مقارنة بين نظرة أنطون سعاده وسيمون دي بوفوار إلى المرأة

 سعادة  عبد   الرحيم :

بالكاريكاتير: المرأة العربية في عيدها العالمي    تعريف بالفيلسوفين والخطوط الرئيسية لفكرهما

أنطون سعاده (1904-1949): فيلسوف النهضة القومية الاجتماعية
وُلد أنطون سعاده في ضهور الشوير بلبنان عام 1904، لأسرة مثقفة؛ كان والده الدكتور خليل سعاده طبيباً وصحافياً وكاتباً وروائياً ولغوياً. اغترب في البرازيل حيث عمل مساعداً لوالده في تحرير مجلة المجلة والكتابة فيها منذ السابعة عشرة من عمره.[^1] عاد إلى لبنان والتحق بالجامعة الأمريكية في بيروت أستاذاً للغة الألمانية، وأسس في 16 تشرين الثاني 1932 «الحزب السوري القومي الاجتماعي» من مجموعة من الأعضاء جرى انتقاؤهم بعناية من وسط الجامعة.[^2]
امتدت رؤيته القومية لتشمل ما سماه «الهلال السوري الخصيب» أو «الأمة السورية». يقول: «الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة السورية. وهي ذات حدود جغرافية تميزها من سواها تمتد من جبال طوروس في الشمال الغربي وجبال البختياري في الشمال الشرقي إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب، شاملة جزيرة قبرص، إلى قوس الصحراء العربية وخليج العجم في الشرق».[^3] درس الفكر الأوروبي بلغاته الأصلية (الألمانية والفرنسية والإنكليزية)، واستنبط أفكاراً من التاريخ السوري لتأسيس فكرة قومية تعود إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.[^4]
الخطوط الرئيسية لفكر سعاده
أولاً: المجتمع يسبق الفرد، بل يرى المجتمع هو الإنسان الكامل. ينطلق سعاده من أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يوجد في فراغ. الأسرة عنده هي «اللبنة الأولى» في بناء المجتمع، وهي حلقة الوصل بين الفرد والأمة. ولهذا، لا يمكن تصور «فرد» خارج المجتمع، ولا «حقوق فردية» معزولة عن الواجبات الاجتماعية.[^5]
ثانياً: الطبيعة مرجع معياري. يرى سعاده أن «الطبيعة» هي التي رتبت على المرأة والرجل وظائفهما، وأن الاختلاف في الواجبات «اختلاف طبيعي لا وجه للعبودية فيه».[^6] وهو لا يعتبر هذا الاختلاف انتقاصاً، بل تكاملاً.
ثالثاً: الواجب القومي. كل فرد، رجلاً كان أو امرأة، ملتزم بواجب قومي تجاه أمته. والعمل القومي ليس وقفاً على الرجال، بل «لن يكون العمل قومياً حتى تشترك فيه المرأة وتكون عضواً عاملاً فيه».[^7]
رابعاً: الأخلاق أساس النهضة. كان سعاده يرى أن نجاح النهضة «لا يتوقف على جودة البرامج وحدها، بل على نوعية الرجال والنساء الذين ينفذونها».[^8] فكل مؤسسة قوية تحتاج إلى رجال ونساء أقوياء.
سيمون دي بوفوار (1908-1986): فيلسوفة الحرية الوجودية
وُلدت سيمون دي بوفوار في باريس في 9 يناير 1908، في أسرة بورجوازية تقليدية. نشأت في وسط كاثوليكي محافظ، لكنها تمردت منذ طفولتها على قيم الإيمان والأيديولوجيا البورجوازية. في الرابعة عشرة من عمرها، رفضت وجود الله، وكانت هذه لحظة محورية في حياتها دفعت بها إلى دراسة الفلسفة.[^9] في عام 1929، أصبحت تاسع امرأة تحصل على «الأغريغاسيون» في الفلسفة من المدرسة العليا، وكانت أصغر من حصل عليها في الفلسفة.[^10]
ارتبطت بجان بول سارتر بعلاقة فكرية وعاطفية استمرت عقوداً، لكنها رفضت الزواج التقليدي. لم تنجب أطفالاً، وأقامت علاقات عاطفية مع نساء، لكنها رفضت تصنيف نفسها كمثلية.[^11]
الخطوط الرئيسية لفكر بوفوار
أولاً: الوجود يسبق الجوهر. منطلقها الوجودي الأساسي: الإنسان الفرد يوجد أولاً، ثم يصنع ماهيته بأفعاله واختياراته. لا يوجد «قدر» يحدد مسبقاً ما تكون عليه المرأة أو الرجل.[^12]
ثانياً: «المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة». هذه العبارة الشهيرة من كتاب «الجنس الآخر» (1949) تعني أن «الأنوثة» ليست حقيقة بيولوجية ثابتة، بل نتاج اجتماعي وثقافي. تقول: «ليس ثمة قدر بيولوجي أو نفسي أو اقتصادي يقضي بتحديد شخصية المرء كأنثى في المجتمع، ولكن الحضارة في مجملها هي التي تصنع هذا المخلوق».[^13]
ثالثاً: المرأة كـ«الآخر». أهم إسهام لبوفوار في الفلسفة النسوية هو مفهوم «المرأة كآخر» (The Other). الرجل يمثل «الذات» المعيارية، والمرأة تُعرَّف دائماً كـ«آخر» مقابل هذه الذات.[^14]
