السكران الذي تحدّى نيتشه… وانكسر أمام تشيخوف -بين الكأس والفلسفة

مروان صباح :
العالم يسخر ويفكر.. «كاريكاتير» | المصري اليوملماذا يحتاج بعض الناس إلى السكر كي يتجرأوا على السؤال؟ …
 بادئ ذي بدء ، ككاتب ليست مهمتي إقناع الجميع بمقالي ، بقدر أنني أسعى إلى دفع الجميع على التفكير ، وفي واحدةٍ من أكثر الصور الأدبية سخريةً وعمقًا ، يجعل الكاتب الروسي أنطون تشيخوف، في قصته «حديث السكران مع الشيطان الصاحي»، الشيطان أكثر هدوءًا واتزانًا من السكران نفسه ، ولم يكن مقصد تشيخوف تمجيد الشيطان أو الانتقاص من الإنسان ، بل الكشف عن مفارقةٍ مؤلمة ؛ فالإنسان ، عندما يغيب وعيه ، قد يظن أنه أصبح أكثر قربًا من الحقيقة ، بينما يكون قد ابتعد عنها أكثر من أي وقتٍ مضى ، فكلما ازداد السكران يقينًا بما يقول ، ازداد انفصالًا عن الواقع ، حتى يخال إليه أنه اكتشف من أسرار الكون ما عجز عنه الفلاسفة ، في حين لا يكون قد تحرر إلا من القيود التىّ كانت تضبط لسانه ، لا من القيود التىّ تحد من أخطائه ، ولعل هذه المفارقة كانت أول ما تبادر إلى ذهني كلما تأملت العلاقة بين الكأس والفلسفة ، فمنذ سنوات ، لا أجد في الكحول ما يستحق الانحياز إليه ؛ فلا أراه يمنح الإنسان سعادةً حقيقية ، ولا يضيف إلى شخصيته قيمةً أخلاقية أو معرفية ، مهما تعددت المبررات التىّ يسوقها شاربوه ، فهو لا يمنح العقل صفاءً ، بقدر ما يمنح اللسان جرأةً مؤقتة ، حتى يخيّل إلى صاحبه أنه أصبح أكثر حكمة ، بينما الحقيقة قد تكون على النقيض تمامًا ، ومع ذلك، بقيت عبارةٌ متوارثة تختزن حكمةً اجتماعيةً عميقة تقول : «السكران في ذمة الصاحي» ، وهي عبارة لا تبرئ السكر ، ولا تمنح صاحبه عذرًا ، بقدر ما تُحمّل الوعي مسؤولية من فقد وعيه، وتؤكد أن الإنسان في لحظة ضعفه يحتاج إلى من يحميه ، لا إلى من يشمت به أو يستغل عجزه ، إنها قاعدة أخلاقية صاغها الضمير الإنساني قبل أن تكتبها القوانين، وجعلت من العقل مسؤوليةً اجتماعية ، لا مجرد ملكةٍ فردية ، وعلى الرغم من تعاقب الحضارات الإنسانية على هذه الأرض ، والتىّ يناهز عددها 13 حضارة كبرى ؛ بدءًا من الحضارة السومرية في جنوب العراق ، أقدم الحضارات المعروفة وصاحبة اختراع الكتابة وبناء المدن المنظمة ، مرورًا بالحضارات المصرية القديمة ، والبابلية ، والآشورية ، والعيلامية في غرب إيران ، والحيثية في الأناضول التىّ اشتهرت بصناعة الأسلحة الحديدية ، والأكدية ، والفينيقية في لبنان ، والكنعانية في فلسطين ، والفارسية ، والإغريقية التىّ ارتبط اسمها بازدهار الفلسفة والديمقراطية ، والرومانية التىّ بسطت نفوذها على أجزاء واسعة من أوروبا وشمال أفريقيا ، وصولًا إلى الحضارة الصينية التىّ اقترن اسمها باختراع الورق ؛ فإن ما يجمع بينها جميعًا ، على اختلاف أديانها وثقافاتها وأنظمتها ، هو إدراكها أن العقل أعظم ما يملكه الإنسان ، وأن غيابه ، ولو مؤقتًا ، ينزع عنه شيئًا من قدرته على التمييز وتحمل المسؤولية ، وربما يختلف المؤرخون في عدد الحضارات الكبرى ، كما يختلف الفلاسفة في تعريف الحضارة ذاتها ، لكنهم يكادون يتفقون على أن الحضارة تبدأ من احترام العقل ، أما كل ما يفضي إلى تغييب الوعي ، فلم يكن يومًا أساسًا لبناء أمة ، ولا طريقًا إلى نهضة ، بل كان ، في أحسن أحواله ، استراحةً مؤقتة من مواجهة الواقع .
ولهذا ظلّ عبر العصور عرفٌ إنساني غير مكتوب ، مفاده أن «السكران في ذمة الصاحي»؛ وهو تعاهدٌ أخلاقي يسبق القوانين ويتجاوز النصوص ، لا يقتصر على مرافقة من غاب وعيه حتى يستعيد رشده ، بل يرسخ قيمةً إنسانية مفادها أن قوة المجتمع لا تُقاس بما يملكه من سلطة ، بل بقدرته على حماية أفراده في لحظات ضعفهم ، ومن هنا لم يكن هذا التعاهد حكرًا على شعب أو حضارة ، بل أصبح إرثًا إنسانيًا متوارثًا ، يعلم البشرية أن الصاحي سترٌ وغطاءٌ لأخيه السكران ، كما أن الهادئ في ذمة الغاضب ، والمطمئن في ذمة الحزين ، والقادر في ذمة العاجز ، ومن يملك في ذمة من لا يملك ، غير أن أكثر ما يثير التأمل ليس الكحول في ذاته ، بل التحول الذي يطرأ على شخصية بعض شاربيه أو بالأحرى معظمهم ، فما إن يبلغ أحدهم مرحلة النشوة حتى يتبدل خطابه ، ويتحول ، أو هكذا يظن ، إلى فيلسوف ، فجأة يصبح خبيرًا في السياسة والاقتصاد ، ومفسرًا للتاريخ ، وناقدًا للدين ، ومنظّرًا في الاجتماع ، ومتحدثًا في الأدب والفن ، وكأن الحقيقة كانت تنتظر كأسًا حتى تظهر ، يخوض في كل قضية ، ويجادل في كل فكرة ، ويصدر الأحكام بثقة لا تعرف التردد ، حتى ليخيل إلى مستمعيه أنه يمتلك مفاتيح المعرفة كلها ، وهنا يبرز سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره ، لكنه من أكثر الأسئلة الفلسفية عمقًا : لماذا يحتاج بعض الناس إلى الكحول حتى يتجرؤوا على التفلسف؟ ولماذا لا تتدفق الأسئلة ذاتها وهم في كامل يقظتهم؟ وهل الذي يتحرر فعلًا هو العقل ، أم أن الذي يسقط ليس إلا الخوف ، بينما يبقى العقل على حاله ، أو ربما يصبح أقل قدرة على التمييز ؟
قد نختلف مع الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه أو نتفق معه، لكن يصعب أن نتحدث عن الفلسفة دون أن يمر اسمه في الطريق ، فلم يكن نيتشه باحثًا عن يقينٍ مريح ، بقدر ما كان باحثًا عن سؤالٍ يهزّ اليقين نفسه ، وربما لهذا بقي حاضرًا في الفكر الحديث ، لأنه آمن بأن السؤال هو بداية المعرفة ، وأن الحقيقة ليست محطةً يصل إليها العقل ، بل رحلةٌ لا تتوقف ، ولعل قوله إن «التفاهة وحدها هي التىّ تجني الأرباح» لم يكن سوى وصفٍ مبكر لعالمٍ يزداد فيه الضجيج كلما تراجع العمق ، ومن هذا المنطلق ، يبدو السكران أقرب إلى المتفلسف منه إلى الفيلسوف ، فهو لا يفتقر إلى الجرأة ، بل إلى المنهج ؛ ولا يعوزه الكلام ، بل يعوزه البرهان ، وما إن تتحرر مشاعره من القيود حتى تنطلق أفكاره بلا نظام ، فيخلط بين السؤال والجواب ، وبين الشك واليقين ، وبين الرأي والحقيقة ، إنه يتحدث بثقةٍ مطلقة ، بينما الفيلسوف الحقيقي يبدأ رحلته بالاعتراف بحدود معرفته ، فالفرق بينهما ليس في كثرة الكلام ، وإنما في طبيعة العقل الذي ينتجه ؛ أحدهما يسأل ليعرف ، والآخر يتكلم لأنه يظن أنه عرف ، ولعل هذا ما أراد أنطون تشيخوف التعبير عنه في قصته «حديث السكران مع الشيطان الصاحي» ، فالمفارقة التىّ بناها ليست بين الخير والشر ، ولا بين الإنسان والشيطان ، وإنما بين عقلٍ فقد توازنه ، وعقلٍ يحتفظ بهدوئه ، فالشيطان ، في تلك الصورة الساخرة ، لا ينتصر لأنه أكثر حكمة ، وإنما لأن السكران يتوهم أنه انتصر قبل أن يبدأ الحوار ، لقد أراد تشيخوف أن يقول إن أخطر ما يفعله السكر ليس تغييب العقل ، بل إقناع صاحبه بأنه أصبح أكثر صفاءً ، وأن ما يقوله هو الحقيقة التىّ غابت عن الآخرين ، وربما لهذا السبب لا يخلق الكحول الأفكار ، بل يرفع ، مؤقتًا ، الحواجز النفسية التىّ تمنع صاحبها من الإفصاح عما يدور في داخله ، ولهذا يبدو السكران أكثر جرأة ، لكنه ليس بالضرورة أكثر فهمًا ، فالفكرة لا تُقاس بعلو الصوت ، ولا بحدة الانفعال ، وإنما بقدرتها على الصمود أمام النقد والمنطق ، والإنسان لا يصبح فيلسوفًا لأنه تكلم كثيرًا ، بل لأنه عرف متى يشك ، وكيف يختبر ما يعتقد أنه حقيقة.
وليس من المصادفة أن كثيرًا من السكارى تدور أحاديثهم حول الأسئلة الوجودية الكبرى : العدالة ، والحرية ، والدين ، والسياسة ، والموت ، ومعنى الحياة ، فهذه الأسئلة تسكن الإنسان أصلًا ، لكنها تحتاج إلى عقلٍ يقظ كي تتحول إلى معرفة ، لا إلى انفعالٍ عابر ، فالفرق بين الفيلسوف والمتفلسف أن الأول يطيل التأمل قبل أن يتكلم ، أما الثاني فيُكثر الكلام قبل أن يتأمل ، ولعل أقرب تفسيرٍ لهذه الظاهرة أن بعض الناس لا يلجؤون إلى الكحول بحثًا عن المعرفة ، وإنما هربًا من قلق الحياة وضغوطها ، ففي ساعات اليقظة تبدو الأشياء مستقرة ، وتبدو المسلمات عصيةً على المساءلة ، أما مع تراجع الخوف ، ولو بصورةٍ مصطنعة ، فإن الأسئلة تبدأ بالظهور ، لا لأن الحقيقة تغيّرت ، بل لأن الحواجز التىّ كانت تمنع الاقتراب منها قد ضعفت ، غير أن تراجع الخوف لا يعني بالضرورة ازدياد الحكمة ، كما أن الجرأة لا تعني صحة الفكرة ، ولعل أخطر أنواع السكر في عصرنا لم يعد سكر الكأس وحده ، بل سكر السلطة ، وسكر المال ، وسكر الأيديولوجيا ، وسكر اليقين المطلق ، فكم من سياسي يتحدث بثقة السكران وهو لم يقترب من كأس ، وكم من مسؤول يظن أن المنصب يمنحه احتكار الحقيقة ، وكم من مثقف يغلق باب السؤال لأنه توهم أنه بلغ نهاية المعرفة ، وعندما يصبح اليقين المطلق بديلًا عن النقد ، تتحول المجتمعات إلى سكارى من نوعٍ آخر ؛ لا يغيب وعيهم بفعل الكحول ، بل بفعل السلطة ، أو التعصب ، أو المصالح ، أو الأوهام .
وهكذا ، لم يكن تشيخوف يسخر من السكران لأنه شرب ، بل لأنه توهم أن الغياب أصدق من الحضور ، وأن الجرأة التىّ يمنحها الكأس تغني عن شجاعة العقل ، وربما لهذا السبب لم تُقاس الحضارات ، يومًا ، بعدد ما شُيّد فيها من حانات ، ولا بما أُنتج فيها من خمور ، وإنما بما أنجزته من علوم ، وما شيّدته من مؤسسات ، وما رسخته من قيمٍ تحفظ للإنسان عقله وكرامته ، فإن الفلسفة الحقيقية لا تبدأ حين يغيب العقل ، بل حين يستيقظ ، وهي لا تحتاج إلى كأس ، بل إلى شجاعةٍ فكرية ، وصبرٍ على الشك ، وانضباطٍ في البرهان ، فالكحول لا يمنح الإنسان عقلًا جديدًا ، وإنما يمنحه إحساسًا مؤقتًا بأنه أصبح أكثر حكمة ، بينما قد يكون أبعد ما يكون عنها .

ولهذا ، فإن الإنسان الذي لا يستطيع مواجهة أسئلته إلا في لحظة تغييب وعيه ، لم يتحرر من الخوف ، بل أجّل مواجهته ، أما المفكر الحقيقي ، فيواجه قلقه بعقلٍ مستيقظ ، ويؤمن بأن أعظم الأفكار لا تولد في لحظات الغياب ، وإنما في لحظات الصفاء ، حيث يكون العقل قادرًا على الشك، والنقد ، والاكتشاف ، دون أن يستعير شجاعته من كأس ، أو يقينه من وهم ، ولعل أعظم ما أنجزته الحضارات لم يكن اختراع الكتابة ، ولا بناء المدن ، ولا تشييد الإمبراطوريات ، بل قدرتها على أن تجعل العقل مرجعًا ، لا الغياب ؛ لأن الإنسان حين يفقد وعيه قد يقول كل شيء ، لكنه نادرًا ما يقول الحقيقة كلها… والسلام ✍️ 

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *