مروان صباح :
السأم سببٌ لكثير من علل الإنسان ، أو ربما هو أحد أعراض فقدان المعنى في حياته ، فهو لا يرتبط فقط بغياب ما يشغل الوقت ، بل بعدم قدرة الإنسان على توظيف حياته في عمل نافع له وللآخرين ، لذلك ، فإن الرضا ليس أمرًا يسيرًا أو حالة تلقائية ؛ إذ يحتاج الإنسان إلى أن يشعر بأن لوجوده أثرًا ، وأن لوقته قيمة تتجاوز مجرد استهلاكه ، ولعل السؤال المجازي : كم ميلًا تقطع النحلة من أجل إنتاج ملعقة من العسل؟ ، يختصر شيئًا من هذه الفكرة ؛ فالحياة المنتجة تقوم على المسافة التىّ يقطعها الإنسان نحو غاية يشعر بقيمتها ، ومن يعرف طريق الإنتاج ، سواء في الفكر أو العمل أو الإبداع ، يدرك ضرورة المحافظة على المساحة التىّ تتيح له ذلك ، لأن خسارتها قد تدفعه إلى فراغ لا يعرف كيف يملؤه ، ومن هنا يبدأ السأم : حين يفقد الإنسان علاقته بالفعل الذي يمنحه معنى وقيمة ، يتحول الوقت من فرصة إلى عبء ، ويصبح البحث عن وسيلة لقتله أكثر إلحاحًا من البحث عن طريقة لاستثماره ، وفي هذه الحالة ، لا يعود الترفيه وسيلة للراحة ، بل يتحول تدريجيًا إلى محاولة للهروب من الفراغ ، وقد يجد الإنسان نفسه متمسكًا بالحياة لا لأنه وجد فيها ما يستحق العيش ، بل لأنه يخشى مواجهة ذلك الفراغ .
في المقابل ، فإن معرفة الإنسان بذاته وبما يريد أن يكونه تمنحه قدرة أكبر على تحمل مشقة الحياة وتقلباتها ، ولعل صورة سقراط تظل حاضرة هنا بوصفها مثالًا فلسفيًا على إنسان جعل علاقته بمبادئه أعمق من مجرد الخوف على بقائه ، فالرضا لا يعني غياب الألم ، وإنما القدرة على أن يجد الإنسان في حياته ما يجعل هذا الألم محتملًا وذا جوهر ، وهذا ما يجعل رواية «السأم» للكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا توطئةً واستئناسًا بمدخلٍ أدبيٍّ يعين على فهم المسألة ؛ فالسأم عند مورافيا ليس مجرد ملل من تكرار الأيام ، وإنما حالة من الانفصال عن الأشياء وفقدان القدرة على إقامة علاقة حقيقية معها ، ومن هذه الزاوية ، يصبح السأم أزمة في علاقة الإنسان بالعالم ، لا مجرد نقص في وسائل التسلية ، ولعل المفارقة أن الحياة المعاصرة ، رغم كل ما أنتجته الرأسمالية من وسائل للترفيه والاستهلاك بهدف كسر الملل ، لم تستطع إنهاء السأم ، فقد تضاعفت المنتجات والخدمات المصممة لجذب الانتباه ، لكن الإنسان لم يصبح بالضرورة أكثر رضا ؛ إذ يمكنه اليوم أن يملأ ساعات طويلة بالمحتوى والصور والألعاب والمنصات ، ثم يعود في نهاية اليوم إلى الفراغ نفسه .
لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش وفرة في وسائل التسلية ، وفقرًا محتملًا في بالجوهر ، فالمشكلة لم تعد في قلة ما نستهلكه ، وإنما في أن الاستهلاك نفسه قد يتحول إلى طريقة لإخفاء الفراغ ، وكلما انتهت متعة ، احتاج الفرد إلى أخرى ، حتى يصبح الترفيه دائرة مغلقة تعيد إنتاج السأم بدل أن تنهيه ، وهنا تدخل التكنولوجيا في صميم المشكلة ، فهي لم تعد مجرد أدوات نستخدمها ، بل أصبحت جزءًا من البيئة التىّ تتشكل داخلها عاداتنا واهتماماتنا وصورتنا عن أنفسنا ، ومع ذلك ، لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا ذاتها ؛ فهي قادرة على توسيع المعرفة والتواصل والإبداع ، وإنما في تحولها من وسيلة تساعد الإنسان على بناء حياته إلى بديل عن الحياة الاجتماعية نفسها .
فالهوية لا تُبنى من خلال الأجهزة وحدها ، وإنما تتشكل في الاحتكاك بالمحيط الاجتماعي : الأسرة ، والمدرسة ، والعمل ، والثقافة باشكالها ، والمؤسسات العامة ، وهذه المساحات هي التىّ تمنح الفرد شعورًا بالانتماء والمسؤولية والمشاركة ، وعندما تتراجع هذه الروابط لصالح علاقة كثيفة بالشاشات ، قد يصبح الإنسان أكثر اتصالًا بالمعلومات وأقل اتصالًا بالعالم الذي يعيش فيه ، وهنا يتحول السأم من حالة فردية إلى مسألة اجتماعية وسياسية ، فالمواطن الذي لا يشعر بأن له دورًا في محيطه ، ولا يرى أثرًا لمشاركته ، قد يتحول تدريجيًا من فاعل إلى متفرج ؛ يستهلك السياسة والثقافة والأخبار كما يستهلك الترفيه ، من دون أن يشعر بأنه جزء من عملية إنتاجها .
لذلك ، فإن مواجهة السأم لا تكون بإنتاج مزيد من وسائل التسلية ، وإنما بإعادة بناء المعنى داخل الحياة اليومية : في العمل ، والتعليم ، والأسرة ، والثقافة، والمشاركة العامة ، فالتكنولوجيا والألعاب الإلكترونية ينبغي أن تساعد الإنسان على توسيع هذه المساحات ، لا أن تلغيها ، والترفيه ينبغي أن يمنحه استراحة من الحياة ، لا أن يصبح بديلًا عنها .