رابعاً: نقد «المؤنث الأبدي». تفكك بوفوار أسطورة «المؤنث الأبدي» التي تُصوَّر فيها المرأة كنموذج مثالي ثابت، وترى أن هذه الأسطورة ليست إلا «تبريراً فلسفياً للهيمنة الذكورية».[^15]
خامساً: الحرية والاستقلال الاقتصادي. الحرية عند بوفوار تتكشف في الواقع التاريخي، لا في القوالب المثالية الجامدة. وترى أن «العمل هو الشرط الأول لاستقلال المرأة».[^16]
المقارنة بين نظرة سعاده وبوفوار إلى المرأة
المنطلق الفلسفي
ينطلق سعاده من مبدأ أن المجتمع يسبق الفرد، والأسرة عنده «اللبنة الأولى» في بناء المجتمع القومي. في مقالته «نظرات في المساواة» (الجزء الرابع)، يرد على من يصف واجبات المرأة بأنها «قيود ثقيلة وسجناً مظلماً» بالقول: «لا أنكر أن واجبات المرأة تختلف عن واجبات الرجل. ولكن الاختلاف في واجبات المرأة والرجل اختلاف طبيعي لا وجه للعبودية فيه».[^17] وهو يعتبر أن «الطبيعة» هي التي رتبت على المرأة وظيفتها، لا الرجل ولا العرف.
في المقابل، تنطلق بوفوار من مبدأ وجودي مغاير: الوجود يسبق الجوهر. في كتابها «الجنس الآخر» (1949)، تكتب: «المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة، فليس ثمة قدر بيولوجي أو نفسي أو اقتصادي يقضي بتحديد شخصية المرء كأنثى في المجتمع، ولكن الحضارة في مجملها هي التي تصنع هذا المخلوق».[^18] بوفوار لا تنكر البيولوجيا، لكنها ترفض تحويلها إلى قدر اجتماعي.
الفرق الجوهري هنا واضح: سعاده يرى الطبيعة مرجعاً معيارياً، وبوفوار تراها معطى قابلاً للتجاوز الاجتماعي.
المرأة بين الطبيعة والتنشئة
يعترف سعاده بأن المرأة قادرة على الإدراك العقلي مثل الرجل. بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقول إن المرأة «قد تدرك بقلبها ما لا يدركه الرجل بعقله».[^19] وهنا يشير إلى نوع من المعرفة الحدسية التي لا يملكها الرجل بنفس الدرجة. لكنه لا يجعل هذا الإدراك القلبي قاعدة ثابتة، بل قدرة عرضية. المهم عنده أن المرأة عاقلة، وبالتالي فهي قادرة على تحمل المسؤولية القومية مثل الرجل.
لكن هذا الاعتراف لا يتجاوز حدوداً معينة. فإذا كانت المرأة عاقلة، فإن «الطبيعة» هي التي ترسم لها واجباتها. يقول: «لا أنكر أن واجبات المرأة تختلف عن واجبات الرجل، ولكن الاختلاف في واجبات المرأة والرجل اختلاف طبيعي لا وجه للعبودية فيه».[^20] فالأمومة عنده وظيفة طبيعية، وإدارة الأسرة مسؤولية طبيعية.
بوفوار ترفض هذا الفصل جملة وتفصيلاً. هي ترى أن ما يسمى «الأنوثة» ليس إلا نتاجاً اجتماعياً، وأن الأدوار المفروضة على المرأة ليست «طبيعية» بل مصنوعة. تشير إلى أن «أسطورة المؤنث الأبدي» ليست مجرد تصور جامد، بل هي «امتداد للفكر الأبوي الذي يختزل المرأة في أدوار محددة كالأم أو الزوجة أو العشيقة، مما يجعلها عاجزة عن تعريف ذاتها خارج هذه الأدوار».[^21]
الزواج والأسرة
موقف سعاده من الزواج متماسك مع منطلقه. في «نظرات في المساواة» (الجزء الخامس من المقال)، يقول: «أما الزواج فهو عقد حبي ولد وعاش ونما قبل العقد الاجتماعي بأزمنة. وليس العقد الاجتماعي إلا الثوب الخارجي الذي يجعل الزواج شرعياً في الهيئة الاجتماعية».[^22] ويضيف: «لا يقوم الزواج إلا على الحب. ولا يقوم الحب إلا على الجمال».[^23] وفي رسالة إلى أدفيك جريديني، يقول: «الحب هو الرابطة الأساسية لا الزواج، الزواج يكمل الحب، ولا يكمل الحب الزواج» (الرسالة التاسعة).[^24]
لكنه في الوقت نفسه يعتبر الزواج «تأسيساً لمؤسسة قومية»، لأن الأسرة عنده «اللبنة الأولى» في المجتمع. وفي «نظرات في المساواة» (الجزء السابع من المقال)، يهاجم من يصف الزواج بالعبودية، معتبراً أن «عائلاتنا في حاجة إلى ما يوثق عراها ويثبت قدمها تجاه زعازع الثورات الجنونية التي يقوم بها الآن مدّعو تحرير المرأة».[^25]
بوفوار تنظر إلى الزواج التقليدي نظرة نقدية. في «الجنس الآخر»، ترى أن الزواج «يحوّل المرأة إلى تابع للرجل»، لكنها لا ترفض الزواج بذاته، بل ترفض الشكل القائم على التبعية. وتشترط للزواج السليم «استقلالاً اقتصادياً للمرأة، واحتراماً متبادلاً، وحرية في الاختيار».[^26]
الأمومة والإنجاب
هنا يصل الاختلاف إلى ذروته.
سعاده يرى الأمومة «وظيفة طبيعية». في «نظرات في المساواة» (الجزء السادس)، يقول: «لا يزال في بلدان معيّنة في العالم عبودية حقيقية للمرأة… ولكن في تلك البلدان فقط حيث لا نور للحرية ولا ارتقاء في الأخلاق يوجد عبودية للمرأة».[^27] وهو يرفض فكرة أن تكون الأمومة «عبودية»، لأن الطبيعة هي التي رتبت على المرأة «وظيفتها وواجباتها».[^28]
بوفوار ترفض «الأمومة المفروضة». في «الجنس الآخر»، تشير إلى أن «الأمومة يجب أن تكون اختياراً واعياً»، لا «قدراً بيولوجياً».[^29] وهي نفسها لم تنجب، لكن هذا لا يعني أنها كانت ضد الأمومة، بل كانت ضد «إلزام» المرأة بها.[^30]
العمل والاستقلال الاقتصادي
سعاده لا يعارض عمل المرأة في المجال القومي، بل فتح باب العضوية والمسؤوليات أمامها. في كلمته بحفلة القوميات الاجتماعيات (1938)، يقول: «لن يكون العمل قومياً حتى تشترك فيه المرأة وتكون عضواً عاملاً فيه… نحن في حاجة شديدة إلى المرأة».[^31] لكنه لا يعتبر «الاستقلال الاقتصادي» شرطاً للتحرر. في «نظرات في المساواة» (الجزء السادس)، يرفض فكرة أن «المال» يحل مشكلة «العبودية» في الزواج، ويقول: «العبودية… تكون نتيجة انحطاط أخلاقي، والمال لا يمكن أن يسوي بين الراقي والمنحط».[^32]
بوفوار تجعل من «الاستقلال الاقتصادي» شرطاً أساسياً للتحرر. تقول في «الجنس الآخر»: «العمل هو الشرط الأول لاستقلال المرأة»، وتشير إلى أن المرأة التي لا تعمل تبقى «تابعة» للرجل.[^33]
خلاصة المقارنة
يمكن تلخيص الفرق بين الرؤيتين في ثلاثة مستويات.
المستوى الأول: المنطلق. سعاده ينطلق من «المجتمع يسبق الفرد»، والأسرة عنده «اللبنة الأولى». بوفوار تنطلق من «الفرد يسبق المجتمع»، والحرية الفردية عندها «أساس» أي مشروع اجتماعي. وهنا يظهر تناقض في موقف بوفوار: فهي تقول إن «المرأة ليست سوى ما يصنعه بها الرجل ومجتمعها»، وهذا اعتراف بأن المجتمع سابق للمرأة، لكنها في الوقت نفسه تبني مشروعها على أن الفرد سابق للمجتمع.[^34]
المستوى الثاني: طبيعة الفرق بين الجنسين. سعاده يرى أن الفرق بين الرجل والمرأة «طبيعي»، والأدوار المترتبة عليه «طبيعية» أيضاً. بوفوار ترى أن الفرق «بيولوجي» لكن «الأدوار» مصنوعة اجتماعياً، ويمكن تغييرها.[^35]
المستوى الثالث: موقع الأمومة. سعاده يرى الأمومة «وظيفة» و«واجباً قومياً»، ولا يطرح «حق رفضها». بوفوار ترى الأمومة «خياراً» و«حقاً»، وترفض «فرضها».[^36]
وأما القاسم المشترك بينهما، فهو الاعتراف بأن المرأة ليست «أدنى» من الرجل. سعاده يقول إنها «عاقلة» و«شريكة في المسؤولية القومية»، كما في كلمته: «قد يعجز الرجل أن يدرك بعقله ما تستطيع المرأة أن تدركه بقلبها».[^37] وبوفوار تقول إنها «حرة» و«قادرة على تجاوز أي قدر». لكن سعاده يقيّدها بـ«الطبيعة»، وبوفوار تطلقها في «الحرية».
وهنا يبقى السؤال مفتوحاً: هل «الواجب» قيد يجب التحرر منه، أم معنى يجب تحقيقه؟ سعاده يجيب: معنى. بوفوار تجيب: قيد. والواقع لا يحسم الجدل، بل يظل بينهما، لأن الإنسان كائن «طبيعي» و«حر» في الوقت نفسه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *