من نهفات الحرب على إيران: باب المندب… حيث يدفع العرب فاتورة الحصار …

مروان صباح : 

    ذات مرة قال محمود درويش : ” لماذا تريد الرحيلَ إلى قرطبة ؟ لأني لا أعرفُ الدربَ / صحراءُ… صحراءُ – غنِّ التشابهَ بين السؤال والجوابِ ،

لعلَّ انهيارًا سيحمي انهياري من الانهيار الأخير – أنا ألفُ عامٍ من اللحظة العربيةِ – أبني على الرمل ما تحمله الريحُ ، فثمة قاعدة شبه ثابتة في الجغرافيا السياسية للمنطقة : كلما قرر نتنياهو وترامب محاصرة إيران بحريًا ، انعكس ذلك على العرب ،،وكأن الجغرافيا العربية ليست ساحة قرار ، بل مسرح فاتورة ، فالحرب على إيران ، وإن حملت عنوانًا فارسيًا ، تُكتب فصولها على شواطئ عربية : باب المندب ، قناة السويس ، النيل ، السودان ، والبحر الأحمر ، وهنا لا تغيب قرطبة درويش : العرب يريدون الرحيل إلى موانئ آمنة ، لكنهم لا يعرفون الدرب ؛ صحراءٌ في البر ، وصحراءٌ في البحر ، ورياح تحمل ما يبنون على الرمل.

إذنً ، زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة لم تكن فقط حسابًا سعوديًا لمخاطر الملاحة في البحر الأحمر ، بل كانت أولًا وأخيرًا في الاقتصاد الاستراتيجي المصري وتشابك علاقاته الإقليمية والدولية ، فسيطرة جماعة الحوثي على البوابة الجنوبية عند باب المندب ، وربطها بقوة نارية على مسارات البوابات الأخرى ، يمنحها قدرة هيمنة على الحركة ، حتى لو ظل ذلك مرهونًا بحسابات دقيقة بين طهران والقاهرة وواشنطن والصين ، فمستقبل باب المندب صار معلقًا بقرارات طهران ، وهذا يعني أن العرب لم يخسروا قبل ذلك مسارات الملاحة فحسب ، بل الخاسر الفعلي هو الولايات المتحدة التىّ كانت تتولى مسؤولية تأمينها ، رغم أن تبقى سياسة البراغماتية في واشنطن لقيادة العالم حاضرة ، لكن السؤال الجوهري يبقى : هل تكترث واشنطن كثيرًا للعرب إذا ما عقدت مليشيا الحوثي اتفاقًا مع الأمريكيين؟ تمامًا كما كشف تقارير عن صفقات سابقة ، عُقدت في زمن الخميني ، مع تل أبيب حول السلاح والغذاء والزراعة مقابل النفط ، وتحديدًا أثناء الحرب العراقية-الإيرانية ، وقد يتساءل المرء عن أصول الصراع اليوم بين الأطراف ؛ والجواب ببساطة أن الاتفاقات السابقة لم تكن تحالفات جذرية بقدر ما كانت تُبرم ضمن سياق مصالح إقليمية قابلة للتصادم ، كما يجري اليوم ، إلا أن الولايات المتحدة تدير المعركة مع النظام الإيراني بطريقة مختلفة حتى لا تخسر التوازن القائم في المنطقة ، وهنا يتبدى التناقض : واشنطن تريد احتواء إيران دون أن تتحمل تبعات هذا الاحتواء ، فتوزع أعباءه على حلفائها العرب.
بالطبع ، خلال العدوان الإسرائيلي على غزة ، وبسبب المسيرات والصواريخ ، تراجع أداء قناة السويس ، لكن اليوم ، مع تطورات مضيق هرمز وتهديد الحوثيين للملاحة في باب المندب ، باتت الأمور في المجهول ، الجميع ، على الأقل ، يبحث عن مسارات جديدة لم تُستخدم من قبل ، وهو مؤشر ليس جيدًا ، وليس بريئًا تمامًا ، في الأزمة الحالية ، وفرت مصر عبر خط الأنابيب مع السعودية مسارًا بديلًا للنفط السعودي ، يُنقل بعد ذلك من الموانئ المصرية إلى العالم ، لكن مع أزمة باب المندب ، هذا الوضع مهدد في المستقبل ، وليست هنا وحدها تبدو أزمة القاهرة ، فالتمركز الإسرائيلي في أرض الصومال ، ودفع إثيوبيا إلى إيجاد موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر كمنفذ لها ، كل ذلك بعد سد إثيوبيا ، مساعٍ للالتفاف على قناة السويس وإفقادها أهميتها ومركزها كمصدر للعملة الأجنبية وثقلها الجيواستراتيجي ، فإذا كانت أديس أبابا حتى الآن قادرة على التحكم في كميات تدفق مياه النيل ، فإن المنفذ الساحلي سيكون إضافة إلى تراجع مستوى النقد الأجنبي للقاهرة ، وهو أمر ليس عبثيًا ، بل مخطط له جيدًا .
وهنا يتضح الخط الناظم : إسرائيل لا تكتفي بمواجهة إيران مباشرة ، بل تسعى إلى تطويقها عبر إفريقيا والبحر الأحمر ، مستخدمةً إثيوبيا وأرض الصومال كأدوات ضغط على مصر في الوقت ذاته ، فالهدف المزدوج واضح : تقويض الدور المصري في البحر الأحمر ، وقطع طرق الإمداد الإيرانية في الوقت نفسه ، ومن جانب آخر ، لو قرر الحوثيون تعطيل الملاحة في باب المندب ، فسيكون ذلك أيضًا توزيعًا للضغوط بينه وبين مضيق هرمز ، فحتى الآن ، لم تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل ، بعد كل هذا الوقت ، من منع الحرس الثوري من السيطرة عليه ، حتى لو كانت الحركة متذبذبة : مرة تُعبر السفن ، وفي كثير من الأحيان يتوقف العبور ، وطالما أن طهران تملك القدرة على تفعيل الجبهتين في وقت واحد ، فإن المنطقة بأسرها تبقى رهينة قرار لا تصنعه عواصمها ،
أمر آخر : هناك اتفاق ضمني بين دول المنطقة — تركيا ومصر والسعودية وقطر — على دعم الجيش السوداني ، لكن الأكثر لفتًا أن الحرس الثوري يوفر النصيب الأكبر من هذا الدعم ، فإيران تتخوف من سيطرة إسرائيل وحلفائها ، مثل إثيوبيا وأرض الصومال وغيرهما ، على ضفتي البحر الأحمر ، وهو ما يدفعها إلى دعم الجماعات المسلحة المحلية في الصومال أيضًا ، تلك التىّ تحتاج إلى المال والعتاد ، ومصر في نهاية الأمر تعلم كل ما يجري من قبل الأطراف كافة ، لكنها ما زالت تتعامل مع الجميع بقواعد التوازن ، دون تجاهل انعكاسات ذلك على الأمن القومي ، على عكس إسرائيل التىّ تدفع بالمشاريع في أفريقيا والساحل الأحمر من منطلق هجومي ، وهي تعرف أن مواجهتها في السودان والسد الإثيوبي ومحاولة إيجاد مسارات بديلة عن قناة السويس غير واردة حتى الآن .
فالمتبادل بين إيران والولايات المتحدة على استهداف سفن نقل النفط ، ادى إلى دفع طهران عن ايجاد بدائل ، وبالفعل ، لا أحد ينكر بانها لديها خبرة طويلة في توفير ذلك بحكم الحصار الطويل ، لكن يبقى أهمها السفن العملاقة الصينية التىّ تدخل الموانئ الإيرانية وتخرج بالنفط دون أن تُمس ، وطالما أن أغلب النفط يُنقل إلى الصين ، فإن إيران لا تعاني من مشكلة حقيقية ، وبالطبع ، أسطول الظل الذي تتعامل معه إيران تمتلكه شركات تابعة لدول يصعب استهداف سفنها ، مع ذلك ، يُعطّل نظام التعرف الآلي (AIS) أو تُغيّر إحداثيات التتبع مع اعتماد أسلوب نقل الحاويات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر ، وهذه الإجراءات تحتاج إلى جهد كبير لمراقبتها وأموال طائلة .
وهنا المفارقة : واشنطن تنفق المليارات لمحاصرة إيران بحريًا ، وطهران تنفق أقل من ذلك بكثير للالتفاف على الحصار ، بينما العرب يدفعون الثمن في كل مرة .

في المحصلة ، يقال لا ترسل حمامة سلام لمن هو جائع بالتمدد والتوسع ، بالتأكيد سيلتهمها ، فحرب نتنياهو وترامب على إيران ، وإن بدت بحرية في عنوانها ، فإن فاتورتها تُوزع على الأراضي العربية : باب المندب ، قناة السويس ، النيل ، السودان ، الصومال ، والبحر الأحمر ، والعرب ، كما في مقطع درويش ، يبنون على الرمل ما تحمله الريح ، فإذا كان السؤال : لماذا تريد الرحيل إلى قرطبة؟ فقد يكون الجواب اليوم : لأن الدرب لم يعد واضحًا ، والصحراء صارت بحرًا ، والبحر صار قرارًا إسرائيلياً -أمريكيًا – حوثياً -اثيوبياً ، باستثناء العرب ، لا عربيًا . والسلام… أو ما تبقى منه . 

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *