لا نجد ضرورة لبحث مفهوم الدولة المدنية عند روسو أو جون لوك , فالمفهوم معروف عند معظم الناس , بالمقابل نظن أن مفهوم الدولة المدنية عند الصحوة الدينية , والتي يطالب بها العديد من اخوان هذه الأيام غير معروفة , سبب عدم المعرفة بمفهوم دولة الصحوة المدنية الدينية اي دولة مدينة يثرب كان التكتم المقصود حول هذا المفهوم من قبل الاخوان , التباس عمدي بين الشيئ ونقيضه , فمدنية دولة الصحوة كانت نقيض دولة روسو المدنية ,وكانت واقعة انتحال اسم الدولة المدنية , سرقوا الاسم وفخخوا المضمون وغرروا بمفردة “مدنية” الذي اشتقوه من المدينة ,حتى بعض العلمانيين انبهروا بهذا التطور الايجابي المفترض للاخوان , نقص المعارف بما يخص دولة الصحوة الدينية المدنية قاد الى اعتقاد البعض بأن هذه الدولة هي دولة روسو وليست دولة حسن البنا أو دولة سيد قطب .
دولة الصحوة المدنية كان شعارا محلي الصنع وحديث الصنع اضافة الى ذلك , لا وجود لهذا المصطلح أو الشعار في القواميس الحقوقية أو قواميس الفلسفة السياسية , وللتوضيح يمكن القول أن مفهوم هذه الدولة المدنية ينطبق على مفهوم الخلافة كنظير لمفهوم دولة الملالي الايرانية ,اطلاق اسم ” الجمهورية “على ولاية الفقيه لم يتمكن من تحويل ولاية الفقيه الى جمهورية حقيقية ,هناك التباس بين مفهوم “الجمهورية” ومفهوم دولة الملالي ومرشدها الأعلى , الذي هو مفهوم الخلافة المعدل قليلا تماشيا مع بعض معالم السياق التاريخي الحالي , لايقل النموذج الاخونجي لدولة الخلافة تلفيقا ونفاقا عن نموذج جمهورية ملالي الفقيه في ايران , فلا مدنية ولا جمهورية في كلا الحالتين.
تدعي دولة الصحوة المدنية بأنها تريد “جمهورية” وانتخابات ورئيس جمهورية كما هو حال كيان الملالي الايراني , اذ هناك انتخابات ورئاسة جمهورية ودستور , الا أن المرشد الأعلى كان فوق كل ذلك , والهيئات الدينية والملالي كانوا فوق كل ذلك , ولا يمكن لايراني أن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية الا بعد موافقة الملالي على ذلك , لايمكن لشخص ايراني ترشيح نفسه لعضوية البرلمان الا بعد موافقة الملالي على ذلك الترشيح , ولا يمكن لتشريع أن يطرح للنقاش الا بعد موافقة الملالي , انها دولة دينية بكل دلالات هذه الكلمة , الحكم ديني والتشريع كذلك ,واطلاق اسم جمهورية على كيان من هذا النوع ليس الا اعتداء على المعرفة , اذ لايمكن لدولة دينية الا أن تكون دولة خلافة , ولايمكن لدولة الخلافة أن تكون “جمهورية”, يطلق اسم “جمهورية” على العديد من الكيانات التي لاتستوفي شروط هذه التسمية , انه من المعروف على أن مفهوم الجمهورية ليس تصنيفا لغويا لنظام حكم , بقدر ماهو مبادئ وقيم وثقافة , والعديد من اشباه الدول لاتملك من “الجمهورية”” سوى الاسم فقط ,كل ذلك دفع رئيس الجمهورية التونسي السابق المنصف المرزوقي الى ابتداع اسم “جملوكية”, مفهوم الجمهورية هو النقيض للحكم المطلق , الجمهورية هي “الدولة” حسب روسو والدولة هي منظومة قوانين , لايستقيم مفهوم الجمهورية مع الملكية الوراثية ولا مع الخلافة .
كثر الحديث في الاعوام الأخيرة عن الدولة المدنية ,مقصد كل طرف من اطراف النقاش كان مغايرا عن مقصد الآخر , ومناقضا لما يعنيه الآخرون, فدلالة المصطلح كانت ملتبسة, من يتقبل الدولة المدنية بشكلها الصحوي الديني الاخونجي سيتفاجأ بكيان اسمه دولة مدنية ومضمونه خلافة سنية او شيعية ككيان الملالي , قبول طرح الاخوان كان بمثابة تأسيس لخلافات مستقبلية لاحل لها حتى بانتصار أحد الأطراف , انتصار أحد الأطراف وتداعيات هدا النصر لايمثل الا انهزاما للشعب وتقويضا لعملية بناء الدولة , الذي سيقود الى تهالك مشروع هذه الدولة وبالتالي الى اندثاره !, الا يتواجد كيان الملالي في مرحلة الاندثار!