف نخب قانونية وفقهية مختصة تتمتع بالعلم والفقه القانوني ليصار لحل مشاكل القضاء الكثيرة ليستعيد القضاء ثقة المواطن المفقودة حاليا للاسف !
أن يعاد تشكيل محاكم العدالة الانتقالية ليتم الاسراع في النظر للملفات وكي يتخلص الناس من سيف العدالة الانتقالية المسلط على رقابهم عبر دراسة ملفاتهم بشكل سريع واحالة المسيء للقضاء وتبرءة البريء ليعود لحياته الطبيعية وعدم التوغل والاكثار من قرارات الحجز التي ارهقت السوريين وان لا يتم توقيف اي مواطن الا بدليل دامغ وان يكون حقه مكفول في تعيين محامي ومحاكمة علنية وسرعة اجراءات التحقيق !
طرح قانون تشكيل احزاب سياسية لتكون النقاشات ضمن مجلس البرلمان والمجالس السياسية وليس عبر الشارع وصفحات السيشول ميديا وكي يضلع كل السوريون ويتحملون مسؤولية بناء بلدهم .. ومن تحمل الامانة يصبح شريكا في البناء ولا يمكن أن يسيء للوطن !
أن تشكل لجان برلمانية – حكومية .. اقتصادية مشتركة لاعادة دراسة الواقع المعيشي للمواطن وتخفيف الاعباء المادية عليه قدر الامكان !
أن تتوقف كل مظاهر الترف والبذخ لدى المسؤولين تحت طائلة العقاب المشدد .. كل وزير سيارة واحدة وسيارة مرافقة لا غير وضغط في المصاريف والنفقات .. لا للفلل والبيوت المترفة والرفاهيات المستفزة في بلد نصفها مدمر ونصف شعبها مشرد في مخيمات اللجوء !!
أن نستجلب الكفاءات الاقتصادية القادرة على تأمين حياة كريمة للمواطن وان نستبدل مشاريع الاستثمار العقاري بمشاريع خدمية تؤمن بناء البنى التحتية التي تبني اقتصادا متينا وتوفر فرص عمل للشباب الذي سيبني هذا البلد !
احترام الدستور والقانون .. والمواطن هو الاساس وهو البوصلة وهو الغاية والهدف ولا يجب ان تمس كرامته وحريته من قبل أحد إلا بالقانون .
التصدي لكل حركات التشدد وتغيير الهوية الدينية للشعب السوري واجباره على عادات ليست منه في شيء .. من يريد تأسيس حزب ديني فليؤسس ويمارس نشاطه كأي حزب أخر دون اكراه الناس .. وفصل اي تشدد ديني عن الدولة !
الضرب بيد من حديد على كل من يغذي الطائفية بخطاب وسلوك وفعل وكل من يشبح باسم الدولة ويزرع الكراهية بين السوريين أي كان انتماءه وعقيدته ولو وصل الحد للاعدام فلا بأس مقابل ان نحافظ على كيان البلد ومواطنته !
ان نقطع دابر وايادي كل من يريد العبث بأمن الوطن عبر برامج حيوية وطنية و ورشات عمل وبناء وتشاركية تجمع كل السوريين ولا نسمح ليد خارجية باختطاف قرار طائفة معينة لاننا عاجزون على ان نشعرهم بالامان في وطنهم ونسمح لهم أن يبحثوا عن ذلك في الخارج !
تفعيل مبدأ المحاسبة لكل مسؤول يخطأ أو كل فساد يظهر وتحميل الوزير تبعة الفساد في وزارته والمدير في مديريته !
تفعيل اللا مركزية ليخف الضغط عن العاصمة واعادة تنمية المحافظات وخاصة النامية كي يعيش بها اهلها عيشا كريما فلا يحتاجون للزحف لمدن أخرى بحثا عن لقمة العيش والرزق !
وضع خطة لاعادة الاعمار وعدم انتظار المساعدات الخارجية فبلدنا خيرها وفير وقادرة على بناء نفسها لكن بشرط أن يديرها من يحبها ويؤمن بها وبشعبها وان تكون لديه الكفاءة لذلك !
واختم ..
في الواقع هناك الكثير من الطلبات والمتطلبات وهناك الكثير من العمل الذي ينتظرنا لنتدارك كل ما سبق ونعيد البناء بشكل صحيح .. ولذا .. وأنا لا أؤمن بالمناشدة ولا الترجي ولا التوسل لأي شخص كان .. لذا اوجه كلامي هذا لسيادة الرئيس أحمد الشرع كمواطن يتأمل منه الخير والفلاح وكمطلب ليقود هذه الثورة التي نصحح فيها المسار ونعيد الثقة ونبني سوريا الحديثة التي نحلم بها ودفعنا الغالي والثمين لاجلها .. سوريا القانون والديمقراطية والحضارة ..!
اذا نحن بحاجة حركة تصحيحية لكن ليست بفكر ونهج الاسدية .. وليست بفكر ونهج شخص معين مهما كان هذا الشخص .. نحن بحاجة حركة بفكر الدولة ومؤسساتها الديمقراطية التي ترسم طريق الدولة لتبقى قوية رحل من رحل وبقي من بقي فهي مصانة محمية بالتشريع والدستور والقانون و وعي شعبها .. نحن بحاجة الحركة التصحيحية .. السورية !
