بين هجر الحاضر والهجرة الى الماضي …
م.بيطار ,ر. منصور :
العولمة هي تفاعل وتكامل بين الأفراد والجماعات في معظم جوانب الحياة , خاصة في الجانب الاقتصادي , وذلك بتحويل العالم الى سوق واحدة عن طريق حرية التجارة والغاء الجمارك وقيود الاستيراد والتصدير الخ , هناك ايضا العولمة السياسية مما يعني عمليا طغيان سياسات الدول المتقدمة على سياسات الدول المتأخرة , ثم العولمة الثقافية التي تقود الى تلاشي الثقافات الضعيفة وذوبانها في الثقافات القوية في خلطة العولمة الثقافية العالمية !.
تقود العولمة الى زيادة الانتاج وزيادة ارباح الاقوياء وارتفاع مستوى اختلاط وتعارف الشعوب والى فقدان ما تسمى الخصوصية الثقافية لبعض الشعوب ,في هذا الخصوص واجهت شعوب هذه المنطقة العديد من الصعوبات والتحديات الفكريىة والتقنية والاقتصادية , لم تتمكن الجماعات البدائية الاستفادة من العولمة , لكون العولمة تجسد مرحلة من التطور الكبير في الانتاج والتسويق والتقنيات والعلم , ولكون الجماعات الشرق – اوسطية لم تكن قادرة على مواكبة تطورات المجتمعات المتقدمة , لذلك توسعت الهوة بين الشرق اوسطيين وبين بقية شعوب العالم , مما يعتبر تأخرا نسبيا, لم يفهمه ويدركه الجميع, ولم يكن هناك قوى تمكنت من التعرف على مسبباته , التي يمكن اختصارها بعدم تمكن شعوب هذه المنطقة من مواكبة الشعوب الأخرى في التطوير الحداثي ,وللقصور في المواكبة اسباب كان من اهمها خلط الديني بالسياسي , وبالتالي “تحنيط ” الشعوب وتحويلها الى مومياء صنمية منغلقة على ذاتها لاتنطق ولا تفكر ولا تتطور ولا تنتج .
لم يقتصر الإحجام عن المواكبة على تسييس الدين وتدين السياسة ومشتقاتهم وعدم المقدرة على مواجهة التحدي الذي جاء مع العولمة , هناك مسببات اخرى عرقلت اختراق العولمة لعالم الشرق الأوسط , منها عدم فهم العولمة أصلا , وقصور الفهم لم يقتصر على الجهلة انما شمل العديد من المثقفين مثل محمد عابد الجابري الذي وصف العولمة بانها ” ثقافة تعكس ارادة الهيمنة “,والهيمنة منطقية عند اجتماع القوي مع الضعيف, أو التقدمي عبد الله بلقزيز الذي قال ان العولمة “فعل اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات, وهي رديف الاختراق الذي يجري بالعنف المسلح بالثقافة ”ولا نجد اي اغتصاب في هذه الحالة ,ثم أكمل حسن حنفي بالقول ان العولمة ” تعبيرا عن مركزية دقيقة في الوعي الأوروبي تقوم على عنصرية عرقية وعلى الرغبة في الهيمنة والسيطرة”,لانجد اي اغتصاب في التعلم من الغير , واذا تبنى هؤلاء المثقفين تلك المواقف !, فماذا ننتظر من الجهلة ؟, الذين يعيشون في التراث العربي الديني المتأخر والمتجمد وفي أسر النصوص المقدسة والفتاوى , وذلك بالرغم من خرافية النصوص ومهازل الفتاوى المخصية والمصابة بعنانة الصلاحية لكل زمان ومكان .
كشفت العولمة الوجهة الفكرية الغالبة لقراءتها من الاعراب وردود فعلهم عليها ومأزق الفارق الحضاري بين العرب وغيرهم من شعوب العالم , لم تتمكن الهوية الثقافية العربية من اكتساح العولمة والتأثير عليها, بل برهنت عن العجز في تطوير هذه الهوية بما يتناسب مع المتطلبات التاريخية التي يشهدها هذا العصر , والتي شملت كل ميادين الحياة, المجتمع المهووس والمهموم والمسجون في الماضي لم يقتدر على ادراك تلك التحولات ومواكبتها والاشتراك في صنعها , بالرغم من اختراق هذه التغيرات واكتساحها لحياته الخاصة والعامة بدون استئذان منه.
منع تقديس أحكام الفقهاء وتشريعاتهم اخضاع التراث لقراءة عقلانية نقدية , وسمح باسقاط احكام هذا التراث على الواقع الراهن , عشعشت تلك الأحكام في العقول مثلا بخصوص الحقيقة المطلقة , التي لاوجود لها سوى في النصوص الدينية الغير صالحة لكل زمان ومكان , والأسوء من ذلك كان فتح الأبواب أمام الخرافات والأساطير التي استوطنت داخل العقول, التي لم تعد قادرة على التمييز بين النافع والضار , فالخرافة ضارة دائما لأنها لاتمت للواقع بأي صلة , لذلك يمكن القول بأن العقل العربي لم يعد واقعي, اي أصبح متخرف كالخرافة التي تسكنه ,العولمة واقع يجب فهمه والتأثير عليه , والتأثير عليه لايتم بتكفيره وشتمه والعزلة عنه , انما بتطويره بشكل يسمح بالاستفادة منه , والاستفادة منه لاتتم بمواجهتة بالفتاوى والآيات والمقدسات التي لاتمت للدنيوي بصلة , بينما العولمة أمر دنيوي بالمطلق والتأثير عليه لايتم الا بأدوات دنيوية .
تتخبط شعوب المنطقة بين الأرض والسماء وبين احكام كل منهما , وبالتالي تحول حاضرهم الى ماضيهم , الشعوب الأخرى قامت بعكس ذلك , اذ استفادت من الماضي بشكل تجنب بعض جوانبه والابتعاد عنها ,بينما التصق الأعراب بماض مظلم ,اعتبروه جهلا وزورا مجيدا ونيرا , لم ينتج عن ذلك التكاذب على الذات سوى وقوعهم في محرقة الظلام الظالم , فمهما كان ذلك الماضي لايجوز استنساخه حاضرا بقضه وقضيضه , لأن اسس الحياة حاضرا متعاكسة او على الأقل مختلفة بشكل جذري عن اسس حياة الماضي , تتطلب حياة الحاضر الانخراط في هذا الحاضر كشرط أساسي من شروط المقدرة على التأثير عليه , لم تتحقق شروط المقدرة على التأثير على الحاضر ايجابيا , وبقيت عادات وتقاليد التراث الخرافية ترخي بثقلها على العقول, مما أفشل مبادرات النهضة في اوائل القرن العشرين, لا نرى حاضرا أي مبادرات جديدة , لابل تستمر الهجرة الى الماضي بدون توقف أو تباطؤ …للبحث تتمة
Post Views: 6